«رسائل من الشاطئ الآخر».. مجموعة رسائل متبادلة بين الكاتب الصحفي المصري حسام عبد القادر والدكتورة دلال مقاري باوش مديرة معهد دراما بلا حدود في ألمانيا.. حول هموم وقضايا مشتركة تهم الوطن بمفهومه الشامل، وتعبر عن كثير من القضايا التي تؤرقنا نحو وطننا وتتحدث عن الغربة خارج الوطن وداخله، خاصة قضايا الهجرة والسفر والهروب عبر البحار والمحيطات لمستقبل غامض على أمل في غد أفضل.

هذه الرسائل الأدبية تذكرنا بجنس أدبي افتقدناه كثيرا وهو أدب الرسائل أو فن الرسائل والذي يعد من الفنون الأدبية القديمة، وهو فن نثري جميل يظهر مقدرة الكاتب وموهبته الكتابية وروعة أساليبه البيانية القوية. والرسالة نص مكتوب نثرا، يبعث به صاحبه إلى شخص ما، كما تعتبر الرسالة الأدبيّة من أهم فنون السرديات؛ حيث تخاطب الغائب وتستدرجه عبر فنيتها ببلاغة الكلمة وقوتها.

الرسالة الخامسة عشر..

الدعم النفسي في الغربة.. طاقة للاستمرار

صديقتي العزيزة دلال

هل تعلمين أن رسائلنا هذه تخفف كثيرا من الضغط النفسي عليَّ في الغربة، كما أنها أكبر داعم نفسي، لا أتذكر متى بدأنا تبادل الرسائل بهذا الشكل الجميل بعد أن كانت مجرد «مسجات» على الواتس آب، وعندما سألتني صديقة عن من صاحب الفكرة؟ فأجبتها دون تردد أننا فكرنا فيها معا.

وفكرني موضوع الدعم النفسي وأهميته بعادة قديمة لي، وهي أن أقوم دائما بتحليل ما يحدث خلال اليوم أو الأسبوع وأستخرج دائما ملاحظات ونتائج مهمة عن أحداث قد تكون بسيطة جدا في لحظتها، أو ردود فعل أو كلمات قيلت أثناء بعض اللقاءات، وأرى فيها اكتشافات مهمة وعميقة بعد إعادة النظر للموضوع من جديد.

وزادت هذه العادة بقوة في رحلة الغربة التي اخترتها بنفسي وقررت خوضها بكل إرادتي، فاكتشفت مثلا نعمة الأصدقاء، فكان تواصلي الدائم معهم خير عون وأكبر دعم نفسي لي.

وكما نقول دائما «جبر الخواطر على الله» فكان استمرار التواصل مع الأصدقاء، واستمرار رسائلنا، وكثير من الإشارات والمواقف بمثابة جبر الخواطر لي.

من الطبيعي أن يمر الإنسان بمراحل ضعف مثلما يمر في أوقات أخرى بمراحل قوة، والإنسان يحتاج الدعم النفسي في أوقات الضعف والقوة على السواء، لا أريد أن أفلسف الأمور فأنا لا أجيد الفلسفة.

ولكي أبعد عن الفلسفة، سأحكي لك حكاية بسيطة عن المحشي.. نعم المحشي لا تتعجبي، أنا أحب المحشي بكل أنواعه، ولكن هل تعلمي أنني أكلت المحشي في كندا أكثر مما أكلته في مصر!

لا تتعجبي أني أحدثك عن المحشي أثناء الكلام عن الدعم النفسي وجبر الخواطر، فقد كان الأكل في وقت ما أكبر داعم نفسي لي، أرى أنك تضحكين الآن وتتعجبين، ولكن هذا ما حدث، لقد دعاني صديقي وليد وزوجته دنيا في صباح أول يوم لي بكندا إلى الإفطار، ووجدت على المائدة فول مصري قامت بتدميسه دنيا بنفسها، ومعه السلاطة المصرية الجميلة وبيض، فشعرت أني أفطر في مصر وليس في كندا، وفي عيد الأضحى أكلت الفتة واللحم الضاني معهم أيضا، وهكذا تعودت أن آكل طعاما مصريا جميلا في بيت وليد.

وتعرفت على أصدقاء مصريين غاية في الروعة، أختين هما ألفت ونرمين، كلما طبختا حلة محشي أرسلتا إلى نصيبي منها فورا، وأكون سعيدا جدا بطبق المحشي الذي يشعرني بكثير من الألفة وأشعر معه بدعم نفسي هائل، وتوسعت الدائرة مع المصريين وظهر صديقي محمد الخطيب وزوجته ونفس الأمر تكرر معهم، ثم رانيا بدوي ومطبخها المصري الجميل، ويبدو أن وجودي وحدي جعل الجميع يشعر بمسؤولية نحوي، مسؤولية التغذية.

