أبواب - زياد عساف

أشبه بمن يتفحص ورقة الإجابة مع بداية كل امتحان ويصدق حدسه في ذاك السؤال الذي توقعه مسبقاً، هذا ما اعتدنا عليه في أي لقاء يجمعنا بوسائل الإعلام المرئي والمسموع فيما يتعلق بالإستفسار عن أسباب هذا الإنحدار في المستوى الفني والإبداعي للإغنية العربية؟.

كثيرة هي الأسباب خاصة فيما تعارف عليه بجفاف منابع الإبداع المتمثلة بالصوت واللحن والكلمة، لكن يبقى هناك سبب خفي ورئيسي غاب عن ذهن كثيرين يتعلق بوجود علاقات صداقة حقيقية كانت تربط ما بين مجموعة من المبدعين في ساحة الغناء واقترب كل منهم من روح وإحساس الاّخر فبتنا على إثره نلمس الصدق في أعمالهم وروعة النغم والأداء والكلمة النابعة من القلب قبل كل ذلك.

قيمة إنسانية..

ومن هنا لا غرابة في أن الصداقة كقيمة انسانية برزت كموضوع رئيس في العديد من الأغنيات وتغنّى بها منذ زمن العديد من المطربين والمطربات، ولعل في استعادتها عودة لزمن الغناء الجميل وتحريضاً مقصوداً لإحياء هذه القيم الإنسانية عبر الكلمة والنغم والصوت الشجي بعد ما سمعناه من أغنيات هذه الأيام بها من المبالغة اليائسة ما يحول من إحياء معنى الصداقة الجميلة، وها نحن أمام نموذج مشابه لكلمات أغنية صدرت مؤخرا: (صحاب أونطة.. با عوني في أول محطة !).

ثنائيات..

ولعل من أجمل الصداقات الفنية التي كان نتاجها روائع الأعمال الغنائية تلك العلاقة الإنسانية التي جمعت ما بين الموسيقار رياض السنباطي وأم كلثوم رغم ما عُرِفَ عن السنباطي من جدية وحزم وعدم التراجع عن رؤيته ل اللحن حتى مع سيدة الغناء العربي والتي صرحت له بعد نجاح أُغنيتهما (الأطلال) بأنه الوحيد الذي يفهمها، واستطاع أن يقترب من إحساسها وقدراتها التي وظفها بالإتجاه الصحيح.

الصداقة المتينة التي جمعت مابين عبد الحليم حافظ ومحمد الموجي نجم عنها ألحان لاتنسى وفي محطات مهمة من مشوارهما معاً، كأغنية (صافيني مرة) لحن الموجي وكانت سبباً وراء شهرة حليم في البدايات، ثم يشاء القدر أن تجمعهما معاً أغنية النهاية (قارئة الفنجان) اّخر ماغنى العندليب والتي ستبقى خالدة لعشرات السنين، وكان اجمل ما في صداقتهما طريقة المصالحة التي كانت تعيد المياه لمجاريها بعد كل خلاف، وفي هذا الخصوص حدثتني السيدة أنغام إبنة الموسيقار محمد الموجي أثناء محاضرة وأمسية مشتركة جمعتنا في معرض القاهرة للكتاب عام 2017، كيف أن عبد الحليم كان حريصاً بأن يبقي علاقة المودة مع أبناء الموجي في ظل خلافاتهما المؤقتة.

و تبقى أصدق المشاعر في لحظات النهاية دائماً، ففي لقاء صحفي أجريته مع الإعلامية والمذيعة في صوت العرب اّمال معوض قبل سنوات، صرحت معوض لأبواب $ كيف أن الموجي أتصل بالإذاعة وهو يقطر ألماً صارخاً وموبخاً لهم بشدة كيف يذيعون أغاني عاطفية وعبد الحليم قد مات !، إذ أن خبر الوفاة لم يكن قد وصل لوسائل الإعلام وقتها.

دهشة..

ومن الأمثلة الأخرى ضمن هذا السياق نستعيد ما سبق وتطرقنا له في سلسلة المنسي في الغناء العربي عن الصداقات الثنائية التي كان نتاجها روائع الأعمال الغنائية والموسيقية وجمعت ما بين يونس القاضي وسيد درويش، بيرم التونسي والموسيقار زكريا أحمد، زياد الرحباني وجوزيف صقر، وأكثر ما يستوقفنا الصداقة الروحانية التي جمعت مابين صلاح جاهين وسيد مكاوي من جهة، وصداقة جاهين وعبد الرحمن الأبنودي من جهة أخرى، وما يدعو للدهشة حقاً أن ثلاثتهم توفوا في تاريخ اليوم نفسه (21/4) مع اختلاف السنوات !.

يا صديقي..

