تحقيق - تالا أيوب

في الوقت الذي يشكل فيه القطاع الزراعي الركن الأساسي في منظومة الأمن الغذائي، يبقى محلياً يئن تحت وطأة التحديات المزمنة، رغم مقوماته النوعية التي تؤهلة لأن يتبوأ موقع الصدارة أردنياً ودولياً.

وفي ظل ما يعيشه العالم اليوم من أزمة في الغذاء، تبرز الضرورة للاستثمار الامثل في الزراعة كقطاع حيوي لتجنب الأزمات الغذائية المحتملة، وهذا ما أشر إليه جلالة الملك عبدالله الثاني في كلمة له في «حوار بورلوغ» الذي نظمته جائزة الغذاء العالمية عبر تقنية الاتصال المرئي في 16 تشرين الأول الماضي، حيث اكد على أهمية بناء امن غذائي عالمي وتجنب اية ازمات نقص غذاء عالمية، بالتشارك والتكامل وتبادل الخبرات بين مختلف الاطراف الدولية.

القطاع الزراعي في المملكة يمتلك مقومات وميزات نادرة تجعل منه رائدا على مستوى الاقليم والعالم، وهو يحظى باهتمام دائم ومستمر من جلالة الملك عبدالله،ما يضع المعنين في القطاع امام مسؤولياتهم في تطويره.

ويعزو خبراء ومختصون عدم تطور القطاع الزراعي الى جملة من التحديات التي ما زالت تشدد الخناق عليه منذ عقود، واضعين بعض الحلول التي تمكن القطاع من تجاوز الصعاب والمعيقات ليصبح انموذجا في تحقيق الامن الغذائي.

غير أنهم في الوقت ذاته اكدوا ان مواكبة التطور والتقدم التكنولوجي وتطويع كافة سبل التقنيات الحديثة في الزراعة، وصولا الى الزراعة الذكية، يسهم بالضرورة في تقدم وتطور القطاع، فضلا عن أهمية التحول بالتدريج الى الزراعات النوعية والابتعاد عن الانماط التقليدية زراعيا، والتي ترتبط بخيبات وأزمات عانى منها المزارعون.

ورأوا أن الحلول يجب ان تستند الى استراتيجيات حكومية شمولية ضمن خطط مرتبطة بجداول زمنية، تستهدف الاستمرار بالاستثمار الامثل في القطاع الزراعي، شريطة انتهاج أسس التشارك وتكامل الادوار بين كافة اطراف العملية الزراعية.

مركز اقليمي للامن الغذائي

ويقول وزير الزراعة محمد داودية «تلقت الحكومة الاشارات الواضحة والمبادرة التي اطلقها الملك بالاعلان عن بلادنا مركزا اقليميا للأمن الغذائي، فبدأت وزارة الزراعة بإعداد التشريعات اللازمة لإنشاء هذا المركز الحيوي البالغ الاهمية».

ويضيف في حديث الى الرأي ننطلق من قاعدة الاعتماد على الذات والتركيز على إكساب الشباب المهارات التقنية والمهنية لرفع ميزتهم التنافسية والاستثمار الأمثل للموارد الوطنية بما يسهم في تحقيق النمو المستدام.

ووفق داوودية «تواصل الوزارة العمل مع كافة الشركاء في القطاعين العام والخاص لتعزيز الاستثمار في الموارد الزراعية المتاحة بما يضمن توفير فرص العمل وتعزيز انتاج محاصيل العجز الوطنية والاقليمية والمحاصيل الاستراتيجية».

ويلفت الى انه ولغايات تنفيذ التوجيهات الملكية المرتبطة بالنهوض في القطاع الزراعي، تعمل الوزارة ضمن أولوياتها الاستراتيجية على إعادة هيكلة القطاع ومؤسساته والعمل على ادخال التكنولوجيا الابتكارية الحديثة لزيادة الانتاج وتنويعه وزيادة الانتاجية.

