لولا الانتخابات لما عرف الاردنيون عن وجود 48 حزبا مرخصا في الاردن، شارك 41 منها في الانتخابات النيابية الاخيرة.

48 حزبا لا يحفظ المتابعون من صحفيين ومثقفين وسياسيين اسماء عشرة منها على ابعد تقدير، ولا يعرفون مقارها ان كانت لها مقار وبصعوبة يتذكرون اسماء قادة بعض الاحزاب او ابرز اعضائها.

الحياة الحزبية في الاردن ليست انتاجا جديدا مثل الاجهزة الاليكترونية الحديثة، بل هي مت جذرة في وطننا منذ بدايات تأسيس الدولة، اما لماذا لم تتطور كما تطورت مجالات اخرى، فالجواب يحتاج الى بحث لا الى معالجة قلمية بمقالة محكومة بشروط المساحة وتوخي الامان الرسمي والشعبي.

لكن اجراء مقارنة بين بنى الاحزاب القديمة من حيث الاهداف والقيادات واسلوب العمل، وبين الاحزاب المستحدثة يدلنا على جانب مهم من اسباب هذا الانطواء والضمور الذي تعاني منه احزاب اليوم.

احزاب زمان كانت تعمل باحكام زمان، الزمن والظروف السائدة تلعب دورا مهما في تحديد حركة الاحزاب وحركة الجماهير حولها، فتلك مرحلة وهذه مرحلة، والفارق واسع شاسع بين من كانوا ينادون برحيل الاستعمار وممارسة السيادة الوطنية ويقبلون برضى وفخر التضحية في سبيل المبادئ التي آمنوا بها، وبين من يهيجون الشارع للضغط على الحكومة لتحقيق مكاسب شخصية تتفاوت قيمها بين الكاش والبلاش حسب شطارة كل شخص في ركوب الموجة واستثمارها، وبالطبع حسب اقتناع الطرف المانح بفائدة ارضاء المستثمر وتلبية طلباته.

هذا لا يعني ان قادة احزاب زمان كانوا ملائكة بلا عيوب لكن عيوب بعضهم لم تصل الى درجة الفضائح كما هو الحال عند بعض من يديرون دفة بعض الاحزاب الآن، وللانصاف ايضا فان العمل تحت الارض وبشكل سري ستر عيوب بعض قادة الاحزاب القديمة واعطاهم مكانة اكبر مما يستحقون، بينما قادة الاحزاب الجديدة لا يتمتعون بهذا الغطاء، مما صعب عليهم ايجاد اعذار مقنعة لتبرير العجز وعدم الانتشار وبناء قواعد جماهيرية تؤمن بهم وببرامجهم.

وعلى الجانب الاخر ادى التدخل في فسيفساء الهياكل الحزبية بعمق وصل الى مسامات اجسامها الى نتائج عكسية، وكمثال على ذلك فلم يحقق الاحتفاء والرعاية الاعلامية للانشقاقات التي حدثت لاكبر الاحزاب العاملة الاهداف المرجوة منه، بمساعدة المنشقين على الوقوف على ارجلهم مثلما لم يضعف قوائم الجسم الاصلي، في حين ان النتائج لو تركت الامور تأخذ مسارها الطبيعي ستكون افضل بالنسبة للمرحبين والمؤيدين لهذا الانشقاق ودون اية كلفة مادية او معنوية وايضا دون ضجيج منفر.

ان مثل هذا التدخل وغيره يتخطى اثره السلبي على الاحزاب ليمتد الى كافة المؤسسات المعنية بانهاض الحياة السياسية لعدة اسباب اولها واهمها عزوف الشخصيات الوازنة عن المشاركة في العمل السياسي بكافة اشكاله، مما يفسح المجال لتقدم اشخاص اما دون تاريخ وخبرة، او بتاريخ غير لائق او ملائم لملء الفراغ، وهؤلاء بالطبع عندما يسمح لهم بالجلوس بالصفوف الاولى يكون همهم الاول تحقيق مكاسب شخصية بزمن قياسي وبأقصى سرعة لانهم لا يعلمون متى يتم استبدالهم بغيرهم.

ان حالة انعدام الثقة باتت عنوان المرحلة لانها شملت الجميع وشلّت الجميع حيث لا احد يعترف بالاخر ولا بأهليته للموقع الذي هو فيه وغاب الحوار الذي يسبق اتخاذ القرار، فلم يربح احد ولم يخسر احد لكن الوطن كله يدفع الثمن فيخسر الجميع.

الخروج من هذه الدوامة يتم بكسرها بدلا من المداومة على الدوران داخلها، فنحن بحاجة الى تغيير قوانين معروفة تساعد على تسريع الاصلاح واستعادة الصواب الذي غلبه الخطأ واعادة النظر بالحقوق المكتسبة ولا سيما المالية منها التي خلقت حالة من الاحتقان والاحساس بالتمييز لانها قامت على باطل يعتمد على قوة النفوذ لا على انفاذ القانون.