ملك يوسف التل

في ذاكرتي كلمات الملك الحسين عند افتتاح «اذاعة صوت النهضة» مخاطباً أفراد القوات المسلحة: «الإذاعة هي سلاح يضاف إلى أسلحتكم»

البث المباشر 1/1/74 نقلة نوعية في البرامج..اكتسب مصداقية وجماهيرية جعلته أحد الثوابت على خريطة البرامج

الإعلامي الحقيقي هو الذي يتابع ويرصد ما يجري حوله بعين مميزة، وعقل يحلل الواقع وينظر إلى المستقبل نظرةً استشرافية تبغي المصلحة العامة

شارك أبي في معركة باب الواد عام 1948 في القدس، وكان أصغر عميد في تاريخ القوات المسلحة الأردنية

والدتي أسمى أبو غنيمة خريجة المدرسة العريقة شميدت في القدس

أحببت الإذاعة و شاركتها طفولتي في برامج الأطفال مع ماما هدية ميرزا

حتى يعود الإعلام الأردني إلى ألقه وسطوته في وظيفته التي أكلت منها التكنولوجيا وأشياء أخرى، الشيء الكثير، فإنه كما تقول الإعلامية الرائدة جمان مجلي، يحتاج إلى ثلاثة عناصر لم تذكر بينها عنصر الإرادة.

فهي تتحدث عن إعلام رسمي عايشته أربعة عقود في ذروة إبداعه واختراقاته التي تركت إرثا من العزّ يستذكره أهله بخليط النشوة والحسرة.

نشأت وتربت جمان مجلي الخريشة، في بيت متسلسل بالهيبة والإنفتاح الذي أتاح لها دخول الإعلام من بوابة الإذاعة التي كانت سلطة ثانية أو ثالثة.

هي بدورها بالدأب والمهنية والاستعداد، وفي شراكة أسرية أقترنت فيها بقيادي إعلامي رائد، أقامت عمارات موصولة من عشرات البرامج الإذاعية التي ما زالت مضاءة، رغم هجرة الناس إلى السوشيال ميديا، بكل ما اعترى إعلامنا الحديث من جولات لا تُحب جمان مجلي ان تقسو عليها في الوصف.

لعلها اليوم رحلة استثنائية مع أم ناصر، نحتاج مثلها في فترات الحجر الطوعي والقسري، لنستعيد شجن زمن سمّه ما شئت: جميلا، صعبا، شجيّا.. أو مراوحة بين الحلم والصدفة والإرادة.

عن البيئة الأسرية والاجتماعية للإعلامية جمان مجلي والتي منحتها في وقت مبكر، تلك الدرجة من الاستقلالية التي سمحت لها بدخول الإعلام في وقت كان يعتبر مجالاً ذكورياً بالمطلق:

شاء القدر أن أكون من المحظوظين بأسرة واعية مثقفة. توفي والدي وكنت في التاسعة من عمري.

أبي ضابط لامع متعلم في زمن لم يحصل جيله على الابتدائية، لكنه تابع دراسته وتخرّج من ثانوية إربد، ودرس في أرقى المعاهد العسكرية في بريطانيا وتخرج من كلية كمبرلي العسكرية عام ١٩٥٢والتحق بالقوات المسلحة الأردنية..

نحن من قبيلة بني صخر من عشيرة الخريشة التي عُرفت بالكثير من التضحيات.

شارك أبي في معركة باب الواد عام 1948 في القدس، كما شارك في محادثات الهدنة، وكان أصغر (زعيم) عميد حاليا، في صفوف القوات المسلحة الأردنية. كان الملك الحسين، يُرفعه للدرجة الأعلى قبل أن يتم السنوات المقررة للدرجة، بحيث أصبح أصغر عميد في تاريخ القوات المسلحة الأردنية، وقد توفاه الله في حادث سير خلال عودته وهو على رأس عمله من احدى المناورات العسكرية.

