وليد سليمان



الشيخ الشهير مقرئ القرأن الكريم في مدينة عمان (كامل اللالا) رحل عنا الى عالم النعيم في العاشر من شهر تشرين الثاني لهذا العام 2020 عن عمر ناهز الـ 76 عاما.. رحمه الله

كان الشيخ اللالا يواظب منذ عشرات السنين على ارتياد المسجد الحسيني الكبير في وسط عمان.. انه صاحب الصوت الشجي والحضور البهي، رغم انه من سكان حي بعيد عن المسجد الحسيني.

فلهذا المسجد «الحسيني الكبير» عشق قديم في نفسه، حيث يقضي فيه أكثر أوقاته للعبادة ولقراءة القرآن بترتيله المميز، لستمع إليه كل من يكون في المسجد، ولجميع المارة من جانب المسجد، ولجيران المسجد من محلات كثيرة.. وفي مرات عديدة يرفع الأذان ويؤم المصلين في الصلوات أيضاً.

وعندما كان الشيخ اللالا فتى صغيراً تشنفت أذناه بسماع أصوات مقرئي القرآن الشهيرين في عالمنا العربي، وكان ذلك في الخمسينيات.. مثل سماع ترتيل وتجويد الشيخ المقرىء عبدالباسط عبد الصمد، والشيخ مصطفى اسماعيل، والمنشاوي من مصر، ذلك عبر جهاز الراديو آنذاك؛ لذا فقد أخذ بمحاولة تقليد أصواتهم الجميلة بقراءة القرآن الكريم.

وفي المسجد الحسيني الكبير والقديم (الذي تم انشاؤه في العام 1923 وأرسى حجر الاساس فيه سمو الامير و الملك فيما بعد عبدالله الاول بن الحسين) تمت دراسة شيخنا الجليل كامل اللالا لعلم وفن التجويد وتلاوة القرآن الكريم على أيدي شيوخ أفاضل.. فقد كان يحفظ كل يوم صفحة واحدة من القرآن الكريم.. وبعد عامين كان قد حفظ القرآن الكريم جميعه غيباً.. وظل حتى رحيله يقرأ القرآن جميعه مرة واحدة كل أسبوع.

وعن هذا العِلم حفظ القرآن وأحكام التلاوة والتجويد. تحدث الشيخ اللالا لنا سابقاً قبل نحو عشر سنين بقوله: لقد تعلمت القرآن الكريم في المسجد الحسيني على أيدي شيوخ مبدعين مثل مصطفى مرعي، والنغمات من الشيخ حسين بطاح.. وكان على أي طالب نشيط في ذلك ان يأخذ ويلتقط هذا العلم من كل واحد (معلم مقرىء) دون تحسسه أنك قد ختمت العلم.. فهذا العلم (التلاوة والتجويد) ليس له حدود.. فالتجويد فن.. وعلى المقرىء أو المبتدىء فيما بعد؛ ان لا يقلد أحدا فالتقليد لا يفيد.. وعلى كل مقرىء للقرآن ان تكون له طريقته وخصوصيته حتى يشتهر بها.. فهناك تمييز في النبر من قارىء الى قارىء.

وقال المقرىء اللالا: ان سيدنا علي بن ابي طالب سُئل ذات مرة: (كيف قراءة القرآن يا إمام)؟! فقال كرم الله وجهه: (معرفة الوقوف وتصحيح الحروف) أي لفظها ونطقها.

ثم أوضح اللالا: أنا أجيد جميع النغمات مثل: السيكا والنهوند والرصد والحجاز والبيات والصبا وهن (7) نغمات وكل نغمة يتولد عنها (10) نغمات أخرى لتصبح جميعها (70) نغمة.

وكان الشيخ اللالا–الذي كان موظفا في وزارة الاوقاف ثم استقال في العام 1963 كثير المشاركة في احتفالات الاردن الوطنية والدينية وغيرها؛ تلك التي كان يحضرها جلالة المرحوم الملك الحسين بن طلال، حيث كان يتلو القرآن بصوته الرخيم الجميل.. وكان جلالة الملك في كل مرة يصافحه ويتحدث معه باعجاب.. فقد كان جلالته متواضعا جدا ومحبوبا من الجميع.

