الدكتور عامر العورتاني

أخصائي علم الاجتماع

Dr.Amer.Awartani@Gmail.Com

جريدة وفنجان قهوة قرب النافذة، وصوت قطرات المطر تطرق الزجاج في محاولة مشاكسة لجلب الانتباه، والمدفأة تحرس المكان، وأسرار الشعور تتراقص على ذكريات أنغام الجميلة ماجدة الرومي، وهي تبث مشاعرها الدافئة في إحدى ليالي الشتاء، وبالرغم من شغب الازدحام في الطرقات، واجتياح البرد وعصف الرياح، إلّا أنّ مجرد تخيّل دفء المكان عند العودة إلى البيت كان كفيلاً ببعث الرومانسية في تفاصيل ذلك الفصل القاسي، وهو في 2020 يأتي والمشهد أقرب إلى الفوضى العارمة التي اجتاحت العالم مع انتشار واسع للكوفيد – 19، ما جعل الشعور العام يذهب في اتجاه الخوف إلى حدّ الرعب من احتمالات تطوّر الفيروس على نحو أكثر فتكاً، لا سيّما وأنّ أعداد الإصابات في ازدياد، واحصائيات حالات الوفاة في ارتفاع هي الأخرى، إضافة إلى لجوء الكثير من الدول إلى الخيار الأكثر مرارة بالعودة إلى الإغلاق الجزئي مرة أخرى.

والأردن اليوم يشهد تزايداً كبيراً في أعداد الإصابات، الأمر الذي استدعى الاستمرار في نهج التعلم عن بعد، إضافة إلى قرارات الحظر الجزئي. وعلى الرغم من كلّ ما يُتخذ من قرارات وتدابير الغاية منها حصار المرض والحدّ من انتشاره، إلّأ أنّ ما تمّ رصده من عدم التزام بمعايير الوقاية الشخصية، وتهافت على المخابز والمجمعات التجارية خلال الأيام السابقة لحظر الجمعة والسبت من كل أسبوع، إضافة إلى مخالفة قرار الحظر عشية الانتخابات النيابية في بعض المحافظات ، وخروج أعداد كبيرة من المواطنين لغايات الاحتفال بفوز مرشحيهم ، يمكن وضعه في حقيقة الأمر في أكثر من خانة لغايات تفسير تلك السلوكيات التي طفت على السطح، و لم تتفق وتدابير الوقاية من خطر انتقال العدوى. فعلى ما يبدو أنّه وبالرغم من تجاوز مرحلة التكذيب أو التشكيك بوجود الفيروس، والترويج لنظرية تتحدث عن مؤامرة كونية، فلا يكاد شخص إلا ويعرف آخراً قد أصيب بفيروس الكورونا، أو يعرف آخراً توفي بسبب مضاعفاته الخطيرة، إلأّ أنّ هناك إصراراً غريباً لدى البعض على عدم الالتزام بإجراءات السلامة كارتداء الكمامة، والحفاظ على مسافات التباعد المكاني، والتقيّد بالحظر المنزلي كما يجب.

ولا شكّ أنّ غياب قيم الضبط الداخلي تعتبر عاملاً هامّاً في تفسير مثل تلك السلوكيات، إضافة إلى الضعف الشديد في الشعور بالإحساس بالمسؤولية الأخلاقية والاجتماعية تجاه أفراد المجتمع جميعاً،، إلّا أنّ هناك عاملاً شديد الأهمية في تفسير استمرار مختلف السلوكيات المضادة لإجراءات الوقاية، إذ يمكن لمن يراقب الصورة العامّة أن يلحظ توجهاً قوياً نحو اللامبالاة أو عدم الاكتراث، فالفيروس موجود، وخطورته أمر لا يقبل التشكيك، لكنّ شعوراً من عدم المبالاة أصبح يسيطر على سلوكيات الكثير من الأفراد ليس فيما يتعلق بشأن الوباء فحسب، بل اتجاه الكثير من الأمور المصيرية والمتعلقة بأمن الآخرين، وسلامة المجتمع، وجودة الأداء في نطاق لا يمكن تحديده إلّا من خلال الدراسات العميقة، واللامبالاة شعور يتعدى مرحلة تجربة مشاعر معينة اتجاه أمر ما، والدخول في نطاق التجربة الفعلية لذلك الأمر؛ بهدف استخلاص تقييم لشعور اللامبالاة من وجهة نظر الشخص نفسه، في محاولة لتوجيه سلوكه وفقاً لتجربته الخاصة، فهو شعور يكاد يقترب أكثر من فقدان القدرة على الاستجابة نحو الأشخاص والأحداث بشكل طبيعي، وكأنّ الفرد يحاول أن ينفصل عن الواقع غير المرغوب فيه، ما يعكس ردود فعل غالباً ما تتسم بالبرود، وانعدام الرغبة في القيام بما يجب فعله، في حالة سلبية يفتقد خلالها الفرد إلى الدافع والهدف، فينتهي غير قادر على الاهتمام إطلاقاً، وغير راغب في المواجهة مع أي من تحديات الحياة وعقباتها.