ويوضح أن الوزارة تعمل على تحديث سلاسل الانتاج والامداد والتوريد والخدمات اللوجستية بهدف زيادة تنافسية المنتجات الزراعية، وقدرتها على الحضور في الاسواق ذات القيمة الاقتصادية العالية»، لافتا الى ان: «العمل في المجالات السابقة يتم بالتنسيق مع القطاعات الحكومية المختلفة والمؤسسات الأهلية غير الحكومية وبالشراكة مع القطاع الخاص وشركاء التنمية الدوليين».

خطوات في الاتجاه الصحيح

ويعرّف وزير الزراعة السابق المهندس ابراهيم الشحاحدة الأمن الغذائي بأنه: «توفير الغذاء بكميات كافية للمواطنين بما يتوافق مع سلامة معايير الأغذية، وحسب حاجتهم، وأن يكون بمتناول أياديهم».

ويقول لـ الرأي تسعى الدول إلى تأمين الاحتياجات الغذائية بنفسها، وتسعى للاكتفاء الذاتي في الثروة الحيوانية والنباتية، وهناك بعض الظروف تحول دون أن يكون هناك أمن غذائي مطلق لمعظم الدول، وبالتالي تسعى الدول الى الأمن الغذائي النسبي، والذي هو الاستغلال الامثل للموارد الطبيعية في البلد من أجل انتاج اكثر ما يمكن من صنوف الأغذية وخاصة الاغذية الاساسية لأي بلد».

ويضيف الشحاحدة: «يقع على عاتق وزارة الزراعة شقين: الأول: الا تنظر الوزارة إلى الرقم المجرد بعملية توفير الغذاء؛ لأن من واجبها ان يكون هناك توزيع يضمن توفير الغذاء اللازم في المملكة»، والثاني: سلامة الغذاء».

ويشير الشحاحدة الى ان هذا الامر منوط بوزارة الزراعة وبعض المؤسسات الأخرى المعنية التي يقع على عاتقها مسؤولية تبادل الأدوار في عملية المحافظة على سلامة الغذاء وتقديمه بجودة عالية للمواطنين، من خلال توزيع وتوفير الكوادر الفنية اللازمة لهذه الغاية، بما يضمن الفحص الكامل وتوفير هذه السلعة بمعايير سلامة وجودة عالية للمواطنين».

ويلفت الى أن الأردن يتمتع بأربعة مناخات طبيعة ترتبط بعملية توزيع الانتاجية في الشقين النباتي والحيواني، اذ لدينا منطقة وادي الأردن ونستطيع الزراعة فيها صيفا وشتاء وهذه ميزة نسبية، ثم منطقة الشفا غورية، ومنطقة البادية والتي ممكن ان تزرع بها (اصناف متعددة) وتكون انتاجيتها مبكرة لذلك تساهم في عملية توفير الغذاء على مدار السنة.

ويلفت الى ان العنصر الأساسي في هذه المعادلة وتوفيرها هو المزارع، ويجب أن يكون في ذهنية الدولة الأردنية تثبيت المزارعين، وتذليل كل الصعاب التي يعانون منها من أجل ان يبقوا ثابتين في أرضهم، وبالتالي توفير هذه السلعة التي لدينا، حيث أن المزارع يؤمن الخضراوات على مائدتنا اليومية طازجة بشكل دائم، وبأسعار تكاد تكون في متناول أيادي الجميع.

ويقول الشحاحدة: «المتمعن في خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، «خطاب التكليف السامي»، يرى أن هناك مرتكزات أساسية وضعت في هذا الخطاب، أولا: أعطى هذا الخطاب نتاج ما حدث وقت جائحة كورونا، والأردن وبحمد الله أدى دوره بتلك المرحلة، ووزارة الزراعة في تلك المرحلة وفرت كافة الأغذية بشقيها، بكميات وفيرة، وبأسعار مناسبة، وجودة عالية، وهذا شيء أعطى إيجابية كبيرة أعتقد انها لم تحدث في كثير من الدول التي أثرت جائحة كورونا بها وعانت من عملية نقص الغذاء».

