كتب: حسين دعسة

1 - المشي على حافة الحلم

ظل يتذكر تلك الممرات التي فيها وجد نجاته، وقت كان الضياع يسلب اللاجئين صوابهم، غيبتهم الحرب التي نقشت تفاصيل مختلفة لاتجاهاتهم بحثا عن مكان آمن، متاعهم اطفالهم الذين شلعتهم القذائف ، جرجرتهم عائلات تاهت في غياهب السهول والاودية ومخاضة النهر.

كاد النوم يسلبها ما حملته، طفلة لم تتجاوز الخامسة، صرة من بقايا مصاغ وبقايا خبؤ وجبن اصفر جاف.

في حلمها الكابوسي اضاعت ابنتها مريم، رأتها تنام في ظل شجرة برتقال على حافة الشريعة، تئن، تغفو من جوع ومن متاهتها، .. وكانت ترى في حلمها انها تهيل التراب، تعفر رأسها وتندب الخواء، اكملت رحلة اللجوء وحيدة، شقق التراب والصخر قدميها تفقدت كل خيام الحافة، ضاعت مريم.

بقيت تهذي سنوات وغالبها همّ الفقد.

2 - رائحة الشيح

في آخر رسائلها طلبت من حفيدها ان يرسل لها ما تبقى من صور العائلة، كتبت انها تموت حنانا وحميمية لكل من غاب بعد موسم الهجرة، والشتات في مخيمات المتاهات، الركض وراء تعبئة جالونات الماء والتدافع على ممرات صناديق ومطاعم وكالة الاعاشة.

رسمت من خيط الدم عدة قلب على ورق لا يحس حرارة الدم.

وصل ساعي البريد وغيبتها نشوة الصور فركنت جسدها تضم الأثر ولا تتنفس

رائحة الشيح كفنتها مع الحناء والبلسم، طلبت من القابلة التي غسلتها بوضع الصور على صدرها وتعطيرها بورق ندي من شيح نبت الى جوارخيمتها في طرف المخيم.

3 - صمت المغني

نبهته الى ان اغنيته القديمة لا تموت، تاه يتذكر ما تبقى من أهازيج كان يرددها مع الثوار، وكيف علمتها الامهات للاطفال الذين تشردوا وتيتموا، ركز يده على عمود الخيمة وسرح في بيارة البرتقال:

«مهما طـال عتم الليل... بتجليه شمس ا لحرية»

..واه يمة قلبي تاه والقمر غاب، تركناها وغصنا في سيل المتاهة وضاعت يا ام، بكى وغنى:

«مهما طـال الليل وطال.... وغطى سواده ع الأطلال»

..يا غائبة «عنا فــي الوطن أبطال... بتعيد شمـس الحرية»

مسحت دموعها بطرف ثوبها، غمست سخام القنديل ودهنت وجهها، رددت مع المغني الصامت همهمات تشلع القلب:

«لأجـل الزيتونه والتوت.... وأشجـــار المندلينا»

..يا يمه، زمليني، جف الدمع وهاجت يماماتي:

«بدنا نحارب حتى نموت.... أو ترجـــع فلسطينيا».. في اليوم التالي، كان المغني ينفخ على اليرغول ضاربا في شعث المخيم، وحيدا.

huss2d@yahoo.com