الدكتور نبيل قسطة

تشهد الساحة العالميَّة تحدّيات، وتغييرات مفصليَّة منذ ما يُقارب العام، انعكست على الحقل التربوي والتَّعليمي، بتقلُّبات وإقفالات قصريَّة فرضتها جائحة كورونا التي أخذت التربية والتعليم إلى أمكنة ما كنّا يومًا نظن أننا نذهب إليها. فاستذكار الأهداف الأساسيَّة ومراقبة تطوّرات ما بعد الصدمة ستساعدان في استخلاص الدروس والعبر لاستكمال عمليّة التعلَّم وإنقاذ العام الدراسي القادم إن لم نقل الذي يليه.

ولكوني منخرطا في الشأن التربوي، عن كثب وعلى الحيثيّات والتطوّرات الراهنة، أعرض بعض أفكاري بناءً على تجربة مباشرة وشخصيَّة، ومراقبة،وانفتاح على آراء وأفكار أصحاب الاختصاص في مجال التربية،بالإضافة إلى الإشراف على مدارس عدّة.

لا بدَّ أن ندرك أنّ أية محاولة لتقويم عمليَّة التَّعليم في المدارس خلال الفترة التي تلت ظهور كورونا، يجب أن تتم بعيدًا عن الوقوف على الأطلال، ومن المهم ألا تغفل عن الحقائق التالية:

• التأثير الذي تركه الوباء على الحياة اليوميَّة في العالم عامة بحيث تراوح بين سلبيّ وكارثي، مع ما سببه من فقر وانعاكاسات على الصحة الجسديَّة.

• التأثير السلبي الذي طاول القطاع التربوي والمنظومة التعليميّة بأكملها، محوّلاً إيّاه بين ليلة وضحاها من التعليم المحدّد ضمن حدود جغرافية إلى تعليم يعبر المسافات.

• الإجحاف الذي طاول ذوي الصعوبات التعلُّميَّة والحاجات الخاصّة.

وبسبب ملاحظتنا لذوي الحاجات الخاصَّة الذي كانوا أكثر ضحايا الصدمة، أطلق مركز SKILD، مبادرة تحت عنوان «بناء القدرات»، الهدف منها إفادة أكبر عدد ممكن من الطلاب في لبنان والعالم العربي، من خلال سلسلة من أفلام الفيديو باللغة العربية وعددها 70، تضع بين أيدي الأهل والمدرِّسين مواد تربويَّة تدعم عمليَّة التعلُّم.

هذا الواقع يدفعنا إلى طرح الأسئلة التالية:

• ما هو واقع التعلُّم والتَّعليم اليوم بعد مرور ما يقارب السنة على بدء الجائحة؟

• ما هي رؤيتنا المستقبليَّة، وهل نحن جاهزون لما تحمله الأيام والأعوام التالية؟

هل نحمل بين أيدينا نموذجًا ناجحًا وفعّالاً ومستدامًا لمتابعة عمليَّة التعليم؟

• ما هي توقُّعاتنا حول مستقبل وتحدّيات التعلّم_عن_بُعد؟ وهل الحديث عن نوع جديد من التعليم مثل التعلُّم السلس (fluid learning) هو من ضمن جدولنا؟

• ما هي التغييرات الواجب إحداثها على مستوى الطالب من جهة والمعلّم من جهة أخرى، العائلة والمدرسة، الحكومة والدولة؟

هل إن المناهج الافتراضيَّة والرقميَّة ستُلقي بالمناهج الورقيَّة خارج اللعبة التعليميَّة؟

• ماذا عن المهارات المستجدّة للكوادر التعليميَّة؟ هل ستصبح الكفاءات الرقميَّة والاجتماعيّة مطلبًا أساسيًّا تقف جنبًاإلى جنب مع الكفاءات البيداغوجيةالتعليميَّة/التربوية؟

  أ – العام الدراسي 2019 – 2020: بدء الجائحة ومرحلة الصدَّمة

عندما أُجبرت المدارس على الإغلاق لأشهر متواصلة، وجب علينا أن نكون سريعي البديهة. فكان علينا أن نتدبّر أمرنا من «الحواضر»، علمًا أن ذلك حدث في وقت قياسي، فيما معظم المدارس لم يكن لديها المقوِّمات و/أو البنية التحتيَّة اللازمة، وتعود الأسباب إلى:

• شبكات الإنترنت ليست معدة لتحمل الضغط الذي يفرضه التعليم_عن_بُعد، مع عدم اكتمال التجهيزات لذلك في معظم الحالات.