ويتابع: «المتمعن في زراعة السلعة الأساسية، يرى ان هناك خطوة منذ 2019 على طريق التوجه الى تخفيف الاستيراد الذاتي بزيادة النمو في الاكتفاء الذاتي بالقمح والشعير والذي تضاعف بشكل ملحوظ عن انتاجية عام 2018، وكان ذلك سببه تشجيع المزارعين بطرق عديدة، وشراء محصولهم، وزيادة سعر الشراء. والناظر للقطاع الزراعي في الأردن يرى أن موسم نهاية 2019، يحمل ثقافة العودة الى الفلاحة والحصادة، وكمية الانتاج كانت أعلى بأضعاف من السنوات السابقة».

ويكمل: «كما ركز جلالة الملك في خطابه على أن تبقى هذه المبادرة بين ايدينا، مع التقاط المخاطر، حول اذا ما استمرت جائحة كورونا، حيث أنه سيكون هناك نقص حاد في الغذاء، وبالتالي ستحدث مجاعات في بعض الدول، والدولة التي لا تستقرئها في الواقع، تكون خاسرة».

ويتابع: «أشر الخطاب الملكي وبقراءة واقعية إلى أن الزراعة قيمة لا سلعة، وهي أمن وطني استراتيجي، وتعني أننا يجب أن نعي تماما أنه قد يكون هناك ظرف يقلق العالم من حولنا ويغلق حدودنا وبالتالي الدولة ستعتمد في غذائها على نفسها، بحيث يكون هناك استراتيجيات واضحة من أجل استغلال أمثل لمواردنا الطبيعية».

ويستشهد الشحاحدة ببعض الاصناف خصوصا فيما يتعلق بالخضراوات واللحوم والحبوب، قائلا «نحن قادرون على أن نحقق رقما عاليا في الاكتفاء الذاتي اذ استغلينا الخارطة المطرية استغلالا أمثل، والخارطة المطرية تعطي لنا مناطق معينة نزرع بها محاصيل، ومناطق أخرى نركز فيها على الأعلاف، وأخرى على البستنة، ومناطق معينة على «الايكو سيستم» المزرعة المتكاملة».

وبحسب الشحاحدة «عندما زار جلالة الملك المعرض الدائم للمنتجات الزراعية، والتي تقيمه وزارة الزراعة سنويا وكان يعرض انتاج الزيتون، وشاهد أن الأسر الأردنية منتجة لا مستهلكة، وجه جلالته وزارة الزراعة بأقامة معرض دائم للمنتجات الزراعية لابراز دور المرأة الريفية، والصناعات الغذائية والتحول الى التصنيع الغذائي المهم جدا».

ووفق الشحاحدة هنالك ثقافة موجودة لدى غالبية الشعب الأردني، بأنه يميل الى الزراعة فطريا، ما يعني احداث تنمية في مختلف المناطق،مشددا في هذا الصدد على ضرورة القيام بخطوات على ارض الواقع، تسهم في التقاط توجيهات جلالة الملك.

ويشير الشحاحدة الى ان وزارة الزراعة انتهجت نهجا لحماية المنتج المحلي، بما يتلاءم ويتواءم مع ثلاثة عناصر رئيسية تتمحور حول «المزارع المنتج، والتاجر والذي له علاقة كبيرة جدا بتسويق انتاج المزارعين، والمستهلك، وذلك بوجوب ان تصله المنتجات بأسعار مناسبة وبجودة عالية».

ويقول ركزت الوزارة على حماية المنتج المحلي بتواز مع العناصر الثلاثة الرئيسة في القطاع الزراعي، ما ساهم بتحويل 22 سلعة كنا نستوردها إلى سلع محلية ننتجها، مثل البصل والبطاطا والجزر والثوم،(...). بالإضافة الى الثروة الحيوانية، فقد كنا نستورد الدجاج المقطع، والمسحب والمطحون، وأصناف عديدة من الأجبان مثل الحلوم وغيرها (...).

