قبل مدة من ذكرى وفاته التي مر عليها خمسون عاماً، أطل علينا عبر احدى المواقع الالكترونية أكاديمي عربي- مع احترامي له- بتهمة شنيعة ووصف غير لائق حين ذكر في الحوار الذي أجري معه أن جمال عبد الناصر «بلطجي»! راح يكيل له التهم جزافاً، فهو الدكتاتور المستبد وهو العميل للغرب.. ألخ.

عبد الناصر زعيم عربي قل ان يجود الزمن بمثله، يكفي ان فلسطين المحتلة ظلت امام ناظريه. هذا الزعيم عاش ومات فقيراً.

سأسوق هذه الحكاية التي يرويها عنه احد رجالاته وهو حسن زكي الذي كان يومها مديراً للبنك المركزي المصري، يقول حسن زكي ذات مرة اتصل بي الرئيس جمال عبد الناصر ولما مثلت بين يديه سألني: لو اراد احدهم ان يأخذ قرضاً من البنك، هل يستطيع، فقلت له: اذا كان قادراً على السداد فهذا ممكن. ثم -والكلام لحسن زكي- سألته: من هو هذا الذي سيأخذ القرض، ففوجئت حين سمعته يقول: أنا يا حسن! وهنا أجبته: كم المبلغ؟ فقال: عشرة آلاف دينار. مبلغ انا بحاجة اليه لتزويج ابنتي. فقلت له: غدا يكون المبلغ لديك. ويضيف حسن زكي قائلاً: وصدفة دخل عبد الحكيم عامر واستغرب وجودي في حضرة الرئيس. ولما علم بحكاية القرض قال للرئيس: لماذا لا تأخذ من ميزانية الجيش، فعندي وفرة مالية. لكن الرئيس اعتذر رافضاً العرض. وبعد عدة ايام استدعى عبد الناصر حسن زكي واخبره انه قد عينه وزيراً للمالية. وهنا فوجىء حسن زكي وقال للرئيس: لكن سنيّ ما زال في الأربعين من العمر وليس لديّ الخبرة الكافية، فأجابه عبد الناصر: أمانتك هي التي جعلتني اختارك.

هذه الحكاية تردّ على هؤلاء الذين يتهمون الراحل عبد الناصر بأنه من الطبقة البرجوازية.

هذا هو عبد الناصر عاش ورحل عَفّ الإهاب نظيف اليد، هو ليس قديساً او ملاكاً لا يخطئ، فجلّ من لا يخطئ، لكنه كان يحاسب نفسه اذا ما أخطأ فِعْلّ الحاكم النبيل.

كان بإمكان عبد الناصر ان لا يقترض وميزانية البلاد بين يديه. غير ان ضميره لم يطاوعه ان يفعل ذلك.

ربما الخطأ الذي يمكن ان يُسند اليه انه وثق ببعض رجالات الثورة ممن تبين في ما بعد انهم لم يحافظوا على إرث هذا الزعيم الخالد حين حامت حول بعضهم شبهات كثيرة الكل بات يعرفها.

من ناحية اخرى يمكن ان يؤخذ على هذا الزعيم الغاؤه للأحزاب السياسية. وفي تصوري لو امتدت به الحياة لسمح للأحزاب ان ترى النور، وهذا ما نقله عنه بعض خلصائه من المقربين.

يكفيه فخراً انه وقف الى جانب الفقراء من الذين كانوا واقعين تحت هيمنة الطبقة الاقطاعية.

اعود الى التهم الخبيثة التي يوجهها البعض الى هذا الزعيم الى حد دفع هذا الأكاديمي الكويتي ان يصفه ب«البلطجي».

عبد الناصر رمز وطني كبير لم يمهله القدر ليواصل نهجه القومي الهادف الى إقامة وحدة عربية تتخطى القطريات الضيقة.

رحم الله جمال عبد الناصر وغفر الله لهؤلاء المفترين عليه.

«العروبة» تتحسّر اليوم على المرحلة الناصرية. أُجهضت «العروبة» في ايامنا هذه تنوشها السهام من كل جانب.