• التكلفة والباهظة التي تفرضها خدمة الإنترنت.

• الافتقار إلى المعرفة والمهارات التي يتطلّبها التعليم عبر الإنترنت أو وسائل التواصل السمعيَّة-البصريَّة عند عدد كبير من الأساتذة.

• عدم امتلاك أغلبية الأسر أكثر من كمبيوتر واحد (أو لوحة إلكترونية واحدة)في المنزل،فيما عدد الأطفال يصل إلى اثنين أو ثلاثة وقد يتجاوز ذلك، مما يُرغم على استخدام الهاتف النقّال الذي يصعب التركيز عليه.

• عدم وجود إمكانيَّة ماديَّة لدى معظم الأسر في تأمين شبكة إنترنت أوشاشة رقميَّة.

ولا بدَّ هنا من التنويه بالدور الذي قام به المعلِّمون والمعلِّمات لكي يتمكّنوا من متابعة العام الدراسي في محاولة للتأقلم بسرعة.وقد نجحوا إلى حدٍّ بعيد في مواكبة مشوار التغيير بأفضل ما يُمكن من وسائل مُتاحة، ولكن من غير الوصول إلى حلّ شامل.

ب–العام الدراسي 2020 – 2021: تعليم مُدمج أو عن بُعد...

لقد أوجد التَّعليم - عن - بُعد واقعًا كان يُعتبر مستحيلاً وغير عمليٍّ منذ زمن غير بعيد. أما اليوم فلم يعد مستغربًا أن نجد أستاذًا في لبنان أو في الأردن أو في أميركا يعلّم طلاّبًا من جنسيّات مختلفة، يعيش كلّ واحد منهم في بلد مختلف، وربّما لا يلتقيا على الإطلاق.

انطلق العام الدراسي 2020-2021مع القرار باعتماد التعليم - عن - بُعد والتَّعليم الهجين أو التعليم المُدمج، فيما لا نزال إلى الآن نترقَّب التطوُّرات ونواجه التحدِّيات وننتظر النتائج.هذان النوعان يسمحان للطلبة بالاستفادة من الفعاليَّة وفرص التنشئة الاجتماعيَّة للفصل الدراسي وإمكانيات التعلُّم النشط المعزَّز تقنيًّا للبيئة عبر الإنترنت.

من هنا وقع الاختيار بالاتِّكال على التعلُّم المُدمج والتعلُّم_عن_بُعد، مع أنّ العديد من الأهل والاختصاصيين يعارضون الاستخدام الزائد للتكنولوجيا والإلكترونيّات والإنترنت في التعليم. وأبرز أسباب معارضتهم هي أنَّه يمنع الاختلاط بين الأتراب، ويحدّمن مهارات الأطفال الاجتماعيَّة، ويضرّ بالصحّة بسبب ساعات الجلوس الطويلة والتعرُّض الطويل للإشعاعات.

كما أنَّه وبحسب ملاحظات العديد من الأهل والمعلِّمين والمعلِّمات والاختصاصيين في التربية وعلم النفس، فالأجهزة الإلكترونية على اختلافها تدفع بالإنسان إلى إهمال العلاقات الاجتماعيَّة، ما يزيدا لشعور بالوحدة والقلق والاضطراب النفسي، منطلقين من فكرة أنَّ المدرسة هي حجر الأساس للبنية المجتمعيَّة لأنَّها تزوّد المتعلِّم بالمهارات الأكاديميَّة والمعرفة، وتطوِّر القدرات الاجتماعيَّة، وتصقل الشخصيَّة.

هذه المواقف، وإن كانت محقَّة في كثير من النواحي، لا سيّما فيما يتعلَّقبالآثار السلبيَّة المحتملة على صحّة الطلبة، إلاّ أنّها مجحفة بحق التعلُّم-عن-بُعد والتعلُّم المدمج والتعلُّم السلس ، التي أثبتت فعاليّته كنماذج تعليميَّة يستفيد من حسناتها وميزاتها نموذج التَّدريس الصفي والتَّدريس عبر الإنترنت.

.إنّ التطور التكنولوجي والدَّمج بين الحضور الصفّي والتَّعليم-عن-بُعد سمح باستمرار التَّعليم وتخفيف الخطر على الحياة.

ج–نموذج جديد لسياسة تربويّة شاملة: العام الدراسي التالي وما بعده.

