بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد خبير المناهج وطرق التدريس

بعدما كانت معرفة الإنسان بالعقل البشري محدودة بعض الشيء، وفي ضوء الكثير من الأبحاث، جاء بعض العلماء بفكرة أن الإنسان ربما يستخدم فقط ما نسبته 1% كحد أعلى من إمكانات عقله البشري. وهذه المعلومات حفزت العديد من الباحثين في مجالات متعددة لمحاولة اكتشاف العقل البشري أكثر وأكثر. فظهرت بالتالي بعض النظريات في هذا المجال، التي غيرت من المفاهيم التقليدية للعقل والذكاء والقدرات البشرية، ومن ثم انعكس ذلك على الميدان التربوي التعليمي. وفي هذا الصدد اقترح جاردنر (Gardner) رؤيةً جديدةً للتعليم في المدارس تعتمد على اختلاف القدرات العقلية من فردٍ لآخر، والنظر إلى الطالب كعنصرٍ أساسيٍ ومحوريٍ في العملية التربوية. ويؤسس ذلك لما يسمى بالمدرسة الشمولية للعقل، مما يشير إلى أهمية الاعتراف باختلاف نقاط الضعف ونقاط القوة من فردٍ لآخر، والاختلاف أيضاً في أساليب اكتساب المعرفة بينهم.

وحسب وجهة نظر جاردنر، فإن الذكاء عبارة عن مجموعةٍ من المهارات التي تمكن الشخص من إبداع نتاجات ذات قيمة في مجالٍ أو أكثر من المجالات الثقافية، وتمكنه أيضاً من حل المشكلات في هذا المجال أو ذاك مع القدرة على إضافة معرفةٍ جديدة. فالذكاء، بهذا المعنى، ليس عبارة عن بُعدٍ واحدٍ بل هو عدة أبعاد. وبالاعتماد على هذه الأسس، جاء جاردنر بمصطلح الذكاءات المتعددة (Multiple Intelligences) لوصف مقدرات المعارف المتعددة لدى الفرد. وقد اقترح في بحثه، بأن الإنسان يملك على الأقل سبعة مجالات من الذكاء هي: الذكاء اللغوي/اللفظي، والذكاء المنطقي/الرياضي، والذكاء المكاني/البصري، والذكاء الشخصي، والذكاء الاجتماعي، والذكاء الحركي والذكاء الموسيقي)، ويعتقد جاردنر باحتمال وجود الكثير من المجالات الأخرى التي لم تُختبَر بعد.

وبما أن هذه النظرية تقترح أن الأفراد يمتلكون أنماطاً فريدة ومتعددة من مواطن القوة ونقاط الضعف في الذكاءات المختلفة؛ فإنه يصبح من الضروري إعداد وتطوير أدواتٍ وأساليب خاصةٍ لكل شخصٍ تتناسب مع نواحي القوة التي لديه، وذلك انطلاقاً من افتراضين أساسيين بُنيت عليهما النظرية وهما: أن البشر يختلفون في القدرات والاهتمامات، وبالتالي فهم لا يتعلمون بالطريقة ذاتها، وأنه ليس باستطاعة أي فرد أن يتعلم كل شيء يمكن تعلمه. ومن بين أهم المبادئ التي قامت عليها نظرية الذكاءات المتعددة، أن الذكاء ليس نوعاً واحداً بل أنواع عديدة ومختلفة، وأن كل شخص متميز وفريد من نوعه، يتمتع بخليطٍ من أنواع الذكاء الديناميكية، وأن أنواع الذكاء تختلف في النمو والتطور سواءٌ على الصعيد الداخلي للشخص أو على صعيد العلاقة الاجتماعية، وأن كل أنواع الذكاء حيوية وديناميكية، وأنه يمكن تحديد أنواع الذكاء وتمييزها ووصفها وتعريفها، وأن كل فردٍ يستحق الفرصة للتعرّف إلى ذكائه وتطويره وتنميته، وأنه يمكن تطبيق النظرية التطورية النمائية على نظرية الذكاءات المتعددة، وأن الذكاءات المتعددة قد تتغير بتغير المعلومات عن النظرية نفسها، وأن استخدام ذكاء بعينه يسهم في تحسين ذكاء آخر ويعمل على تطويره، وأن جميع أنواع الذكاء توفر للفرد مصادر بديلة وقدرات كامنة تجعله أكثر إنسانية، بصرف النظر عن العمر أو الظرف، وأن مقدار الثقافة الشخصية وتعددها تعتبر من الأمور الجوهرية والمهمة للمعرفة بصورةٍ عامة، ولكل أنواع الذكاء بصورة خاصة.