الإرتقاء بالإنسان العربي على الصعيد الفكري والوجداني كان الهدف الأسمى الذي انطلق منه المشروع الثقافي في مصر بفترة الخمسينيات، ومن هنا اعتمدت الأغاني بشكل خاص على تعزيز القيم الإنسانية، فكانت الصداقة حاضرة من خلالها لأهميتها في احداث التوازن النفسي والإجتماعي للفرد، وبالتالي يحقق الغناء رسالته في بناء الإنسان والإرتقاء بذائقته ليس في مصر وحسب ولكن على امتداد الوطن العربي، نستعرض هنا في البداية ثلاثة نماذج تؤكد ذلك لمطربين من الزمن الجميل تغنوا بالصديق باعتباره أشبه بالزاد للإنسان في رحلة الحياة.

المطرب اسماعيل شبانة قدم أغنية جميلة بعنوان (يا صديقي)، ويشبِّه الصديق هنا بالماء الذي يروي من العطش :(يا صديقي يا رفيقي في طريقي.. بلتقي عندك تملي.. كلمة حلوة تبل ريقي.. مش أخويا مش قريبي.. إنما قلبك حبيبي)، ثم يسلط الضوء على أخلاق صديقه الذي لايسمح لأحد أن يذكر رفيق العمر في غيبته بالسوء :( مش كتير اللي في قلوبهم زي قلبك حب.. بس لما سيرتي جت في غيبتي.. صنتني من غير ما احس).

تحويشة حياتي..

(للزمان اخترلك صاحب) نصيحة مُغَنَّاة لمطرب من زمن الفن الأصيل محمد رشدي يتغنى بالصديق واهميته في هذا الزمن المتقلب (الدنيا دي من ده على ده..حلوة ساعات وساعات سادة.. الظلم في طبعها عادة.. اطلع من الدنيا دي بصاحب.. في الفرح والحزن يتصاحب).

وكان اّخر ماقدمه المطرب محمد قنديل في سنواته الأخيرة أغنية جميلة عن الصداقة الحقيقية وجاءت كمقدمة لتتر مسلسل (الأصدقاء) 2002 لحن الموسيقار ياسر عبد الرحمن، وتدور فكرة المسلسل حول قيمة الصداقة والدعوة لمد الأيادي ونجدة الأصدقاء في زمن العولمة الساعي لتحطيم القيم الإجتماعية والثقافية، فكرة اختزلها قنديل بصوته عبر هذه الكلمات لسيد حجاب:

«يا صديقي مد ايدك..جرحي جرحك عيدي عيدك

ياصديق عمري يا صاحب ذكرياتي..انت كنز ايامي و(تحويشة حياتي)

ومراياتي اللي بشوف فيها ذاتي.. تواجهني في عيبي وتكشف سيئاتي

وتقسى بحنان واستزيدك.. يا صديقي مد إيدك ».

بفرد ضلوعي !..

مطربون اّخرون وفي مراحل زمنية مختلفة إستمروا على هذا النهج وتغنوا بالصداقة الحقيقية كضرورة حتمية للإنسان، المطرب محمد عبده ومن أغنية (هذا صديقي) يتغنى بالوفاء المتمثل بالصديق :

«كل اصدقائي في خافقي والغايبين في العيون

اللي صورهم ثابتة في احداقها غاليين

لكن الصديق اللي فقدته وين

وين اللي يموت وكلمته ما خان في ميثاقها».

الصديق الحقيقي نفتقده في الغياب وبهذه الكلمات العذبة يعاتب طلال المداح الصديق الغائب: «ماتقول لنا صاحب فينه من زمان غايب.. نسأل عليه واجب وكان العشم اكبر !».

الشاعر الغنائي ابراهيم عبد الفتاح يعتبر امتداداً لرواد الكلمة من زمن الأصالة مع احتفاظه بهوية خاصة به تؤكدها أعماله ومن أجملها وهو يجسِّد قيمة التضحية من أجل الصديق وبصوت مدحت صالح:

«بفرد ضلوعي لحد جرحك يا صديق

و بئيد شموعي عشان اصاحبك في الطريق

وبمد شوقي مركبة واحلم بظِلَّة قُرَيْبَه

يجمعنا من تاني الغنا عن طير بريء ».

صويحبي لو ضربني بشبريته ..

و يلتقي العديد من المطربين والمطربات ومن أزمان وبلاد مختلفة حول مضمون الصداقة وأهمية الاحتياج لصديق معبرين عن ذلك في أغانيهم، ومنها بصوت على الحجار :(على كتف صاحبي بتكي.. وببكي لو جوايا دمع بيتبكي)، والمطربة الأردنية الغائبة الحاضرة ميسون الصناع :(صويحبي لو ضربني بشبريته..لامسح الدم وامشي ورا خطوته).

