عمّان - حنين الجعفري

لم تكن جائحة كورونا في الحسبان أو حتى إنها لم تتعد حدود الخيال، ولكنها اخترقت كل الموازين ففتكت بالعالم أجمع.

نتائج هذه الجائحة تفرعت وتمددت لتشمل جميع النواحي، فإذا انفردنا هنا للحديث عن تأثيرها اقتصاديا، وبالاخص في الأردن، نجد انها أصابت الجسم الاقتصادي الذي يعاني من هشاشة ومن مناعة ضعيفة جعلته غير قادر على مواجهة هذا الفيروس، فأدوات الدفاع في جسده الهزيل مرهقة بالأصل.

التدابير والإجراءات التي اتخذت لمواجهة هذا الفيروس كالإغلاقات الإلزامية وغيرها خلفت حالة من الركود لينبثق منه تآكل في رأس المال البشري وتسريح للعاملين وإغلاق للقطاعات بسبب الخسائر الفادحة مما زاد في نسب الفقر وارتفاع في معدلات البطالة بشكل ملحوظ.

وبالتالي هذه العوامل والقراءات لم تستطع أن توصل العاملين في وظائفهم إلى بر الأمان بل إن نتائجها أثرت سلبا على الخريجين الجدد، فبات الأمل في الحصول على وظيفة ضعيفا بل أصبح مفقودا.

الشابة مرام أبورمان ترى أن الطلاب الذين تخرجوا العام الحالي سيمرون بأوقات عصيبة..

وتقول: «قد نستدل من فترات الركود السابقة على أن فرص حديثي التخرج في العثور على وظائف ستكون أقل من فرص نظرائهم في السنوات الماضية، وقد يضطرون إلى قبول وظائف ذات أجور أقل مما كانوا يتوقعون.

وهي تعتقد أن تبعات الأزمة الحالية بسبب كورونا ستكون أشد وطأة على آفاق التوظيف والدخول من تبعات الأزمة المالية؛ «فمعدلات البطالة في ارتفاع فضلا عن إغلاق وخسارة عدد من المنشآت.

وتتفق الشابة صفاء موسى مع ابو رمان، فتقول أن خريجي العام الحالي سيدخلون سوق عمل قد يكون الأشد قسوة منذ عقود، فمستويات البطالة آخذة في الارتفاع، وقررت شركات وقف التعيينات الجديدة لديهم.

وتلفت إلى أن أخطر ما يهدد الشباب «غياب الرؤية الواضحة اقتصاديا فيما يتعلق بكيفية خلق وظائف حقيقية، للخريجين أو آلاف الشباب فاقدي التأهيل العلمي أو المهني».

وتقترح موسى القيام بأي مشروع يلبي منفعة للمجتمع مثل مشروع تثقيفي موجه للشباب الأردني تكون فكرته على شبكة التواصل الاجتماعي «فيس بوك» ويتطور لاحقاً في الميدان ليطوف مؤسسات، في محاولة لإقناع المتعطلين عن العمل أنهم يمتلكون فرصا جيدة لدخول سوق العمل. المشروع يتبنى فكرة أن» العمل مهما كان مدخوله متواضعا يصبح مهما, وليس عيبا أن يعمل حامل الشهادة العليا في أي وظيفة إلى أن يجد عملا يطمئنه لتلبية تخصصه، أو رغبته المستقبلية».

أما الشابة رباب العتابي فتؤكد أنه لا يخفى على شخص بأن أزمة كورونا قد دمرت النظام الاقتصادي بجميع أنحاء العالم بمختلف الأصعدة، وتساوت الأزمة في الدول الصناعية والاستهلاكية كما ساهمت بشكل أساسي بتخفيض أسعار النفط إلى النصف بالاضافة إلى إنهاء مئات الوظائف وتدمير القطاع السياحي على جميع الأصعدة.

وتؤكد أن الجميع يبحث عن الحلول، وخلال ذلك يتهاوى مؤشر قياس الأسهم في الأسواق التي سجلت إفلاس عشرات الشركات المختلفة.

