هيثم بهنام بردى



ما جعل عالِمَ الطبيعة، المتخصص بالينابيع والعيون، في حيرة من أمره، أنّ ما ارتسم على شاشة حاسوبه وهو يفحص عيّنة من تربة هذه المنطقة الجبلية الشاهقة، مجرد علامات استفهام تتبعها علامات تعجب أكثر، وهذا ما لم يحصل له من قبل، فكل عيّنات الينابيع والعيون التي فحصها مذ امتهن هذا الأمر الممتع المضني، تُظهر على شاشة حاسوبه كل التفاصيل التي تبدأ بطبيعة التربة وكثافتها وتنتهي بعمق المصدر ونوعية الماء، إلّا هذا الينبوع المتفرد على شعف هذا الجبل الأجرد، باستثناء بعض شجيرات شائهة بصخوره الحمراء بلون الدم المتجمد وهو يجالد شواظ الشمس في السمت بصلادته..

ترك حاسوبه واتجه نحو المنبت، صحيح أنه ينبت من ثقبين وبتراتب بطيء في كليهما، وينث ماءً زلالاً صافياً كالطلل، وأنّ طعم مائه مالح، لكن ما يثير دهشته أن حواسه تلتقط نبرة هي الأقرب إلى نشيج طفل، إلى وشوشة ريح موجعة تلطم تشابك أوراق داكنة الخضرة تربض كلبوةٍ في الجوار.. وأن الينبوع ليس في سهل، بل في قمة جبل شاهق وموئله رحمُ الصخر الجلمود.

ألجمه العيّ وهو يحاول استبطان واستكناه الينبوع/ اللغز، وضع الحاسوب في حضنه وتوسد الأرض، وصارت أصابعه تهرول في أديم الأرقام والحروف والإشارات والدلالات، وعلى حين غرة، تبدت أمامه على الشاشة الصغيرة تهويمات وتعرجات شبيهة بتخطيط قلب، ثم تعاضدت هذه الخطوط وتشابكت لتتشكل على هيئة صورة جعلت عالم الطبيعة يسقط في غمامة الانذهال والحزن.

"ما الذي أرى؟" همس لنفسه، ثم استطرد: "هل أن حاسوبي مسّه الجنون، أم إنها هلوسة أصابته بسبب الشمس الهاصرة العاصرة؟!".

وغبّ أنْ جحظت عيناه وهو يعاين الشاشة فلتت من فيهِ صيحة:

- ما أقسى ما أراه!

وبذهول أكثر:

- إنها طفلة شعثاء بفم مفتوح وعينين تمطران دموعاً مدرارة. تلهج مفردة واحدة فحسب: مااااااااء".

ومحدقاً ما يزال:

- إنها تشهر قنينة ماء فارغة، وعلى جانبيها حيث تركع متهالكة نباتاتٌ شوكية من التي تنبت في الصحارى".

يفلت مآقيه عن الشاشة، ويحدّق في السماء لاهجاً:

- وما يحيط بها جبل أجرد".

ويحيط الجبلَ من حيث يقرفص:

- إنه هذا الجبل عينه!

ويقرأ على الشاشة جملة آمرة:

- احفر بإزميلك إلى عمق نصفَ متر، وافعل هذا برفق.

برك عالم الطبيعة على ركبتيه، وبدأ يحفر برفق، وبعد دقائق ندت عنه صرخة:

- ربّاه...

وأمامه، تبدّى على عمق نصف متر، الوجهُ الماثل على شاشة الحاسوب، مواسداً التراب، والماء النقي الطهور ينثال من محجري عينيه ببطء، والفم ينفتح وينغلق وتندّ عنه نبرة ملتاعة:

- ماء...