ما زالت الحضارة الإنسانية المعاصرة على المستوى العام العالمي تفتقر إلى القيم الإنسانية بالرغم من تطورها في مختلف المظاهر المادية والعمرانية والصناعية والمعرفية.

وعلى المستوى الخاص المتمثل بالمجتمعات المسلمة، التي من المفترض أن تكون هي أكثر المجتمعات والحضارات الإنسانية التي تتحلى بالقيم الحضارية الإسلامية، بصفتها مجتمعات تنتسب إلى الإسلام، فإن الواقع والتطبيق العملي لا يعكس ما تدين به هذه المجتمعات من قيم إسلامية حضارية مثلى.

فالقيم العليا هي التي تقرها الفطرة السليمة لكل إنسان سوي عاقل بأنها نافعة وخيرة وعادلة، من القول والعمل والتصرف، والتي يبني على أساسها الإنسان علاقته بأخيه، في جميع النشاطات التي يقوم بها سواءً كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو فكرية، لأنه لا بد من وجود معايير يحتكم إليها الناس في تعاملهم وعلاقاتهم ببعضهم، ليعيشوا في سلام ووئام، وحب وتعاون وتعاطف وتراحم وحق وعدل وخير، فيسودهم الأمن والاطمئنان والرضا وبذلك يستطيعون العمل بكفاية لخير أنفسهم ومجتمعاتهم ( أحمد الأسمر، فلسفة التربية في الإسلام).

ويظهر بشكل واضح وجلي عدم التمسك بقيم الإسلام إلا ما ندر، وذلك من خلال الممارسات التي يشهدها كل متمعن ومراقب ومختص في فحص مدى توفر قيم الإسلام في حياة المسلمين بوجه خاص وحياة الناس بشكل عام.

ولأن الفساد ضد القيم فقد كشف مؤشر الفساد العالمي لعام 2019م، الذي تنشره منظمة الشفافية الدولية: أن غالبية دول العالم لا تزال تفشل في معالجة آفة الفساد بفعالية، على الرغم من التقدم الطفيف الذي حققته بعض الدول، وشمل التقرير 180 دولة، ويقاس مستوى الفساد فيها على أساس مؤشر من 100 درجة، حيث تعتبر الدولة الحاصلة على درجة صفر فاسدة جداً، والحاصلة على مائة خالية من الفساد كلياً، ولم تحقق أي دولة في العالم (100) درجة، للدلالة على خلوها من الفساد، وإنما أعلى درجة فحص لمؤشر الفساد حققته نيوزيلندا والدنمارك ( 87) درجة، مما يؤكد تفشي الفساد والابتعاد عن القيم حتى في الدول الأكثر تحضراً وبنسب متفاوتة.

فواقع القيم في حياة الناس متدني، ففي مجال الإعلام نلحظ بعضاً من وسائله تنشر الأكاذيب والتضليل والرذيلة والإشاعة والتحريض على الكراهية والتعصب والعداء والعنف والانحلال والإعلام التجاري المأجور.

وفي البيع والشراء والتجارة انتشر الغش والخداع والتزوير والنصب والاحتيال، وفي الإدارة تفشي الظلم والرشوة والواسطة والمحسوبية والاختلاس، وفي العلاقات الأسرية والاجتماعية قطيعة الأرحام والخصومات والعصبيات والأنانية والكذب وشهادة الزور والسرقة وغيرها من السلوكيات البعيدةعن القيم المنشودة.

وإن البعد عن القيم يؤثر سلباً في حياة المجتمع ويولد الشقاء والضنك وعدم الاطمئنان والخوف ويهدد الأمن المجتمعي والاستقرار وانعدام الثقة بين أبناء المجتمع، ويعزز الكراهية والحقد والتذمر واليأس والضعف في النفوس.

وإن القيم تعمل على تحقيق التكامل والاتزان في سلوك الإنسان وتربيته، والتوازن بين مصالحه الشخصية، ومصلحة المجتمع، وتقديم المصالح العامة على المصلحة الخاصة، والقيم تحول المجتمع من مجتمع له حدود جغرافية إلى مجتمع يمثل البشر جميعاً (سيد طهطاوي، القيم التربوية في القصص القرآني).

فتحقق القيم الإسلامية في حياة المجتمعات الإنسانيية تؤثر تأثيراً كبيراً في تعديل السلوكيات غير المرغوبة إلى سلوكيات مرغوبة وتساعد في حل المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلاقات الدولية والحروب والاقتتال الذي يشهده العالم.

فالحاجة شديدة إلى تنمية وتعزيز القيم في نفوس الناس أولاً لتحمل المسؤولية الفردية تجاه القيم؛ لتحقيق التغير والتحسين الإيجابي في واقع مجتمعاتنا العربية والاسلامية أولاً امتدادا للبشرية جمعاء، قال الله سبحانه وتعالى: (إنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) سورة الرعد: 11.

Dr.fadikareem@yahoo.com