تولت المسؤولية في التربية وإعدادنا للمستقبل والدتي أسمى أبو غنيمة، التي تنحدر من أسرة ساهمت في تأسيس التعليم في شرق الأردن، فوالدها حسن أبو غنيمة خريج كلية إسطنبول عام ١٩١٦، وهي خريجة المدرسة العريقة شميدت في القدس. رعتني وشقيقتي مزنة. منحتنا كل طاقتها بحرصها على تزويدنا بكل ما له علاقة بالثقافة والتربية و العلم والتعليم، فكان الكتاب رفيق يومنا منذ الصغر، لذلك حسب سؤالك لم يكن هنالك أي عائق أمام التحاقي بالإذاعة.

بين الصدفة والحلم في دخول الإذاعة بينما الدراسة الجامعية كانت في السياسة:

تخرجتُ من الجامعة الأردنية (إدارة عامة وعلوم سياسية)، حينها كان طموحي السلك الدبلوماسي، ولكن توفرت الإمكانية للعمل في الإذاعة، على أن يكون العمل فيها مؤقتاً لعدم رغبتي الانتظار في البيت. وفيما بعد أتيحت لي الفرصة للانتقال لعمل آخر، فرفضت لأنني أحببت الإذاعة، التي شاركتها طفولتي في برامج الأطفال مع ماما هدية ميرزا.

وعندما بدأت العمل فيها لم يكن ذكورياً فقط، فالأمر عادياً، فأنا من الجيل الثالث، عملت مع نخبة مميزة من الزملاء الاعلاميين، من أمثال معاذ شقير عائشة التيجاني، كوثر النشاشيبي، سلوى حداد، هدى السادات، ليلى القطب، هناء عبدالمجيد، سعاد عودة، شيرين ظاظا، فريال زمخشري، نهاد زمخشري، سلامة محاسنة، جبر حجات، علي غرايبة، ضياء سالم، فؤاد الشرع، سليمان المشيني، وغيرهم من الزملاء.

وأعتقد أن دراسة السياسة والإدارة العامة وسعت آفاقي للتجول عبر النظريات السياسية، والأنظمة المختلفة في العالم، وأفضل النظريات الإدارية. وهو تخصص داعم ومكمل للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى خبرات الشخص الذاتية وقدراته.

مَن مِن زميلات وزملاء الدراسة في الجامعة الأردنية ومن الأساتذة ما زال نشطاً في الذاكرة؟

الكثير من الزملاء والزميلات مكانتهم غالية في الذاكرة، وكثيراً ما أتجول بين الصور لأعيش أجمل تلك الذكريات، وبفضل وسائل التواصل الاجتماعي أعدت التواصل مع مجموعة منهم تحت عنوان «صديقات الزمن الجميل».

ومن أساتذتي د. كامل أبو جابر، منذر عنبتاوي، د. نبيل عماري، د. رشيد الدقر و د. محمد صقر.

ما الذي تستذكرينه من أول دخول للإذاعة التي كانت في ذلك الوقت تمتلك رهبة كونها رمز الأردن وهويته الوطنية؟

في ذاك الوقت الجميل كان د. موسى الكيلاني، عندما كانت الإذاعة منارة ثقافية وسياسية واجتماعية، ومصدراً للمعلومة ولتوضيح الأخبارللرأي العام والتأثير فيه.

منذ البداية كان اهتمام رؤساء الأقسام مميزاً، حيث اصطحبونا في جولة على الأقسام، للتعرف على المهام، والإنجازات، والدور.

أذكر في القسم الثقافي الشاعر تيسير السبول، و د. الشاعر والأديب عزالدين المناصرة، و الشاعر سليمان المشيني، والشاعر الإعلامي حيدر محمود، والشاعر محمود فضيل التل، وغيرهم. كنت مذهولة ومنبهرة بحضورهم، وثقافتهم، وتواضعهم.

في بداية عملي تعرفت على الأدب الروسي، الذي كان مجهولاً بالنسبة لي. ومما ترسخ في الوجدان ومنذ البدايات أن على الإعلامي إضافة شيء خلال عمله، سواء كان معلومة، أو فكرة جديدة، ومن مهامه الارتقاء بالذوق العام من خلال الموسيقى الراقية، والكلمة الجميلة، أما عن سلامة اللغة فحدث ولا حرج فأي خطا لغوي أو نحوي يُنبهُ عليه المذيع ويكون حديث الإذاعة.