ويشير الى أن هذا التحول قد ساهم في خلق فرص عمل نحن بحاجة إليها، مبينا أن: «انتاج الدجاج المقطع والمسحب والمطحون وفر أكثر من 3500 فرصة عمل في بداية موسم واحد، ولم نأخذ الكمية الكافية في الأردن، وفيما يتعلق ببعض الأجبان ومشتقات الألبان كذلك الأمر كما نتحدث عن بعض الخضراوات والحمضيات أيضا، والموز متجهين نحو خطوة متقدمة نحو الاكتفاء الذاتي».

ويضرب الشحاحدة مثالا على ذلك: «في نهاية عام 2019 انتجنا البطاطا والبصل، وكان هناك زيادة في الانتاج، وتم تخزين ما يقدر بـ60 ألف طن بطاطا، و30 ألف طن بصل وتم بيعها في أشهر 10 و11 و12، وهذا يعني أن قطاع التجارة قد اشتغل من خلال العمالة وقطاع النقل » وذلك يعزز مبدأ القيمة المضافة في القطاع الزراعي. كذلك الأمر بما يتعلق باللحوم الطازجة وتأثيرها على القيمة المضافة.

ويلفت الى ان زراعة البذور قد نمت عشرات المرات عن الأعوام السابقة. بالإضافة الى انه أصبح هناك توجه نحو الزراعات ذات الجدوى الاقتصادية، من خلال استغلال المناخات المتنوعه.

ويقول الشحاحدة «ان الاردن قد تميز بزراعة التمور كـ«المجهول» الذي يزرع في غور الأردن ونحن ننتج كميات ونصدره للعالم وبجدوى اقتصادية عالية. ومما كان له المساهمة الكبرى بذلك ان اخذت الحكومة بتوصيات وزارة الزراعة بضرورة ان يكون هناك حفر للآبار الارتوازية في منطقة وادي الأردن، حيث ان هذه المياه مالحة، وهي تساعد في زيادة رقعة زراعة أشجار النخيل، لأنه نستطيع ريها بالمياه المالحة، وهذا يمثل نقطة إيجابية في عملية الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية في الاردن».

وفيما يتعلق بقطاع الأسماك يشير الشحادة الى اننا ولمدة تصل لأكثر من 14 شهرا لم نستورد سمكا نهريا، والذي يعتبر سلعة مميزة جدا توفر فرص عمل.

ويشدد الشحاحدة على ضرورة التوجه الى تصدير السلع ذات الجدوى الاقتصادية الأعلى، لأنه يجب ان يكون في ذهنيتنا الا نصدر سلعا لا تحقق لنا جدوى اقتصادية من عملية تصديرها، وان يكون التصدير في السلع ذات القيمة الاقتصادية الأعلى في التصدير، والناظر الى ما يصدر عن الاحصاءات العامة في هذا المجال، يجد انه في عام 2019 قد زادت القيمة التصديرية لذات الطن الواحد؛ لأنه تم التركيز على السلع ذات القيمة التصديرية العالية، التي دخلت على حساب الزراعات التي كنا نزرعها 8 أضعاف ما كنا نحتاجها، لافتا الى اهمية دراسة ما نحن بحاجته ودراسة أسواقنا المحلية.

ويلفت الى أنه في الزراعة يجب أن نبدأ بذهنية التسويق أولا قبل زراعة البذرة وإعداد الأرض، أي يجب أن نحدد الكمية التي نزرعها، ومتى نزرعها، ولمن نزرعها، حتى لا تكون الزراعة ملفا ضاغطا في عملية التسويق، لذلك قمنا بتحويل مساحات كانت تزرع بثمن أضعاف من محصول معين على سبيل المثال البندورة، الى زراعات كنا نستوردها، ونحن نستطيع زراعتها كزراعات البطاطا والبصل والبندورة والثوم (...).