ومن ذكرياته أيضا انه في العام 1979 وبمناسبة اقامة مأتم ذكرى مرور (40) يوما على وفاة جلالة الملكة علياء رحمها الله، فقد كان جلالته حاضرا وكذلك الشيخ الشهير من مصر مصطفى اسماعيل، فسمع الجميع تلاوته للقرآن الكريم فأشاد هذا الشيخ فيما بعد أمام جلالة الحسين بصوت اللالا وبقراءته، وكان ذلك في قصر رغدان العامر.

وفي لندن قديماً ذهب الشيخ كامل اللالا ليقرأ القرآن هناك بصوته الرنان الجميل، في المركز الاسلامي وبعض البيوت والاماكن الاخرى، حيث لاقى الاستحسان الكبيرهناك.

كذلك للمقرىء اللالا الكثير جدا من قراءات وتجويد القرآن في الاذاعة والتلفزيون الاردني وفي بعض المساجد أيام الجمعة مثل مسجد المغفور له الملك عبد الله الأول في منطقة العبدلي بعمان، ومساجد أخرى.

وعن فن التلاوة والتجويد لدى المقرىء اللالا أساليب أربعة:

1 - الحدر: أي بصوت فيه سرعة.

2 - التدوير: أي بصوت أقل سرعة مما سبق.

3 - الترتيل: بصوت بطىء أقل أقل مما سبق.

4 - التجويد: الصوت العالي والذي اشتهر به صوت المقرىء المرحوم عبدالباسط عبد الصمد.

فالمقرئون مثل عبد الباسط والحصري والبنا والطبلاوي ومصطفى اسماعيل كانوا مُجوِّدين، وأيضا مرتلين في أحيان أخرى.

وعن الشيخ مصطفى اسماعيل قال اللالا: انه من أجمل الاصوات (في قراءة القرآن) في الجواب، ولكنه يفتقر الى (القرار) أي عند خفضه للصوت.. أما المقرىء الشيخ محمد رفعت انه من اجمل الاصوات وكان يمتلك القرار.

و ذات مرة سمع شخص تجويد الشيخ مصطفى اسماعيل فقال له: اني عشقت الهمزة لقطعك اياها مثل (والسماء والطارق).

وعن الاصوات قال اللالا ان لها ثلاثة عناصر:

1 - القرار: أي الصوت المنخفض.

2 - الجواب: الصوت الأعلى.

3 - جواب الجواب: الصوت أعلى الأعلى.

وعن شيخنا المرحوم اللالا فانه يمتلك كل هذه العناصر الثلاثة أثناء قراءته للقرآن.

ومن النشاطات الدينية التي عرف بها الشيخ كامل اللالا فيما مضى أيضا هو اتقانه لفن انشاد التواشيح الدينية والموالد في المناسبات والاحتفالات الدينية والاجتماعية في مدينة عمان.

ومما كان يردده الشيخ المقرئ اللالا من تلك الاناشيد الجميلة والتواشيح الروحانية الدينية الاسلامية ما يلي:

يا أيها المختار من خير الورى

خَلقاً وخُلقاً في الكمال تواحدا

ماذا أقول بمدحه والله طهرا

من سفاح الجاهلية أحمدا

ذو رأفة بالمؤمنين ورأفة

سماك ربك بالقرآن محمدا

نادت بك الرسل الكرام فبشرت

وملائك الرحمن خلفك سُجدا

لا يحصي فضلك كاتب أو ناثر

عددا ولا الشعراء يا غوث الندى

يا ربي هب لي من لدنه شفاعة

واجعل كتابك حجة لي وشاهدا

طه صلاة ربي دائما ثم

الصلاة عليك يا نجم الهدى.

هذا وقد تم نعي شيخنا الراحل» اللالا» من قِبل رئيس الديوان الملكي الهاشمي يوسف العيسوي بصفته مندوبا عن الملك عبد الله الثاني بن الحسين ووزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية محمد الخلايلة، كما نعته العديد من وسائل الإعلام الأردنية والعربية.