عمان - أمل نصير

اختتم مجمع اللّغة العربيّة الأردنيّ، فعاليّاتِ مؤتمره السّنويّ للعام ٢٠٢٠م، المعنون بـ"قضايا النّحو العربيّ بين الثّوابت وضرورات التّجديد»، بالتّعاون مع مبادرة (ض)- مؤسّسة وليّ العهد، بالتوصيات.

ودعا المؤتمرون الجهات التّربويّة والتّعليميّة لتعميم نشر مؤلّفات الباحثين والمتخصّصين في النّحو والصّرف للمساعدة في تسهيل شرح الكتب النّحويّة القديمة ككتاب شرح ابن عقيل وغيره، وتحديث أدلّة معلّمي اللّغة العربيّة وتشجيعهم على استخدام استراتيجيّات التّدريس الحديثة وتقويم أدائهم على أساسها، والعناية بالنّحو التّعليميّ في مرحلة ما قبل الجامعة.

وقُدِّمَتْ في الجلسة الثّانية التي عُقِدَت (عن بُعد) عبر تقنية الاتّصال المرئيّ، برئاسة د.سمير استيتية ثلاثةُ بحوث: الأوّل قدّمَه د.محمّد البكاء من العراق، بعنوان «أساليب تعليم النّحو العربيّ بين الحسّ الصّوتيّ والتّقعيد النّحويّ»، والثّاني قدّمَه د.عيسى الحمادي، مدير المركز التّربويّ للّغة العربيّة لدول الخليج في الشّارقة، بعنوان «تطوير استراتيجيّات تعليم اللّغة العربيّة في الصّفوف من الأوّل إلى السّادس في الدّول الأعضاء بمكتب التّربية العربيّ لدول الخليج استراتيجيّات تدريس التّراكيب»، والثّالث قدّمَه د. جعفر عبابنة، عضو المجمع، بعنوان «بين منهجين في النّحو».

وذكر د.محمّد البكاء، في مقدّمة بحثه أنّ التّعليم يتقوّم بثلاثة أسس، هي: المعلّم، والمتعلّم، والمنهج، وأننا إذا سلّمْنا بتوافر الشّروط في المعلم والمتعلّم، فقد اتّضح أنّ ثمّة عقبة في (المنهج)؛ لذلك علينا دراسة نشأة المنهج النّحويّ وتطوّره حتّى عصرنا الحديث.

وتناول البكاء موضوع أساليب تدريس النّحو العربيّ في ثلاثة مباحث: الأوّل (نظريّة الحسّ الصّوتيّ لتعليم النّحو العربيّ)، والثّاني (التّقعيد النّحويّ في المرحلة الجامعيّة)، والثّالث (التّقعيد النّحويّ في الدّراسات العليا).

وأجاب في خاتمة بحثه عن تساؤل: هل استطاع النّحويّون أن يتوصّلوا للفكر النّحويّ عند العرب؟، ببيان أنّ النّحويّين بفطنتهم قد أدركوا الحقائق اللّغويّة كالثّقل والخفّة، على ما نجده عند سيبويه، وأنهم استقروا الكلام في أساليبه واستنبطوا وعلّلوا، واحتملوا للجملة ووجوه الإعراب المحتملة ليضعوها أمام المتلقّي، ولكنّ الغاية التّعليميّة من النّحو العربيّ عند النّحويّين أدّت إلى عدم الدّقّة في دراسة النّحو، وارتكابِ بعض المخالفات للحقائق اللّغويّة.

ودعا البكاء الباحثين لمتابعة البحث في نظريّة الحسّ الصّوتيّ في تعلّم النّحو العربيّ، موضحا أن ذلك لا يعني التّخلّي عن مراعاة القواعد النّحويّة، وإنّما ستكون علّة للقاعدة النّحويّة التي تُملى على الطّلبة إملاءً من دون أن يتفاعلوا معها.

أما مديرُ المركز التّربويّ للّغة العربيّة لدول الخليج في الشّارقة، د.عيسى الحمادي، فأوضح في بداية بحثه أنّه نظراً لأنّ أيّ منهج أو برنامج تعليميّ يتكوّن من مكوّنات عدّة رئيسيّة، كاستراتيجيّات التّدريس وطرائقه، فإنّ الاهتمام بهذا المكوِّن يسهم -مع الاهتمام بغيره من المكوّنات- في تطوير تعليم اللّغة العربيّة، وتحقيق الأهداف المرجوّة، ولذلك يمكن القول إنّ تطوير استراتيجيّات تدريس اللّغة العربيّة، وتدريب المعلّمين عليها، يُعَدُّ المنطلق الأساس لتنمية المهارات اللّغويّة لدى المتعلّمين، وتحقيق أهداف تعليم اللّغة العربيّة وتعلّمها، كما أنّه من المهمّ أن يطوِّر معلّمو اللّغة العربيّة دوريّاً معارفهم ومهاراتهم في استراتيجيّات التّدريس، وتوظيف الأدوات التّعليميّة والتّقنيّة.