أتاحت لي الإذاعة الالتحاق بدورات على مستوى متقدم من الإمكانيات، منها دورة تدربنا فيها على يد مدربين وإعلاميين مشهود لهم بالكفاءة، منهم حمدي قنديل، أميمة عبد العزيز، صلاح أبو زيد.

تلقينا محاضرات في الموسيقى، لاستخدامها في البرامج المختلفة، وكان د. عبدالحميد حمام، أستاذ الموسيقى. وأيضاً تم إرسالي في دورة إلى إذاعة ال BBC، الإذاعة البريطانية في لندن، وكنت قد ارتبطت بالزواج بالزميل عدنان الزعبي الذي كان مرشحاً أيضاً لهذه الدورة، كانت مدتها أربعة أشهر، هذه الدورات تزود المشارك بمهارات جديدة، ويتواصل خلالها مع إعلاميين من بعض الدول الأوروبية والإفريقية ومن أميركا اللاتينية، فتعرفنا على ثقافات وشخصيات جديدة.

كيف نشأت فكرة البث المباشر عام 1974، أكبر برنامج ارتبط باسم محلي، وما هو الجديد الذي جعل ذاك البرنامج أداة تحريك سياسي واجتماعي وثقافي في المشهد المحلي وسط سبعينيات القرن الماضي؟

كانت الطموحات تتجه من أجل نقل الإعلام إلى آفاق جديدة تتناسب مع المراحل المختلفة، فكان أن تأسس برنامج «البث المباشر» الذي ابتدأ بثه ١/١/١٩٧٤ وكنت ضمن العاملين فيه.

هذا البرنامج كان نقلة نوعية في البرامج، يبث على الهواء مباشرة، وهو صلة الوصل بين المواطن والمسؤول يكل صراحة وجرأة، يجمع بين الكثير من فنون العمل الإذاعي حيث تضمن الحوار، والنص الإذاعي، والنقل الميداني، بالإضافة إلى اختيار الموسيقى والأغاني المناسبة. اكتسب هذا البرنامج مصداقية وجماهيرية واستمر حتى الآن كأحد الثوابت على خريطة البرامج، بالرغم من تضاؤل تأثيره مقارنة مع البدايات، الا انه شكّل القناعة بأن الإعلامي الحقيقي هو الذي يتابع ويرصد ما يجري حوله بعين مميزة، وعقل يحلل الواقع وينظر إلى المستقبل نظرةً استشرافية تبغي المصلحة العامة.

تقريباً ٢٠ سنة فصلت بين المحطات الرئيسية الثلاث في حياة جمان مجلي المهنية، البث المباشر، يسعد صباحك وإذاعة القوات المسلحة الأردنية، كيف استطعت أن تستوعبي المتغيرات التقنية والاجتماعية والثقافية لتكوني نفسك في كل ذلك، رائدة متجددة؟

حصل وكلفني المدير العام للتلفزيون المهندس راضي ألخص بإعداد وتقديم برنامج يسعد صباحك الذي أراده نافذة حضارية على الأردن الجديد والقديم، فبثت أول حلقة منها مباشرة على الهواء في ٧/١/١٩٩٤ وكانت مميزة وبداية لبرامج البث المباشر في التلفزيون من حيث الشكل والمضمون. كان ديكور البرنامج مقسماً إلى ثلاث جلسات من أجل الحركة والابتعاد عن الجلسة الواحدة، كما فعّلنا استوديوهات في إربد، الكرك، والسلط بإجراء لقاءات من خلالها. احتوى البرنامج على عناوين الصحف وأهم الأخبار.

كان برنامجاً ثقافياً اجتماعياً يلقي الضوء على الفعاليات والشخصيات التي لها إنجاز في أي مجال من المجالات، وتم تسليط الضوء على العادات والتقاليد التراثية وعلى دور المرأة في الريف والبادية والمدينة.

كنت أول من أعده وقدمه بالتعاون مع الزملاء في التلفزيون منهم في الإخراج محمد عمر، عصام مشربش ومن ثم فكتوريا عميش، وفي الإعداد أروى الزعبي.

