يمكننا القول إن دولة القانون من الناحية النظرية، هي الدولة التي يحتكم ويخضع لها كافة مكونات الدولة من أفراد ومؤسسات على حد سواء، وهي تقوم على مبدأ التوازن ما بين الحقوق والواجبات. ويعتبر دستور الدولة المرجع الأساسي الملزم لكافة التشريعات الداخلية والاتفاقيات الدولية المعمول بها في الدول، ولا يجوز لأي جهة مهما كانت طبيعتها تشريعية أو تنفيذية أو قضائية أو شعبية، أن تخالف الدستور. لذلك نجد كثيراً من الدول حريصة أن تنشئ لهذه الغاية محكمة متخصصة تسمى (المحكمة الدستورية)، تعنى بالنظر بأي مخالفات تشريعية على الدستور.

نعلم جميعاً أن مكونات هيكل دولة القانون في الدول الديمقراطية، تقوم على ثلاث سلطات أساسية هي: التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتختلف طبيعة العلاقة فيما بينها (مبدأ فصل السلطات) وفقاً لطبيعة وشكل النظام السياسي للدولة مثل: الملكية الدستورية، النظام الرئاسي، النيابي، الفدرالي، كونفدرالي... الخ. والمهم أنه مهما اختلف شكل وطبيعة النظام السياسي، يبقى الأمر في النهاية مُناطاً بمدى احترام والتزام الدولة بالقانون على أساس مبادئ العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات. وهنا بيت القصيد, فكثير من الدول تخضع من حيث الشكل إلى مفهوم دولة القانون، ولكنها في حقيقة الأمر هي دولة (سلطوية) لا علاقة لها بمفهوم دولة القانون.

من المؤكد أنه ومهما كانت طبيعة دولة القانون، فإن هناك توازنات سياسية واقتصادية واجتماعية تفرضها حرية المعتقد والانتماء والرؤية الفكرية لمختلف مكونات وشرائح وأطياف مجتمع الدولة، التي تكون في أغلبها مؤطرة في تنظيمات سياسية حزبية تسمى (مؤسسات مجتمع مدني)، تختلف أهواؤها و انتماءاتها وتوجهاتها الفكرية، ما بين اليسار إلى الوسط إلى اليمين، وتنتمي لمذاهب فكرية مختلفة ما بين يساري وليبرالي، علماني، اشتراكي..الخ. والكل يسعى إلى دفع الدولة لتبني النهج الفكري الذي يراه أصلح للدولة، وهنا نصل الى ما يسمى (اللعبة الديمقراطية), فقدرة إحدى تلك الفئات على إقناع الرأي العام الشعبي في إيصالهم الى دفة الحكم بالدولة، سواء على مستوى رئاسة الدولة أو برلمانها، وهذا بالنتيجة يصبغ على نظام الدولة ونهجها شكلاً معيناً لنظام الحكم وفي تسيير أعمالها وتبنيها لسياسات تشريعية سياسية واقتصادية واجتماعية، على المستويين الداخلي والخارجي، تتفق وتوجهات الجهة الحاكمة في الدولة، ولكن ذلك لا يمنع أيضاً من وجود توازنات ما بين تلك القوى السياسية، تخضع لرقابة شعبية ومؤسسية، تتمثل بالمعارضة، كما هو الحال في الدول المتقدمة في أوروبا مثل: بريطانيا حزب العمال وحزب المحافظين أو في الولايات المتحدة الأميركية الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري.

وفي النهاية لا بد أن نؤكد أن دولة القانون (الدولة)، التي نتحدث عنها ليست (الجمهورية الفاضلة) التي تحدث عنها الفلاسفة الإغريق، ولكنها دولة المؤسسات التي تقوم على احترام القانون، أساسها المواطنة والمساواة والعدالة دون تمييز في الحقوق والواجبات.