تقول الكاتبة والمفكرة العالمية سيمون دي بوفوار في وصف الصداقة :(أنا أضع الصداقة في منزلة أرقى من الحب.. يمكنني الاستمتاع بحياة لا تحوي سوى اصدقاء)، ونلمس هذا البوح الأنثوي مع قصيدة (كن صديقي) لسعاد الصباح وغناء ماجدة الرومي: (كم جميل لو بقينا اصدقاء..إن كل امرأة تحتاج لكف صديق.. فلماذا تهتم بشكلي.. ولا تدرك عقلي !).

لمة الأصحاب..

صداقة أيام المدرسة لها وقعها في النفس، وبصوت ماجدة الرومي أيضاً نستعيد ذاك المشهد من فيلم (عودة الإبن الضال) 1976، ومن أغنية (باي باي) لحظة وداع التلاميذ لبعضهم مع نهاية العام الدراسي: (رايحين وجايين صحبة تلات سنوات..في المدرسة الطيبة ندرس ولاد وبنات..عرفنا نحسب شعاع الشمس بالخطوة..لكن أوان الوداع ماعملنالوش حسابات !).

لمِّة الأصحاب والحنين للسهرات التي كانت تضمهم ظلت حاضرة في أغانينا العربية، ويحرص نجوم الغناء على استعادتها كقيمة إجتماعية ليبقى الأصدقاء والأحبة في الذاكرة المطربة عفاف راضي أثارت الحنين في نفوس مستمعيها وهي تناجي ذكرى الصحاب:

(والله زمان على سهر الحبايب.. والله زمان ع الصحبة الهنية.. لينا زمان ما قابلنا صاحب.. لا الدنيا هي ولا الناس هي هي)، ومن نجوم فرقة الأصدقاء في الثمانينيات غنت منى عبد الغنى: (هي ياللا يا أصحاب.. بينا نسهر بينا نفرح.. ياللا في أحلى ليلة.. فيها شجر الحب يطرح).

جمَّعْ حبايبك..

ومن أغنية (بتغني لمين يا حمام) لفردوس عبدالحميد: (يا ورد على فل وياسمين.. يا عود ريحان زان البستان.. بغني للناس الحلوين.. متجمعين أهل وخلان)، مدحت صالح (كلنا عيلة.. الله ما يحرمنا من نور بيتنا..من صحبتنا من فرحتنا.. الله ما يحرمنا من احبابنا من أصحابنا من لمتنا)، عمرو دياب في أغنية (جمَّعْ حبايبك): (الله على لمة صحاب عشرة سنين.. والله زمان واحنا سوا متجمعين..جمع حبايبك ياللا نبقى قريبين)، ومن بجمال وروعة سيد مكاوي وهو يتغنى هنا بالصحبة واللمَّة: (ياليل طوِّل شوية.. ع الصحبة الحلوة دية)، وبنفس الجمال غنى محمود عبد العزيز من الحان مكاوي أيضاً وبفيلم (الكيت كات) 1990: (يا ملتقى الصحبة يا لالا لي ياوردة في الصحبة يا لالالي..يا منورين في القعدة تملي..ياصهبجية..عايزين شوية..حبة آهات على عيني يا ليلي..على ترالالي).

وعن عشرة العمر تغني كارول سماحة :(صحابي وعشرة عمري فينهم.. دا ما بيني وبينهم ما فيش غير كل خير وطيب..ياريت بس اسمع خبر حلو عنهم ..خبر ييجي منهم ونتلم زي زمان قريب).

حكاية سعد الفران..

ومن الصور الغنائية الجميلة عن الخصام بين صديقين سببه التنافس على قلب فتاة، ولعل أقربها إلى ذلك الإسكتش الغنائي (المصالحة) حين تحاول فيروز مصالحة الشيخ نصري (نصري شمس الدين) مع أبو صالح (وديع الصافي) بعد قطيعة دامت عشرين عاماً، والخلاف بسبب (جورية) التي خذلتهما في النهاية وهربت (خطيفة) مع سعد الفران، وتتم المصالحة بعد إقناعهما بأنهما قد نجيا بنفسيهما من هذه الزيجة والأفضل أنهما لم يتزوجا أصلاً :(ما حدا ع الفاضي يكون ندمان.. لا تجوزتوا ولا تعترتوا.. واللي علق سعد الفران !).

