حينما كنت طفلاً، وكلما هطل المطر بغزارة اتجهت للشباك, وقفت وتأملت المشهد وحجم الهطول ثم صرخت: (نازلة كبس..)، (صب من الرب)، (وشو هاظ).. هذه هي المصطلحات التي نرددها،حين يكون المطر بهذه الغزارة.

أمس كان المطر غزيراً جداً، واتجهت مع إبني إلى الشباك, وقفنا نراقب حجم الهطول ولا شعورياً قلت: (بيييييه كبس نازلة.. امعط), لكن ابني الذي لم بتجاوز (12) عاما نبهني وقال لي: أبي حينما يهطل المطر يجب أن نقول: (اللهم اجعله سقيا رحمة لا سقيا عذاب)..وأنا صمت قليلا وقلت له: طبعاً طبعاً.. ثم أكمل حديثه وقال: هذا مطر وليس (هوشة)..

منذ أن دب في عقلي الوعي, وأنا أصف المطر بهذه الأوصاف، كان أبي مثلي.. ربما تعلمت منه, والمشكلة أني في لجة الهطول، كنت أستحضر قاموسي الكركي كله.. حين أقف أنا وأبنائي على الشباك, أحيانا كنت اقول: (أبوك يالموت كبست, أكلنا هوا, إجبد) لكني أمس شعرت بأمر غريب وهو أن أولادنا.. هم من صاروا يعلموننا ولسنا نحن.

في فترة الحظر والتعليم عن بعد.. تعلمت الكثير من أولادي, هم نشأوا هنا في عمان.. مدارسهم فيها طلبة من الشمال والجنوب والشرق والغرب.. من جنسيات عربية, كنت أظن أنا نحن الجيل الصارم الذي عاش على الكفاف وتعلم الرضى, لكني اكتشفت أن الكثير من الأشياء تنقصنا.

أنا أصلا كلما فتحت جهاز اللاب توب وتعثرت في (الباس ورد), أستعين بأصغرهم.. كل (الإيميلات) التي أملكها والفيس بوك, يحفظ ابني رموزها وكيفية الدخول إليها, حتى الهاتف حين أريد إصلاحه هو من يفعل لي ذلك, وحين أريد شراء ملابس.. هو أيضا يقلب صفحات (النت) ويخبرني عن المحلات التي لديها خصومات, وإلى أين اتجه.. واخر مرة شرح لي كيفية شراء السلع, وتوصيلها للبيت.. تخيلوا حتى المنسف الذي أوصيت عليه قبل فترة, هو من أرسل لهم (اللوكيشن).. وأحيانا حين أتناول طعام الغذاء, وابدأ بالتطبيل على كرشي يخبرني بحديث الرسول: (ثلثا لطعامك وثلثا لهوائك وثلثا للماء).

الحظر مهم, لكني لا أعرف هل جعلنا نكتشف أولادنا..! أم جعلهم يكتشفوننا.. أم نحن الذين اكتشفنا أنفسنا, الشيء المضحك المبكي في الأمر.. أنني هذا الصباح لحظة كتابتي المقال.. كنت أتناول يومياً قرصاً من الفيتامينات أو المكملات الغذائية, وأخبر أهل منزلي أن هذا الدواء يجعلني أشعر بالراحة والطاقة في ذات الوقت, وكنت أريد أوصي علبة أخرى.. وحدثت أولادي عن أهمية الفيتامينات في الأكل، لكن أصغرهم ضحك كثيراً.. حين أخبرني بأن هذا الدواء هو (ملين طبيعي) ويستعمل لمن يعانون, من مشاكل القولون... لم أصدق ابني ولكن حين عدت (لجوجل) تبين أن ترجمته للنشرة المرافقة دقيقة جدا.

الكورونا لها جانب إيجابي, لقد جعلتنا.. نكتشف أولادنا, في ذات الوقت جعلتنا أيضا نكتشف أنفسنا, وكم نحن متأخرون.. مع ذلك ما زلت مصرا على أن أقابل المطر بالصراخ من خلف الشباك: (إمعط.. ابوك يالموت)...

Abdelhadi18@yahoo.com