وهنا يأتي السؤال: ما الحل؟؟

لقد لجأ أغلب الشباب، وبخاصة الخريجون، للمشاريع الإلكترونية كحل لمستقبلهم ببيع سلع عبر الإنترنت أو التسويق لمنتج معين أو التمثيل أو الغناء عبر البرامج الحديثة المختلفة, لكن ماذا لو كان فئة من الشباب لاتملك تلك القدرة على التخيل والتمثيل والإبداع والذكاء لمثل تلك المشاريع.. ماذا سيحل بهم؟؟ هذه الأوليات تنذر بأن مستقبل الشباب وبخاصة الخريجين سيكون أشبه بالحطب لحروب مجانية..

يقول الشاب إسماعيل حسن أنه بات فاقد الأمل في الحصول على أي وظيفة سواء تتناسب مع تخصصه أم لا, فسوق العمل قبيل جائحة كورونا يعاني ويفتقر إلى الوظائف بالاضافة الى عدم امكانية استحداث أي وظائف جديدة.

ويتساءل: كيف سيجد خريجو الجامعات الجدد وظائف في ظل الجائحة وهي لم تتوفر بشكل كبير قبلها, بالإضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة، وهذا أكبر دليل على فقدان الأمل في الحصول على وظيفة.

الخبير الاقتصادي حسام عايش يقول لاشك أن الوقت الحالي شديد الوطأة على الخريجين الجدد المتدفقين الى سوق العمل.

فمعدلات البطالة حتى للعاملين على رأس عملهم تزداد بينهم وترتفع وفرص العمل تقل مع تقدم الجائحة وتأثيرها الاقتصادي ذي الارتدادات واسعة النطاق وأن الكثير من الأنشطة والأعمال تتوقف وتتراجع.

كما أن تكيف الشركات والمؤسسات وحتى القطاعات الرسمية الحكومية مع هذا الوضع الراهن يكون إما بتخفيض فرص العمل أو تقليلها أو التخلص من العمالة الموجودة..

ما يعني أن الباب أمام الشباب حديثي التخرج يبدو موصدا في الوظائف والأنشطة التقليدية.

لكن هذا لا يعني أن الباب أغلق أمامهم، بالكامل؛ فهناك عدة قطاعات كثيرة واعدة في طريقها الى الازدهار في قطاعات التجارة الإلكترونية والخدمات الصحية وقطاعات التسويق الإلكتروني وعدة مجالات يمكن أن تفتح بابا أمام هؤلاء الخريجين.

لكن الخريجين الجدد في الأردن يواجهون وضعا صعبا للغاية في ظل نمو الاقتصاد الأردني السالب إلى ما دون ثلاث ونصف بالمئة، وهذا يعني أنه لا توجد فرص عمل جديدة بالاضافة إلى تقلص فرص العمل القائمة.

ويؤكد عايش أن الفرص في الحصول على وظيفة ستكون أصعب, وفي حال توافرها ستكون بدخل أقل وعائد مهني أقل أيضا بالاضافة إلى مهارات مكتسبة تكون أقرب إلى المهارات البسيطة لأن فرص العمل الأخرى تكون مغلقة فلا يوجد مجالات لفرص عمل استثنائية يمكن كسب مهارات اضافية منها.

وتشير الدراسات العالمية، إلى أن الخريجين الجدد الذين وجدوا وظائف هذا العام تشكل 16% من هؤلاء مقابل نسبة زادت عن 60% في ذات الفترة من العام الماضي مما يعكس الفجوة الكبيرة بين الفرص المتاحة في عام كورونا والفرص التي كانت متاحة قبل ذلك.

ويلفت عايش إلى أن مشكلة اضافية يواجهها هؤلاء الخريجون؛ فمن يجد عملا ربما سيكون لفترة محدودة أو بدوام جزئي أو براتب منخفض وهذا يعني أن هذه الفرص، إن وجدت، لا تلبي الاحتياجات المطلوبة.

ويوضح أنه علينا أن ندرك أن في الأردن 85% من المشتغلين هم «مشتغلون بأجر»، بمعنى أنه ليس لديهم أعمالهم الخاصة أو مشاريعهم الخاصة..