ومن أغنية (فاتت جنبنا)، وفي تنافس مشابه على قلب فتاة بين العندليب عبد الحليم حافظ وصاحبه الذي أشعل الغيرة في قلبه ظناً منه وجود علاقة بينهما، ويعبر عن هذا الصراع الذي يعتمل في داخله: (إن لاقيت صاحبي بيضحك أقول.. دي لازم قابلته.. وان لمحت في عينه شكوى أقول.. دي لازم خاصمته !)، في النهاية يكسب حليم الجولة عندما وصله منها الجواب :(وقالتلي أنا من الأول بضحكلك يا اسمراني)، وتختتم الأغنية مع زغاريد النسوة في الكورس احتفاءً بهذا الإنتصار و(شماتة) في الرفيق المهزوم عاطفياً، ولا أدري كيف لم ينتبه المؤلف حسين السيد من هذه النقطة، إذ كان من الأجدى أن تكون نهاية الأغنية بشكل ودي مختلف يحفظ ود الصديق بدلاً من الموقف النرجسي للفائز دون مراعاة مشاعر الاّخر ا فلهذه الكلمة (الصاحب) قدسيتها خاصة في الزمن الذي قدم به العندليب هذه الأغنية.

غدار يا زمن..

عن غدر الأصحاب يبوح الشاعر يوسف صوافطة: (حين انتزعت الخناجر التي طعنتني من الخلف.. لم أجد خنجر عدوى !)، هذه الصورة تذكرنا بأغنيات عديدة أيضاً، ومن ينسى موال المطرب الشعبي محمد عبد المطلب: (غدار يا زمن لا ليك خل ولا صاحب.. أعز الحبايب خدتهم ولا فضلش ولا صاحب.. انا صاحبت صاحب..اتاري صاحبي مصاحب..وصاحب اتنين يا زمن مالوش صاحب !)، ومع صورة أخرى للغدر يرويها هاني شاكر :(صديق عمري اللي شلته في عيني وقلبي وجوه الروح.. اللي داويته بدمي وقت ما كان مجروح.. اللي امنته على أسراري وعلى حكاياتي.. خان الوعد وحاول يخطف مني حب حياتي)، وعن خداع الأصدقاء بالمعنى الأشمل يبوح محمد الحلو :(يا صديقي الزمن دا مش زمنا..الزمن دا لحد غيرنا..للي حيقدر يخدع غيره..يبيع نفسه ويلغي ضميره ّ)، كاظم الساهر :(موتى ارحم من غدر اللي سميته صديق..اللي جازاني بخيانة وترك باعماقي الحريق)، صباح (ويننه كل اصحابي الكانو يحبوني؟.. لم برم دولابي راحوا وتركوني !)، ومع رفيق السبيعي وعن الذي يخذل صاحبه وقت الشدة: (صاحبنا اللي عامل حاله أوفى صديق.. تاركنا في وقت الشدة وأيام الضيق.. غَطْ وما بيَّنْ لما سد الطريق.. وما صدقنا لطبِّينا ع الحديدة صفِّينا !).

حلو المكان..

وفيما يتعلق بالأغنية الشبابية، وفي نظرة للنصف الممتلئ من الكأس بدأنا نستمع مؤخراً لبعض أغنيات عن الصداقة تتضمن معاني وقيم جميلة، ويبقى المأخذ على معظمها بالتوزيع الموسيقي الذي يتسم بالإيقاع السريع بشكل عام، وهذا يتنافى عادة مع ما يتطلبه التعبير الغنائي والموسيقي بما يتناسب مع مضمون الكلمة والإيقاع الداخلي للحالة النفسية التي تعكسها هذه الكلمات.

وباستعراض للكلمات الجميلة (الشبابية) التي تتغنى بالصداقة والحنين للمكان وأصحاب زمان غنى تامر حسني بفيلم (الفلوس) 2019: (حلو المكان يا أصحاب زمان..جينا الليلة دي نسهر فيه ونغني كمان..متجمعين ومنورين واحشاني فعلآ قعدتنا ولمة زمان)، وعن (صاحب جدع) لفرقة مسار إجباري: (اول مرة الاقي صاحب ما يعاتبش..صاحب جدع..كل ما احتاجه ما يتأخرش..سهران معايا ويواسيني ومينامش..مهما سمعت كلام بقوله ما يزهقش..قال لي المشاكل بتتحل مهما حصل..غَيَّرْ لي مودي ونسَّاني كل الزعل).

على الجانب الاّخر..

ومقابل هذه النماذج الجميلة، تطالعنا أغاني شبابية تستخف بمعنى الصداقة والقيم الإخلاقية لدرجة الإنحطاط، فأين الرقابة على المصنفات الفنية وعلى سبيل المثال من أغنية (أمك صاحبتي !) التي صدرت مؤخراً، وما يثير الأسى أن نستمع للجيل الجديد وهو يردد عن اقتناع كامل بما تشير له أغنية: (ما فيش صاحب بيتصاحب.. مافيش راجل بقى راجل)، ولعلنا لا نبالغ لو اعتبرنا أن واحدة من معاني الرجولة ألا نستمع لهذه النوعية من الأغاني .