ويشير الشحاحدة الى ضرورة تقديم الدعم للمزارع، ودعم مؤسسة الاقراض الزراعي له بشكل كبير، من أجل أن يقوم بدوره، اذ انه في عام 2019 تم ايقاف عملية التحصيل عن قروض المزارعين، ودعمها للمشاريع المنتجة القائمة على أرض الواقع، مشيرا الى منح 10 مليون دينار قروض بدون فائدة ولمدة

5 سنوات سماح بسبب الرياح العاتية التي دمرت البيوت البلاستيكية.

ويلفت الى ضرورة أن يكون هناك تركيز حكومي بشكل عام على تقليل كلف مدخلات الانتاج، وان يكون هناك دعم في مجال كلف الطاقة، والتي تعد التحدي الأكبر للمزارعين وخاصة الذين يستخدمون الآبار الارتوازية في الزراعات.

ويكمل في ذات السياق «لقد قامت وزارة الزراعة بزيادة القروض من 75 ألف -150 ألف دينار للقرض الميسر في استغلال الطاقة، وهو أكثر متطلبات الانتاج التي تزيد من الكلف وبالتالي نسعى لاستخدام الطاقة الشمسية في المزارع والتي تساهم في دوران العجلة الاقتصادية».

الزراعة الذكية

يرى وزير الزراعة الأسبق الدكتور رضا الخوالدة -رئيس الجمعية الأردنية للبحث العلمي- ان الاستثمار الأمثل في القطاع الزراعي وصولا لتنفيذ رؤية جلالة الملك لتحقيق الأمن الغذائي في الأردن من خلال استخدام التكنولوجيا والتطبيقات الذكية في الزراعة.

ويشير في حديث الى الرأي الى أن مختلف دول العالم توجهت نحو استخدام مختلف التقنيات الحديثة في الزراعة خصوصا في مجالات المعدات المستخدمة في الحقول والمزارع فضلا عن توفير المياه عبر استخدام تكنولوجيا الري.

وحول المردود الإيجابي لاستخدام الزراعة الذكية وتطبيقاتها، يشير الخوالدة الى أنها تستهدف التقليل من الفاقد في المحصول، وتزيد من جودة المنتج وتنافسيته مقارنة مع الزراعة بالطرق التقليدية، وتخفف الأعباء وتقدم كل المعايير المطلوبة من درجات حرارة واستخدام مياه و(...) وكل ما تحتاجه من معلومات تكون متوفرة لدينا، كما تسهم في ترشيد استخدام المياه والاسمدة ورفع جودة المنتج، وزيادة سلسلة الانتاج، وصولا لمنتجات تنافس على المستويين الاقليمي والدولي.

ويشير الى أن بعض المزارعين يستخدمون تكنولوجيا اصطناعية، لكن التطبيقات الذكية في الزراعة لا تزال في بدايات تطبيقها لكن قابلية التوسع في هذا المجال سهل جدا، ولدينا من العقول والكفاءات الأردنية القادرة على التعامل معها ولديهم المعرفة العلمية في التوسع في هذا المجال بكل أريحية.

ويلفت الخوالدة الى أن بعض الشباب الأردني طوروا بعض البرامج التي لها علاقة بتطبيقات ذكية تتعلق بالقطاع الزراعي،لافتا الى وجود مشاريع ومبادرات تستخدم بعض جوانب من الزراعة الذكية.

ويرى أنه بالرغم من ارتفاع كلف الزراعات الذكية وتطبيقاتها الا ان المردود والعائد المالي منها يكون أفضل بكثير من الزراعات التقليدية كونه يزيد من الانتاجية ويوفر الوقت والجهد فضلا عن الحصول على منتج ذي جودة عالية.