وشعور اللامبالاة يعتبر شعوراً متراوحاً، فربّ امرئ لم يتعرّف إلى هذا اللاشعور في وقت ما، وفي الوقت الذي تربط فيه بعض الدراسات بين اللامبالاة والكثير من العوامل البيولوجية المتعلقة بنمط الحياة اليومية كسوء التغذية، وقلة النوم، أو خلل عضوي في عمل الغدة الدرقية، فإنّ العامل السيكولوجي كذلك يلعب دوره في تمكّن هذا الشعور من الفرد في بعض حالات الاكتئاب ؛ الذي يعتبر كذلك واحداً من أهم الآثار المترتبة على الشعور باللامبالاة ، ويبقى العنصر المشترك بين تلك العوامل متعلقاً بالخسارة أو الفشل في تحقيق غاية ما، وافتقاد الفرد لأسباب السعادة، والرغبة في تحدي الحياة وأمواج ضغوطاتها العالية، وفي حقيقة الأمر فإنه لا يمكن إغفال ما تركته الجائحة من آثار شديدة العمق على الصعيد الاقتصادي والنفسي والاجتماعي، فقد تسللت تبعات المرض ومتطلبات الوقاية منه إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية، مغيرة شكل الحياة ومجرياتها، الأمر الذي خلّف كثيراً من الظروف الضاغطة، وتلاعب بأحلام ومخططات الكثير من أفراد المجتمع، وفي مثل هذه الحالات فإنّ القلة يتمكنون من الاستجابة بشكل إيجابي، ويجتهدون في التكيّف، ويسعون لتغيير الواقع إلى ما هو أفضل، عبر اغتنام الفرصة والكشف عن مواطن المنح في ثنايا المحن، في حين يستسلم البعض للشائعات، ويقع فريسة للأفكار السلبية، فتضعف قدرته على المواجهة، وتتناقص ثقته بنفسه ، وتزداد مخاوفه من الإقدام على رد فعل مناسب، وهكذا يقضي أيامه خائفاً من المحاولة، خوفاً من مواجهة الفشل مرة أخرى، فتضعف دفاعاته النفسية والجسدية إلى حدّ فقدان الشعور بالاكتراث أو التعاطف اتجاه الآخرين، وهو يفقد تدريجياً الشعور بالتعاطف العام على المستوى الإنساني، فيميل إلى الحلّ الأكثر سهولة فيقف متفرجاً أو ساخراً، وسط أجواء يسودها اليأس و الملل، والضجر من كل ما من شأنه أن يثير اهتمامه، أو يتطلب جهداً بدنياً منه.

لذا فإنّ ذلك اللاشعور والمسمى باللامبالاة يمكن أن يكون أكثر فتكاً من الأوبئة ذاتها إذا ما تحوّل إلى حالة عامّة، في حالة أقرب إلى الشعور الجمعي، فهو قادر على إنتاج جيل لا تعنيه القيم، ولا يكترث لقضايا الوطن والعالم، يعيش منعزلاً داخل فقاعة صابونية، ولا يُبصر أبعد من أنفه، ولا يمكن القول أنّ ما بدر من سلوكيات اللامبالاة من كثير من الأفراد خلال عام الجائحة يعتبر وليد بضع الشهور الماضية، وإنما هو نتاج للكثير من الوقت الذي تهاوت فيه الغايات، وتلاشت فيه الأهداف، وتضاءلت فيه القيم، حتى لم يعد الفرد يبالي بالآخر أو نفسه، الأمر الذي يستدعي العمل على تغيير الطريقة التي يفكر بها الأفراد جذرياً، من خلال السعي إلى إعادة الثقة لدى الشباب على وجه الخصوص بأهميتهم الذاتية، وحمايتهم من كلّ مصادر التشويش والتصورات الخاطئة عن الحياة والمستقبل، كما ينبغي الوقوف مطوّلاً عند محطات الفشل عبر الماضي، وإعادة تقييمها بشكل واقعي، دون جلد للذات وتأنيب للنفس، مع النظر بشكل أكثر إشراقاً نحو إمكانية تجاوز الخطأ، واتخاذه خطوة نحو النجاح.

ومع تساقط آخر أوراق الشجر، والبدايات الأولى لزخات المطر، فإنه من المؤسف أن يكون هذا الشتاء بعيداً كل البعد عن المأمول لصورته المختزنة في الحنين، فالمخاوف كانت صريحة في أنّ تفشي الفيروس سيشهد ذروته خلال الشتاء، ونحن ولا شك مقبلون على مواجهة الأصعب، وإنّ أكثر ما يزيد من تلك المخاوف يتعلق بطبيعة سلوك الأفراد خلال فصل البرد والمطر، والميل نحو التجمع في أماكن محصورة ضمن مسافات شديدة التقارب، ما يعني أنّ الحاجة إلى مراعاة السلامة الشخصية، والالتزام بارتداء قناع الوجه، والحفاظ على مسافات تباعد اجتماعي ومكاني آمنة، أصبحت أكثر إلحاحاً من ذي قبل، وإنّ الاستمرار في السباحة عكس التيار الذي يسعى إلى الخروج من الأزمة الصحية التي باغتت العالم في ظلّ أزمة اقتصادية عميقة ؛ لن ينتهي إلّا إلى مجتمع منهك صحياً ونفسياً واقتصادياً، وعليه فإننا اليوم أحوج ما نكون إلى تكاتف الجهود الرسمية والفردية، ومضاعفة حجم الالتزام بقواعد السلامة والوقاية، ففصل الشتاء القادم سيبقى في الذاكرة، وإنّ في قدرتنا أن نجعل منه ذكرى جميلة نطرق بابها حتى الشتاء التالي ؛ إذا ما تمكنّا بالجهد العام من هزيمة المرض، وتقليص أعداد الإصابات، والخروج من التجربة بدرس بطولي على مستوى الإنسانية.