أما عن الأهمية التربوية لنظرية الذكاءات المتعددة، فمن المعروف أن نظرية الذكاءات المتعددة تقدم في الواقع فضاء جديداً وحيّاً لعملية التعليم والتعلم، فهي فضاء تتمحور فيه العملية التعليمية التعلمية حول الطالب، بحيث يعمل، وينتج، ويتواصل بشكلٍ يحقق فيه ذاته، ويشبع رغباته. ومن ثم كان لها الصدى الكبير في الأوساط التربوية والتعليمية، لما حققته من تفعيل العملية التعليمية التعلمية، ووضعها في مسارها الصحيح. ومن بين أهم الجوانب التطويرية لهذه النظرية في ميدان الممارسة التعليمية التعلمية، أنها تساعد المعلم على توسيع دائرة استراتيجياته التدريسية، ليصل لأكبر عددٍ من الطلبة على اختلاف ذكائهم، كما أن هؤلاء الطلبة يدركون أنهم قادرون على التعبير بأكثر من طريقة واحدة عن أي محتوىً معين، وأن هذه النظرية تقدم نموذجاً للتعلم ليس له قواعد محددة، فيما عدا المتطلبات التي تفرضها المكونات المعرفية لكل ذكاء. فنظرية الذكاءات المتعددة تقترح حلولاً يمكن للمعلمين أن يصمموا في ضوئها مناهج جديدة، كما تمدنا بإطارٍ يمكن للمعلمين من خلاله أن يتناولوا أي محتوىً تعليمي ويقدموه بعدة طرق مختلفة. كذلك فإنها تسمح للمعلمين بتوسيع أساليب التقييم، مما يؤدي إلى إعطاء الطلاب المزيد من الخيارات لإظهار ما تعلموه وما فهموه. وهذا الأمر يوفر للمعلم وسائل أكثر شمولية للتأكد مما قد تعلمه الطلبة من مفاهيم ومعارف علمية مختلفة. كما أن نظرية الذكاءات المتعددة تجعل التعلم شخصياً، وهذا يؤدي بالطلبة إلى مزيدٍ من الانخراط في التعلم والاستمتاع به. فإذا شعر الطلبة بالارتياح لما يقومون بتعلمه، فهناك احتمال أكبر لتحقيق الأهداف المعرفية المنشودة. كما تعمل هذه النظرية على إمكانية التعرف إلى القدرات العقلية لدى الطلبة بشكلٍ أوسع، فالرسم والموسيقى والتلحين والتقاط الصور وغيرها، كلها أنشطة حيوية تسمح بظهور نماذج وأنماطٍ تربويةٍ وتعليميةٍ جديدةٍ مثلها في ذلك مثل الرياضيات واللغات.

إن هذه المزايا لنظرية الذكاءات المتعددة، جعلتها تؤدي إلى حدوث ثورةٍ في مجال الممارسات التربوية والتعليمية في الكثير من دول العالم، عقب سنوات قليلة من ظهورها، لما أحدثته من تجديدٍ وتغيير حقيقي، ساعد على استثمار إمكانات المتعلمين وتنميتها، وتفعيل العمل التربوي وجعله يواكب التطور العلمي الذي حققته السيكولوجيا المعرفية، التي تتحرك في إطارها العلمي. وقد أفسحت هذه النظرية للمتعلم المجال لاستكشاف مواقف الحياة المعيشية والنظر إليها وفهمها من زوايا متعددة. فالشخص يمكنه إعادة النظر في مواقف حياتية مختلفة عن طريق معايشتها بقدراتٍ مختلفة، وبذلك يمكننا اعتبار الكفايات العقلية للإنسان جملة من القدرات والمهارات العقلية التي يطلق عليها الذكاءات. ومما سبق يظهر جلياً الدور الكبير لنظرية الذكاءات المتعددة في الجانب التربوي، حيث أنها ركزت على أمور أغفلتها النظريات الأخرى، فقد تم إغفال الكثير من المواهب ودفنها بسبب الاعتماد على التقييم الفردي، وعلى اختبارات الذكاء، بعكس هذه النظرية التي ساعدت في الكشف عن القدرات والفروقات الفردية، كما تساعد على توجيه كل فرد للوظيفة التي تناسبه وتلائم قدراته، مما يساعد المتعلم على تحقيق ذاته والارتقاء بها، وهذا من شأنه زيادة ثقته بنفسه وزيادة دافعيته نحو الإنجاز والعمل من أجل تحقيق أهدافه المنشودة.

profjawdat@yahoo.com