ويؤيد الخوالدة بشدة تسخير التكنولوجيا في القطاع الزراعي لوجود كفاءات وخبرات أردنية في مجال تكنولوجيا المعلومات، لهذا لن يكون لدينا صعوبة بالتعامل مع التحول نحو الزراعة الذكية، وخصوصا في الظرف الحالي مع التغير المناخي وشح المياه وتدهور الأراضي، وأصبحنا بحاجة ماسة الى الزراعة الذكية بحيث نرفع من كفاءة استخدام وحدة المساحة بشكل أفضل.

مشاريع الكترونية رائدة

وفي هذا الصدد، التقت $ الشاب محمد العقيلي أحد مؤسسي مشروع ريادي تأسس في نهايات عام 2017، مؤسس على البحث العلمي، يعود لفريق عمل مكون من 4 أشخاص بمختلف التخصصات من تكنولوجيا المعلومات، وتطوير أعمال، والزراعة، والتسويق أطلقوا عليه اسم «غوركم».

وبحسب العقيلي الحاصل على ماجستير في الاقتصاد من بريطانيا تهدف «غوركم» وهي منصة الكترونية، الى دعم المنتجات المحلية عن طريق انشاء خط تواصل مباشر ما بين المزارعين المحليين ومحلات بيع الخضار والفواكه، من خلال استخدام احدث التكنولوجيا بأسلوب سهل ومرن وممتع.

ويقول العقيلي إن المشروع يهدف الى «زيادة دخل المزارع، وتطوير سلسلة التوريد في القطاع الزراعي، وتنظيم المواصلات، تعزيز الشفافية في الأسعار، وزيادة فرصة التصدير من خلال ايجاد أسواق عالمية، وضبط جودة المنتجات.

ويلفت الى ان عدد المشتركين بالمنصة وصل الى أكثر من 200 مزارع، وأكثر من 300 محل يبيع الخضراوات والفواكه ويغطي أغلبية محافظات المملكة.

ووفق العقيلي «بالرغم من وجود دعم داخلي، وتحفيز على تطوير العمل مع عدة جهات داخل الأردن، الا أن الشركة استشعرت أن الفرص خارج الأردن أكبر وتجد الدعم بشكل أكبر، ويوجد اقبال على المنصة أكثر، مشيرا الى أنه يعتمد على الأسعار ومدى توافق المزارعين مع من يريد شراء الخضار والفواكه.

تحديات.. ولا حلول

ويقول رئيس اتحاد مزارعي وادي الأردن عدنان الخدام لـ $: «لقد تهمّش القطاع الزراعي وأُهمل، ولم يلق الاهتمام الكبير من قبل الحكومات المتعاقبة بالرغم من توجيهات جلالة الملك المستمرة اذ لا يوجد خطاب أو تكليف لجلالته يخلو من دعم القطاع الزراعي».

ويشير الى أن القطاع الزراعي يعاني من مشاكل وتحديات كثيرة، الا انها ترحل من حكومة الى أخرى، اذ لا توجد مؤسسية في الأردن، كما ان سياسات الحكومات المتعاقبة لا تتبع خططا واستراتيجيات حقيقية متكاملة طويلة الأمد لا تقف على أفراد.

ويلفت خدام الى أن الحكومة قد اعترفت بأن القطاع الوحيد الذي ثبت وأمّن المواطن غذائيا واجتماعيا على مستوى الاقليم، ولم يقتصر على المائدة الأردنية هو القطاع الزراعي، ولكن للأسف لا يوجد أي دعم أو حل أو زيارات ميدانية على أرض الواقع لايجاد حلول.

ويشير الى أن هذا القطاع الانتاجي الأول في الأردن، أكبر قطاع مشغّل للعمالة الأردنية اذ يبلغ عددها من 45-46 ألف منشأة زراعية تضم حملة شهادات مختلفة.

ويشدد على ضرورة استثمار جائحة كورونا وتحويل السلبيات التي واجهت المزارعين الموسم الماضي في القطاعين العام والخاص إلى ايجابيات وتوظيفها لمصلحة الوطن من خلال توفير نقص احتياجاتنا من الخضار والفواكه في الأردن، ومن ثم التوجه الى خارجه.