وهذا ما يفترض في الشباب الجدد أن يبحثوا عنه, فعليهم ان يبحثوا في المشاريع المتوسطة او الصغيرة والمشاريع التقنية والمشاريع الريادية كونهم يمكن أن يكونوا أحد المخارج.

ويجدر الذكر هنا أن على الحكومة مسؤولية تسهيل إقامة المشاريع وتقديم أشكال مختلفة من الدعم سواء الفني أو التقني او التسويقي أو دراسات الجدوى والدعم في البنية التحتية، وأبعد من ذلك؛ بتجهيز أماكن يمكن لهؤلاء الشباب أن ينطلقوا منها.

ويرى عايش أن الوضع في كورونا قد أضاء على زاوية معتمة في الاقتصاد وهي زاوية الوظائف والمهن والعمل التي تبين أنها مع أول هزة من حجم كورونا أصيبت بنكسة كبيرة وقدمت صورة سيئة وخطيرة عن المستقبل.

ولكن في الجانب الآخر على هؤلاء الشباب ان يمتلكوا الكثير من المهارات وأن يطوروا من قدراتهم وأن لا يتوقفوا عن البحث عن الوظائف في حال اختيارها, كما عليهم ن يتحولوا ليكونوا أصحاب مشاريع لأن الحل لمشكلة البطالة هي في هذا القطاع الواسع والمتنوع من جهة والقادر على تحويل أحلام الشباب إلى واقع من جهة أخرى.

ويؤكد أن الأهم ألا تكون تجربة الرفض أوالردود السلبية عن بعض الوظائف أو المهن محبطة للشباب بل أن تكون دافعا لتحسين مهاراتهم للبحث عن معارف جديدة ذات اهتمام.

كما يمكن للبعض أن يستغل هذه الفرصة لإكمال تعليمه أو يزيد في تدريبه أو يطور في مهاراته أو يحسن في السيرة الذاتية له بمعنى أن تكون هذه الفترة فترة حجر تقني وفني ومهني تسمح لهؤلاء الشباب في الحصول على فرص عمل عندما تتراجع هذه الجائحة وأن يعود الاقتصاد الى نشاطه.

الخبير الشبابي الدكتور محمود السرحان يقول تلعب جائحة كورونا دورا بارزا وواضحا في الحد من فرص العمل المتاحة محليا وإقليميا وعالميا لعدة أسباب أبرزها فرض إجراءات متنوعة كالحظر الشامل الذي من شأنه تبني سياسات وتدابير جديدة من بينها التعليم عن بعد والعمل عن بعد الذي فتح المجال أمام أصحاب العمل للاستغناء عن أعداد كبيرة من العاملين والاقتصار على عدد قليل منهم هذا من جهة, ومن جهة أخرى قلصت جائحة كورونا فرص العمل المستقبلية أمام الخريجين الجدد في أنحاء العالم.

ويوضح اذا تحدثنا عن الواقع المحلي فنلاحظ أن نسبة البطالة ارتفعت إلى ما يقارب 30% بعد أن كانت 19% وهي مرشحة للازدياد بسبب تسريح العاملين من وظائفهم فضلا عن التوقف الكلي في فتح شواغر جديدة وتوفير فرص عمل جديدة في القطاعين والخاص على الصعيد الوطني والتوقف عن التعاون والتكامل والتشييك مع الدول الشقيقة والصديقة لفتح آفاق جديدة لتعزيز العمل العربي المشترك والدولي المشترك وبخاصة في مجال توفير فرص اقتصادية للخريجين الجدد بفعل سياسات وإجراءات الحظر والإغلاق التي تحول دون انسابية حركة التنقل للأفراد والبضائع والمنتجات.

ينوه السرحان إلى أهمية أن نعترف أن العالم أثناء كورونا وبعدها لن يكون كما كان في السابق فكثير من السلوكيات تغيرت فنمط العمل عن بعد قد تغير وقد يتم تبنيه من أكثر من جهة لنجاعته خلال الجائحة والتقليل من أعداد العاملين الذي ساهم زيادة نسب الفقر وارتفاع معدلات البطالة محليا وإقليميا وعالميا.