فأي نموذج نريده لمدارسنا مستقبلاً؟

وفيما نعيش اليوم مرحلة انتشارالوباء، وقبل أن ينال كل إنسان جرعته من اللقاح الذي لا نعرف موعد جهوزيتّه، فإن دور أصحاب الشأن هو الشروع من دون أي تأخير بخلق نموذج جديد للتَّعليم الذي نريده، إذ لم يعد بإمكاننا التركيز على الحضور الصفي فقط..

إنَّه الوقت الأمثل للقيام بإجراء تغيير جذري لنهج التعليم التقليدي والذي صُقل بحسب احتياجات عصر ولّى، من خلال نموذج فكريٍّ جديد ونقلة نوعيَّة، تناسب عصرنا، وحاجاتنا والتحديات التي نواجهنا.

لتحقيق كل هذه التطلّعات، نحن بحاجة إلى المرونة في الاطّلاع على المعلومات والوصول إليها، وتوفيرحصَّة أكبر من الاهتمام الفردي لكل تلميذ من قبل المعلِّم أو المعلمة، والمؤازرة بين الطلبة وإظهار القدرات الإبداعيَّة للمعلِّمين والمعلِّمات كما للطلبة وإتاحة فرصة للتفكير أو التعليق أو الإجابة مليًّا قبل المشاركة،مع غياب عامل الخوف من ردة فعل الأستاذ.

وكي يتمتَّع نموذج التَّعليم الذي نتبنّاه بمزايا ما يُعرف باالتعليم السلس،من المهم الأخذ بعين الاعتبارهذه النقاط:

• الحياد: أي أن يتمكّن جميع الطلبة والمعلّمات والمعلِّمين الوصول إلى المحتوى عبر الأجهزة والمنصّات والبرامج والتطبيقات على اختلافها.

• التفصيل: على المعلِّمين استخدام المواد التعليميَّة (المحتوى) في ملفّات صغيرة.

• قابليَّة النقل: أي أن يكون المحتوى قابلاً للنقل عبر الأنظمة الأساسيَّة والبرامج والتطبيقات الإلكتروتنَّة.

• التفاعل والتأمُّل: إبقاء مساحة من التفاعل بين الطلاب، كما بين المعلِّمين والمتعلِّمين تتوافر من خلال استخدام الأجهزة المختلفة.

• الانتشار في كل مكان: إنَّ التعلَّم السلس لا يقيِّد المتعلِّم بالوقت الذي يقضيه في استخدام الأجهزة، إذ يتدفَّق التعلُّم السلس من الفصول الدراسيَّة إلى سياقات اجتماعيَّة متعدِّدة.

من المهم ألاّ ننسى أنّ هذه اللحظة في زمننا يمكن أن تكون اللحظة التي سنتمكَّن فيها من تحقيق إراحة أولادنا من نظام التدريس القائم على التلقين والحفظ فقط،لنؤسِّس نظامًا تدريسيًّا قوامه التعلَّم على غرار البكالوريا الدولية والفرنسيَّة والألمانيَّة وغيرها،بحيث يتطلَّب منهم المراقبة والتحليل والنقد والاستنتاج والابتكار وإيجاد الحلول؛ والانتقاء والاختيار بحسب الذكاءات المتعدِّدة، كما التعاون والتواصل لتنمية وبناء شخصيّة الإنسان والمواطن الخادم.

ختاماً

لقد أصبح من الملح والضروري إيجاد رؤية جديدة شاملة للمنظومة التربويَّة... رؤية محدَّدة ومُعالجة تتناسب مع الواقع الجديد، على أن تراعي الحاجات النفسيّة والسلوكيّة والاجتماعية، والقدرات الذهنيّة، والبنى التحتيَّة، ومهارات المعلِّمين والمتعلِّمين، وأصول التواصل عن بُعد، آخذة بعين الاعتبار التدريب الذي يواكب التغيير. فمن دون ذلك نكون كمن يضع رقعة جديدة على ثوبٍ عتيق.

ولا بدَّ من الإشارة إلى أن ذوي الصعوبات التعلُّميّة هم أكثر من عانوا من الإهمال في ظلِّ ما يحصل.فالحاجة ملحّة لاستحداث خطّة «أ» وخطّة «ب» وربما خطّة «ج».