ويذكر بعض التحديات التي تواجه القطاع: «ملف العمالة الوافدة، وهدر في مياه وادي الأردن (...) مطالبا بإنشاء سدود، ودعم الصادرات من خلال الشحن الجوي لأن الشحن البري صعب، إذ أن سوريا بوابتنا الرئيسية وهي مغلقة أمام المصدرين، ارتفاع كلف الانتاج».

ويشير الى تراجع القطاع الزراعي، ويقول: «كانت تجربتنا البسيطة بالبيوت البلاستيكية في عام 1976، ومن ثم تطورت ووصلنا الى بلاد العالم، وكنا نصدر الى حوالي 58 دولة خضار وفواكة والتي تعرف بالزراعات التعاقدية الا اننا عام 2011 قد فقدناها، لعدم متابعة الحكومات لهذا الأمر.

ويكمل «لو تابعت الحكومة الامر لما فقدنا أسواقنا ولو توجهت لدعم صادراتنا من خلال الشحن الجوي كنا سنحافظ على أسواقنا التي فقدناها، ولم يذهب تعب المزارعين والمصدّرين سدى بعد ما أسسوا أرضية لها ووصلوا الى بناء 23 ألف بيت بلاستيكي، مشيرا الى انه لو استمر التصدير بوجود هذه الأسواق لوصلنا الى 50 ألف بيت».

ويشير الى أنه وبالرغم من كثرة المنح المقدمة للقطاع الزراعي الا أنه الى الآن لم يتم استغلال أي منها بهدف حماية المنتج المحلي من خلال انشاء مصانع غذائية، للاستفادة من فائض الانتاج في عدد من المحاصيل واستغلالها في الصناعات التحويلية بدلا من هدرها من جهة. وتوفير مئات فرص العمل للأردنيين من جهة أخرى اذ يفتقر الأردن لمثل هذه الصناعات ويقتصر على تعبئة وتغليف المواد الخام المستوردة من الخارج.

عقبات مزمنة

ويطالب مدير عام اتحاد المزارعين المهندس محمود العوران بضرورة تطوير منظومة التشريعات الناظمة للعمل الزراعي بشقيه النباتي والحيواني.

ويلفت في تصريح الى $ الى العملية الزراعية تعتمد على العمالة بنسبة تصل الى 65%، ولعدم وجود عمالة محلية نلجأ الى العمالة الوافدة، وأي خلل يحدث في منظومة العمالة الوافدة سيؤثر سلبا على المزارع أولا وعلى القطاع الزراعي بشكل عام.

ويعزو الخلل في مسألة تنظيم العمالة الزراعية لعدم اشراف القطاع الزراعي على ما يخص منح التصاريح الزراعية، وبالتالي تحدث تجاوزات من خلال منح بعضها لعمالة وافدة للعمل في قطاعات أخرى، مشيرا في هذا الصدد الى أنه كان أحد أعضاء اتحاد المزارعين يشرف على ذلك في السابق، وكانت تدار الأمور دونما خلل في مختلف محافظات المملكة.

ويؤشر العوران إلى بعض تحديات القطاع الزراعي والمتمثلة بـ «الضرائب على مدخلات الانتاج بشكل عام اذ شهد القطاع الزراعي ارتفاعا حادا فيما يخص فرض ضرائب على مدخلات انتاج او ضريبة المبيعات وعلى الصادرات أيضا على عكس البلاد الأخرى التي تدعم الصادرات.

ويؤكد أهمية تنفيذ توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني للحكومة لدعم الزراعة والمزارعين، من خلال تقديم الحوافز لمن يصدر، منبها الى ضرورة اجراء مراجعة شاملة للقوانين ونظام سوق الجملة المركزية.