قد تبدو المواقف بسيطة وتتم بتلقائية ولكن معناها كبير لدي، والأمثلة كثيرة قد لا أستطيع أن أعرضها في رسالة واحدة، ولكن لا يمكن أن أنسى رسائل عديدة تأتي لي من أصدقاء بها كلمات تجعلني أشعر بالفخر والزهو، لأن هناك محبة مع أصدقائي.

كل هذا جعلني أشعر أني أعيش في مصر روحيا ونفسيا، وأني بعيد فقط بجسدي.. فماذا عنك؟ أتشوق لمعرفة رأيك.

حسام عبد القادر

يسعد أوقاتك كابتن حسام

لا تزال رسائلك تبحر بي، بين تجاعيد الموج، وتحملني إلى جزر تصهل بالحكايا.

أتساءل حسام، من أي بوابة أو نافذة تدلف كلماتنا، ذواتنا، وهل تكفي نوافذ الحلم، وشروخ الروح معبرا للكلمات؟

صحوتي اليوم وتغريد طيوري على سياج الحديقة، تجاوز الشروخ في رصيف الحياة!! بعد هاتف طويل تحدثنا فيه معا عن جدوى الدعم النفسي وآلياته، وخاصة في الغربة.

أفتح هاتفي المحمول، أطالع الصباح في تراتيل أحبتي حول العالم، لتستوقفني مملكة الصمت المتحول، في رسالة مدهشة غسلت خاطري، بنشارات ضوء لذيذ، ملهمتي الصغيرة الأستاذة هند المسلم، هذا الكائن النوراني الخفيف، أرسلت لي بكتابها الجديد، الذي كتب تحت نور التجربة الفريدة، وهو بعنوان (مغلق)!!

وكتاب هند المسلم يا حسام، هو حكايا وإنطباعات إرتعشت تحت وطئة (التجربة) في إحدى مراحل علاجها من مرض السرطان.

بمهارة فكرية لافتة، وصياغة عفوية هادئة ورقيقة قدمت لنا هند المسلم كتابها (مغلق)، كأنه إنفتاح دقيق على كل تفاصيل تجربتها في محاربة مرض السرطان، ربما تتساءل حسام: وما هي علاقة هذا الكتاب بالدعم النفسي الذي كنا نتحدث عنه عبر الهاتف؟

فأجيبك يا صديقي العزيز، بأن هذا الكتاب كان صدى لعلاقة بدأت بالدعم النفسي في خطين متوازيين!! حيث منحت الأستاذة هند ندى روحها لتوقظ زهوري الذابلات، في لقاءنا الأول في مشفى لعلاج أمراض السرطان، في مدينة ميونيخ، وهي القادمة في رحلة إغتراب من وطنها الأم الإمارات، في حين تؤكد الأستاذة هند في كتابها بأن الدعم النفسي الذي تلقته مني قد دفعها لإكتشاف طاقة دفاعية جديدة، لمقاومة المرض، وإطلاق جسور الأمل في كل إتجاه.

إذن حسام، فتحولات الأعماق والحلولية في الآخر، كان عنوان علاقة دعم نفسي متبادل بين حالتين في الإغتراب، دفعتني لأقدم بإسمها ولأجلها ورشتي الدولية لدعم النساء المصابات بمرض السرطان وكان ذلك في مملكة البحرين.

كتاب هند المسلم، أطلق الحكايا من الأقبية الصامتة والرطبة، ودفع بالتجارب المؤلمة، بأن تعيد إنتاج نفسها من جديد لتصعد إلى جبل أولمب الضياء والإنتصارات.

أتفهمني حسام؟

إستهوتني كلمات كتابها وروحها (إعترافات صادقة) وحقول شمس وطيور وندى يعمد الحياة بروح إمرأة، لا تعرف الإضطراب ولا الخراب ولا العجز ولا الذبول.

فقد إرتقى بها الألم، لتلقي ما في جوفها من عشق الحياة، بفرح طفولي، عفوي، وصادق، نهوض الروح بالإبداع، وإتساع الكون بشريط كلمات تنتمي إلى الحياة ولا تتدثر بالصمت أو التجاهل!!ـ

في كتابها (مغلق) نزعت ملائتها الشجرية وكسرت سياج الآلام، وأطلقت يمامات روحها للفضاء، كل هذا الحراك الثوري للدفاع عن الحياة، أوقظه بلا شك (ذلك الدعم النفسي الواعي والكبير) الذي أيقظ زهور الأحلام من غفوتها.

الألم وحده ياحسام، يدرك سر المساحات الشاسعة التي إنفتحت في روحها، حجاب الحياة وسريانها الموحي في كتاب يشي ببراعم تفتحت في أغصان أفكارها بعد تجربة لم تخلو من الألم.

هل تلاشى كل شيء الآن؟ ولم يبق سوى الحروف والكلمات المتوهجة بالأمل، في كتاب صار (مغلق) أمام اليأس والإحباط والألم والصمت؟

أدعوك حسام لقراءة تجربة هند المسلم، حكاية هدير خافت مليء بفيض الحياة، تقوده الكف الدافئة للدعم النفسي

بانتظارك كابتن حسام

د. دلال مقاري باوش