من المواقف التي لا تنسى في هذا البرنامج أننا نقلناعلى الهواء مباشرة بعضاً من مشاهد مذبحة الحرم الإبراهيمي، وكنا السبّاقين في ذلك، ونقلنا تصريح وزير الخارجية آنذاك طلال سطعان الحسن حول الموقف الأردني الرسمي على الهواء مباشرة. وشاءت الصُدف أن يكون معنا في الاستوديو الشاعر سليمان عويس فأبدع شعراً مرتجلاً من وحي المشاهدات المؤلمة التي تبث على الهواء.

بدايات إذاعة القوات المسلحة الأردنية (إذاعة صوت النهضة)

في سنة ١٩٩٨ تأسست إذاعة القوات المسلحة الأردنية (إذاعة صوت النهضة) وتم اختياري والزميلين جبر حجات وغالب الحديدي للعمل في تأسيس هذه الإذاعة مع فنيين محترفين في هندسة الصوت من الإذاعة الأردنية هم: المهندس أحمد الحياصات، المهندس خالد مقدادي، المهندس خالد العبداللات، وحلمي حسين بالتعاون مع أفراد التوجيه المعنوي العميد محمد الرقاد، عودة شديفات، فايز الحميدات، وغيرهم، لتكون أول إذاعة رديفة للإذاعة الرسمية، وما زالت في ذاكرتي كلمات الملك الحسين عند الافتتاح مخاطباً أفراد القوات المسلحة: «الإذاعة هي سلاح يضاف إلى أسلحتكم».

عملت في إذاعة القوات المسلحة حوالي أربع سنوات وأنا على رأس عملي في الإذاعة الأردنية، واستمررت فيها بعد التقاعد ١٥/٣/٢٠١٨.

في سجلك طيف عريض من تقديم الأخبار ومن البرامج والإسهامات الإعلامية في الثقافة والأسرة، والتوثيق الاجتماعي الذي قد لا يستذكرها الجيل الناشئ، لكنها تستحق الاستعادة مثل برنامج «حاضرون في الوجدان».

عملت في الإذاعة والتلفزيون الرسمي ما يقارب ستة وعشرين عاماً وأنا في ديمومة التفكير بكيفية تنويع البرامج، والمواضيع، الاجتماعية، والثقافية والمنوعة، فكانت المحصلة أكثر من خمسين عنواناً لبرامج، لكل منها قصة في الهدف والسبب، حيث تنوعت المضامين، والأساليب.

من تلك العناوين؛ فنجان قهوة، الجانب الآخر، صفحات من حياتهم، ألوان، من مكتباتهم، منتدى الحوار، بين المهنة والأدب، بين فريقين، قصاصات ورق، مع السينما من إعداد موسى عمار، وبرنامج اللقاء المفتوح والكثير غيرها.

كنت اتنقل بين المدن العربية لاجراء حوارات مع العديد من العلماء العرب والمسلمين، في وقت لم يكن الحصول على المعلومة ميسراً وسهلا كما هو الحال الآن. فمثلاً برنامج «دليل الصباح» كان في زمن لم تتوفر فيه خدمة عناوين السفارات للطلبة الراغبين في تقديم أوراقهم للالتحاق بالجامعات، والأوراق المطلوبة للرخص المختلفة مثل رخصة السير، أو تجديد جواز السفر وهكذا، هذا البرنامج «دليل الصباح» اعتمد عليه الكثيرون في ذلك الوقت وكانت مدته عشرين دقيقة صباحية، وكان بمثابة (جوجل) في أيامنا هذه.

وهكذا في البرامج الأخرى كنا نبحث بعمق لنصل إلى هدفنا بما يليق بمتابعينا حيث كانت تصل للبرنامج مئات الرسائل يومياً وعشرات الاتصالات. وتحفيزا لهم كانت من ضمن البرنامج مسابقات للمعلومات التي وردت في البرنامج، لكتّاب أردنيين مقدمة من وزارة الثقافة بهدف نشر أعمال الكاتب الأردني وتعزيز فكرة القراءة لدى المستمعين.

وبالنسبة لعملي في التلفزيون قدمتُ برامج ثقافية عن السينما من اعداد الناقد السينمائي حسان أبو غنيمة، بالإضافة لبرنامج كلاكيت، أخبار في الأقمار، يسعد صباحك إضافة لقراءة نشرات الأخبار فترة من الزمن.