ويشير العوران الى أن البحث العلمي في القطاع الزراعي بشقيه الانتاج الزراعي والحيواني مغيّب، داعيا الجهات المختصة الى تخصيص جزء من إيرادات السوق المركزي والتي تصل الى حوالي 13 مليون دينار لدعم البحث العلمي لانتاج أصناف تتحمل وتتلاءم مع درجات الحرارة وذلك يساهم في موضوع الأمن الغذائي، ودراسة ظاهرة التغير المناخي وأثره على الزراعة والأسعار وغيره (...)

وحول امكانية تحويل الاردن لنموذج مصغّر لفكرة جلالة الملك العالمية لتحقيق الأمن الغذائي في الأردن، يجيب العوران: «يمتلك الأردن مناخا متميزا يتيح الفرصة لزراعة المحاصيل على ثلاث فترات انتاجية خلال العام، فضلا عن موقعه الاستراتيجي كمنطقة متوسطة تتيح فرصة تصدير المنتجات الزراعية الى دول الجوار والأسواق الأوروبية ما يمكّننا من العمل كمركز إقليمي للغذاء».

ووفق العوران يمتلك الأردن أراض زراعية خصبة تمتاز بنوعية تربة غنية وغير ملوثة تمتد على جغرافيا الوطن خصوصا منطقة وادي الأردن، ومناطق الشفا غورية، والشفا، فضلا عن مياه الأردن الجوفية السليمة.

وبحسب العوران فإن المنتجات الزراعية الأردنية تحظى بسمعة طيبة في الأسواق الأوروبية باعتبارها آمنة وسليمة وذات جودة عالية الأمر الذي يتطلب تفعيل دور سفاراتنا والملحقيات التجارية فيها بتسويق المنتج الزراعي من خلال اقامة المعارض التعريفية بطبيعة منتجاتنا وأنواعها وأشكالها المتعددة.

ويطالب الجهات المعنية بالقطاع دعم الصادرات الزراعية من خلال اعفائها من الرسوم اضافة الى تقديم حوافز للمصدرين فضلا عن توفير وسائل شحن مختلفة على غرار الاستعانة بالشحن الجوي بدلا من البري خصوصا في فترات الحروب التي تتسبب الاغلاقات.

ويلفت الى أهمية دراسة الأسواق الخارجية من جهة احتياجاتها من المنتجات الزراعية، وبالتالي زراعة أصناف مطلوبة، مستشهدا في هذا الصدد بنظام الزراعات التعاقدية. مؤكدا أهمية تفعيل الإرشاد الزراعي والتسويقي.

خلاصة

ولكي يتحول الأردن لمركز إقليمي للأمن الغذائي وفقا لرؤية جلالة الملك عبد الله الثاني، يجب أن يبدأ المسؤولون عن الملف الزراعي بترجمة رؤية جلالته على أرض الواقع بمختلف الأساليب والشروع فورا بتطوير القطاع وفق خطوات مدروسة.

تعديل التشريعات بما يتلاءم مع المرحلة المقبلة أمر جيد، لكن المسألة الأهم الاندفاع في العمل ومتابعة الانجاز والتطبيق على أرض الواقع وتقييم النتائج وتصويب مسارها.

ولا ينسى أنه بات لازما مواكبة التطور والتقدم التكنولوجي وتطويع كافة سبل التقنيات الحديثة في الزراعة، وصولا الى الزراعة الذكية، والنوعية بعيدا عن تكريس الأنماط التقليدية وإعفاء جميع مدخلات الانتاج من الضرائب وتحديث سلاسل الانتاج والامداد والتوريد والخدمات اللوجستية، واستغلال الخريطة المطرية.

كذلك يجب وقف استغلال المزارعين من قبل السماسرة والأسواق، والعمل على زيادة التسويق الزراعي الخارجي لدول الجوار والدول الغربية، وذلك لا يتأتى إلا من خلال إرادة حقيقية لتطوير لقطاع باشراك جميع أطراف معادلة الانتاج الزراعي، وإزالة المعيقات على اختلاف أنواعها، فضلا عن الاستثمار في البحث والتطوير العملي.