وأوصى الحمادي في نهاية بحثه بتحديث أدلّة معلّمي اللّغة العربيّة، وتزويدهم بالجديد في مجال استراتيجيّات تدريس اللّغة العربيّة في الصّفوف من الأوّل للسّادس، وإعداد برامج تدريبيّة وفقاً لمعايير الجودة لمعلّمي اللّغة العربيّة، وتشجيع معلّمي اللّغة العربيّة على استخدام استراتيجيّات التّدريس الحديثة، والرّبط بين استراتيجيّات تدريس اللّغة العربيّة وأساليب التّقويم.

بدوره، أشار عضوُ المجمع د.جعفر عبابنة، في بحثه، إلى مذهبين في تناول النّحو العربيّ وتعليمه سادا منذ ثلاثينيّات القرن الماضي: المنهج التّعليميّ، والمنهج العلميّ (أو التّخصّصيّ)؛ وقد شاع الأوّل في مراحل التّعليم التي تسبق الجامعة وفي أوساط المثقّفين والمهتمّين بتحسين أدائهم في النّحو العربيّ، أمّا الثّاني فهو منهج النّحو الدّراسيّ لطلبة التّخصّص في أقسام اللّغة العربيّة في الجامعات، ومادّته كتبُ النّحو القديمة، ولا سيّما شروح الألفيّة.

وجاء في البيان الختاميّ للمؤتمر حرص المجمع على المشاركة الفاعلة في كلّ المشروعات والتّوجّهات الأردنيّة والعربيّة التي تسعى للحفاظ على اللّغة العربيّة، وإعلاء شأنها ودعمها، تعزيزاً للهويّة القوميّة والتّنمية المجتمعيّة، ووضع سياسة لغويّة تعليميّة واضحة المعالم والأهداف.

وخرج المؤتمر بجملة من التّوصيات، منها: دراسة المجامع اللّغويّة المحاولاتِ القديمة والحديثة التي قُدِّمت في تيسير النّحو والإفادة منها في تيسير تعلّمه على الدّارسين، وتعاون وزارات التّربية والتّعليم في العالم العربيّ مع المجامع في هذا الموضوع وتنفيذ توصياتها وتطبيقها في الكتب التّعليميّة، والإفادة من طريقة التّعليم والتّعلّم بتدريس قواعد النّحو والصّرف في بلاد شنقيط، لما لها من أثر كبير في تعليم الطّالب النّاشئ أساليب التّفكير النّاقد وتقليب الأسئلة حول المبحث الواحد والانتقال من الدّرس النّظريّ إلى التّطبيق العمليّ لتلك القواعد، وتعويده مهارات التّحدّث والإلقاء وصوغ الكلام المستوفي شروط الفصاحة والإبانة.

ومن التوصيات كذلك: الجمع بين الاستعمال المؤسّس الذي يحمل القوّة والاستعمال الممارَس في الفعل، والتّركيز على الجوانب الوظيفيّة من النّحو وربط ذلك بالبدهيّات لدى المتعلّم، وضرورة تخطيط سياسة لغويّة تستهدف إجراءات تعليميّة بطرائق حديثة، وتبليغ النّحو سهلاً للدّارسين، واعتماد الحسّ الصّوتيّ في دراسة اللّغة العربيّة بالاهتمام بحفظ نصوص القرآن الكريم ومنثور العرب وشعره إضافةً إلى جانب التّقعيد.

كما تضمنت التوصيات: العناية بالنّحو التّعليميّ في مرحلة ما قبل الجامعة وإبعاده عن الشّكليّة الخالصة والاهتمام فيه بالمعنى لتنمية الحدس المدرّب في الوظيفة النّحويّة، والعناية بالنّحو التّخصّصيّ على مستوى الجامعة والابتعاد به قدر الإمكان عن نحو الأبواب الذي يجزّئ الموضوعات، وتكثيف التّدريب والممارسة والتّطبيق على نصوص كاملة، والانفتاح على مناهج التّحليل اللّغويّ الحديثة.

وأكّد المشاركون في المؤتمر تضامنهم مع النّداءات التي انطلقت من الزّملاء الحاضرين من مجامع مصر والجزائر والشّارقة والأردنّ، إعراباً عن الأسف الشّديد والرّفض الكامل لما بدر من منظّمة (اليونسكو) التي اختارت شعار «المجامع اللّغويّة ضرورة أم ترف» للاحتفال بيوم اللّغة العربيّة في 18 كانون الأوّل ٢٠٢٠، ورأوا أنّ شعاراً مثل هذا لا يعبّر إلّا عن موقف متحيّز ضدّ العرب، بل هو ليس من اختصاص أحدٍ خارج أهل العربيّة وحرّاسها ومحبّيها.

يُذْكَرُ أنّ المؤتمر اشتمل في جلسته الافتتاحيّة على ثلاثة بحوث: الأوّل قدّمَه د.عبدالحميد مدكور، الأمين العامّ لمجمع اللّغة العربيّة في القاهرة، بعنوان: «مِن محاولات تيسير النّحو العربيّ بين القدامى والمُحْدَثين»، والثّاني قدّمه د.امحمّد مستغانمي، الأمين العامّ لمجمع اللّغة العربيّة في الشّارقة، بعنوان: «تدريس النّحو في المحاضر الشّنقيطيّة بين الواقع والمأمول»، والثّالث بعنوان «قضايا النّحو العربيّ بين الثّوابت وضرورات التّجديد» قدّمه د.صالح بلعيد، رئيس المجلس الأعلى للّغة العربيّة في الجزائر.