ومن أجل تحقيق ذلك علينا إعادة هيكلة وترتيب تطال أولاً الوزارات المعنيَّة، لا سيّما وزارة التربية لكي يكون دورها أكثر فعّاليَّة، وتشريع قوانين جديدة يكون فيها دور القطاع الخاص داعمًا للقطاع العام. وهذا يفرض علينا تعاونًا حثيثًا بين القطاع العام والخاص، من خلال تأليف لجنة حوكمة أو فريق إدارة قيادي يتكوَّن أعضاؤه تقريبًا من خمسة عشر عضوً امن مديري مدارس، ومنسّقي مواد، ومعلِّمين ومعلِّمات، وأولياء أمور، ورؤساء مؤسَّسات التَّعليم العالي، وأخصائيين في علم النفس، وأخصائيين في التربية المختصّة، من مثل معالجي نطق واختصاصيين في العلاج النفسي الحركي، وخبراء في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ومصمّمي مناهج رقميَّة، وممثلين عن وزارة التربية، والمركز التربوي للبحوث والإنماء، ووزارة الصحَّة، وأصحاب دور النشر، ومنظَّمات دوليَّة وغير حكوميَّة، على أن يستعين كل عضو بلجنة استشاريَّة من متخصِّصين تكون مطعّمة بالقطاع العام والخاص.

ففي ظلّ الواقع الحالي حيث الرقمية دخلت على كل جوانب ومرافق الحياة، وبسبب التغييرات الجغرافية والاقليمية والصحية وتداخلها، لم يعد ممكنًا ولا مقبولا أن تنفرد جهة واحدة بقرارات وسياسات نحن بأمس حاجة لها من أجل الحصول على منهاج تعليمي يحاكي احتياجات العصر.

ومن هنا الحاجة إلى خلق لجنة الحوكمة التي ذكرناها أعلاه، والتي تقوم على التعاون ووضع الخبرات اللازمة للبدء في أوّل العام 2021 وتحديدًا فصل الربيع منه لإنجاز الأمور التالية:

• العمل على تغيير الذهنيّة وخلق تحوّل نموذجي، من خلال وضع خطط توعية، وتوجيه.

• تطوير مناهج رقميَّة تفاعليّة ملائمة ومدروسة للبرامج الأكاديميَّة الحاليّة، على ألا يتمّ إلغاء أية مواد ضروريَّة أو أساسيَّة تؤثِّر في المستوى التعليمي.

• تدريب الكوادر التعليميَّة والإداريَّة لمساعدتهم على فهم النموذج الجديد وإدراك دورهم ومسؤوليّاتهم في التعلُّم التفاعلي ومهارات التعليم المناسبة.

• وضع أسس لتقييم الأداء والمهارات والنتائج التعلّميَّةللتعلّم عن بعدبما يتناسب مع المعايير العالميَّة والتطوّرات التكنولوجيَّة، وأساليب المعايير القياسيّة الموّحدة،

• المباشرة بتقييم مسار التعلّم والتعليم لهذا العام الدراسي.

• ترشيد الموازنة للمدارس لملاءمة المرحلة الجديدة ومواكبتها؛

• إدخال مسارات أكاديميَّة إجباريّة تعدُّ الطلاّب الجامعيين الذين يتخصّصون في مجال التربية والتّعليم.

• وضع ضوابط وسياسات مسلكيّة للتعلّم عن بُعد، تضمن أجواء دراسيَّة قائمة على التفاعل، بحيث تضبط وتنظّم سلوك المتعلِّم، والمعلِّم والأهل، وتتماشى مع معايير الأمن الإلكتروني.

• إرشاد وتوجيه أولياء الأمور ومساعدتهم لكي يقوموا بدورهم.

• وأخيرًا وضع خطَّة لبدء التدريبات والتجهيزات للعام الدراسي 2021-2022 ابتداءً من شهر نيسان القادم وحتى نهاية شهر آب مثلاً،على شكل ورشات عملٍ عمليّة وتفاعليَّة. ومن ثم إتاحة المجال للمؤسَّسات التربويَّة لوضع مخطّطاتها السنويَّة وحصصها التعليميّة خلال شهر تموز 2021.

ويبقى أن نذكر أنه من خلال التَّعليم عن بُعد، مع بعض الحضور هذا العام، سنتمكَّن من اتّباع حلٍّ وسطيّ، من دون أن نستكين حتى نطوِّر نموذجًا تعليميًّا يتمتّع بالقدرة على الاستدامة في عالم تسود فيه الافتراضيَّة.

على كل واحد منا دور فاعل في هذه الخطّة المستقبليَّة، إذ ما عادت الحلول ناجعة في حصر القرارات بهيئة واحدة... أما التشاؤم والفشل فهما أداتان تقتلان الإنجاز، فيما يبقى التفاؤل والعمل والتغيير مصدر قوّة ونجاح. لعلّ خلق نظام تربوي جديد يساعدنا على خلق شرق أوسط أفضل.