بالرغم مما تعانيه المجتمعات الإسلامية في عصرنا الحاضر من تصنيفها العالمي بمرتبة دول العالم الثالث (الدول النامية)، فقد احتلت الحضارة الإسلامية مكانة رفيعة بين الحضارات التي عاصرتها في العصور المتقدمة من تاريخها وتفوقت عليها، باعتبار ما قدمته للإنسانية من ريادة في مختلف العلوم والفنون.

فقد قدر المؤرخ التركي مصطفى نجاتي أوزفاتوره الثروة من المخطوطات الإسلامية بحوالي 250 ألف مجلد تشمل حوالي 160 ألف مجلد مكتوبا باللغة العربية وزهاء 70 ألف مجلد باللغة التركية وما يناهز 13.000 مجلد باللغة الفارسية، يوجد في مدينة إسطنبول حوالي 146 ألف مجلد من مجموع هذه المخطوطات.

وتشمل هذه المخطوطات معظم أنواع العلوم النقلية والعقلية المخطوطة والمطبوعة، وقد تم تصنيفها ابتداء بمخطوطات القرآن الكريم وعلومه، ثم الكتب السماوية الأُخرى، ثم الحديث الشريف وعلومه ثم الفقه وأصوله وما يلحق به من القواعد وعلم الكلام والجدل والخلاف، وكتب الفتاوى والفرائض والتصوف والأدعية والخواص، والسياسة والأخلاق، وكتب الأدب والعروض والنحو، والتاريخ الطبيعي والبشري، والجغرافيا والفلسفة، والطبّ البشري، والبيطرة الخاصة بطبّ الحيوانات، وكتب الرماية والفروسية، والفيزياء والكيمياء، والرياضيات والفلك، وغير ذلك(نفائس المخطوطات العربية الإسلامية حطت الرحال في المكتبات التركية، صحيفة العرب، العدد 10151، الاثنين 11/1/2016م، ص12).

ونقل الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله في كتابه (من روائع حضارتنا) العديد من الشهادات التي تشيد بريادة ورفعة الحضارة الإسلامية، ومن هذه الإشادات:

يقول العلاَّمة المستشرق "سيديو": "كان العَرب وحدَهم حاملين لواءَ الحضارة الوسطى، فدحروا بربرية أوربا التي زلزلتها غاراتُ قبائل الشمال، وسار العَرب إلى منابع فلسفة اليونان الخالدة، فلم يقفوا عند حدِّ ما اكتسبوه من كُنُوز المعرفة، بل وسعوه وفتحوا أبوابًا جديدة لدرس الطبيعة". ويقول أيضًا: "والعَرب حين زاولوا علم الهيئة عُنُوا عناية خاصَّة بالعلوم الرياضية كلِّها؛ فكان لهم فيها القدح المعلَّى، فكانوا أساتذة لنا في هذا المضمار بالحقيقة".

ومنها قول جوستاف لوبون: ظلت ترجمات كتب العرب ولاسيما الكتب العلمية المصدر الوحيد تقريبًا للتدريس في جامعات أوروبا خمسة قرون أو ستة قرون.

وقال مسيو رينان: ” إن ألبرت الكبير مدين لابن سينا” وسان توما مدين في فلسفته لابن رشد.

ويقول (هومبلد) في كتابه عن الكون: والعرب هم الذين أوجدوا الصيدلية الكيماوية، ومن العرب أتت الوصايا المحكمة الأولى التي انتحلتها مدرسة ساليرم فانتشرت في جنوب أوروبا بعد زمن، وأدت الصيدلة ومادة الطب اللتان يقوم عليهما فن الشفاء إلى دراسة علم النبات والكيمياء في وقت واحد ومن طريقتين مختلفين، وبالعرب فتح عهد جديد لذلك العلم، وأوجبت خبرة العرب بالعالم النباتي إضافتهم إلى أعشاب ذليفوريدس ألفي نبات، واشتمال صيدليتهم على عدة أعشاب كان يجهلها الإغريق جهلا تامًا.

وفي ميدان التشريع والقانون كان كتاب الخليل المالكي نواة القانون الفرنسي المدني حيث جاء متشابهاً إلى حد كبير مع أحكام الفقه المالكي.

وهذا يسير من كثير من المؤشرات على أصالة وعراقة ورفعة الحضارة الإسلامية التي كانت سائدة في عصور نهضة الأمة الإسلامية وقوتها، الذي تراجعت عنه الأجيال المتعاقبة شيئا فشيئاً إلى ما وصلت إليه اليوم من أدنى مرتبة بين شعوب العالم المعاصر في مختلف الميادين حتى ميدان القيم والأخلاق، فحري بهذا الإرث أن يعود وحري بهذه الأمة أن تصحو من سباتها وتقوم بدورها الريادي ومهمتها الكبرى المتمثلة بالخيرية التي أخرجت للناس تتمثل القيم وتدعو إليها وتنشرها في الناس، قال الله تبارك وتعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه) سورة ال عمران: 110.

Dr.fadikareem@yahoo.com