أكثر ما نحتاجه في الأردن هو مجلس نواب فعال؛ ينتج، أولاً، تشريعات متماسكة تنفع الصالح العام، ويراقب، ثانياً، أداء الحكومات ويحاسبها على أي تقصير أو خلل.

هاتان القاعدتان؛ التشريع والرقابة، هما الأساس الدستوري الذي يحكم دور مجلس النواب، وزاد الدستور عليهما أن منح النائب حصانة ليقوم بدوره كاملاً غير منقوص.

بذلك، يصبح جلياً أن السلطة التشريعية، لديها قدرة وقوة دستورية لتقول كلمتها، تشريعياً ورقابياً وسياسياً، لكنّ الذي يحدث أنه، رغم توفر الأدوات الدستورية للنائب ومجلسه، إلا إنها لا تستثمر كما ينبغي.

والسبب، أو أبرز الأسباب، يعود إلى نوعية النائب الذي تم تصديره إلى واجهة العمل النيابي، إنْ لجهة ضعف قدراته وإمكاناته، أو قلة خبرته، وأحيانا انحيازه لمصالحه، وتغليبه الشخصي على العام.

إذن، لماذا ضعُفت مجالس النواب، وما السبب..؟

إن أحد أهم عوامل ضعف تلك المجالس، ليس فقط بنية القوانين ذات الصلة، بل غياب الناخب الفعّال والجديّ والمعنيّ بأداء برلماني متميز ومنتج، أداء يغير صورة نمطية طبعت مجالس النواب طويلاّ.

وهذا الغياب؛ غياب الناخب، الذي تُحدِث مشاركته الفرق، ليس له ما يبرره أو فيه ما يُقنع، هو فقط يغيب بسبب انطباعات راكمها عن البرلمان، وأقنع نفسه بها، وجعلها سبباً وذريعة لغيابه عن الاقتراع..

بذلك، ولذلك، أصبحت أغلبية ناخبة، كبيرة ووازنة ومؤثرة، تعزف عن الانخراط في صناعة برلمان تأمله وتريده، وهي ذاتها، بعد أن يتشكل المجلس، تبدأ بلومه على أدائه، وتطلق عليه أوصافاً قاسية.

هل يمكن أن نغير المعادلة..؟

نعم، ممكن جداً أن تتغير المعادلة، فقط بأن يُدفع إلى البرلمان نوابٌ على سوية أداء عالية وقدرات فذة، وهذا يتطلب أمراً واحداً، وهو أن يشارك الجميع في العملية الانتخابية، وأن يختاروا أفضل المرشحين وأقواهم.

هذه الأغلبية الصامتة الغائبة تقع على عاتقها مسؤولية وطنية في إنتاج مجلس نيابي استثنائي، والمسؤولية الوطنية، قبل المصلحة الذاتية، يجب أن تكون حافزاً محركاً يفعل ثقلاً تصويتياً معتبراً لاختيار المرشح الأفضل والأقدر.

تستدعي تلك المسؤولية، وتضاعف منها، ظروف استثنائية يمر بها الوطن، تحتاج فيها الدولة إلى مجلس نيابي بمواصفات استثنائية؛ قدرات كبيرة وخبرات متنوعة، يمكن بلوغها إذا شاركنا جميعاً في عملية الاقتراع.

وأن ننتبه، إلى أنه ببساطة، وبحسب الواقع، سيشارك في الاقتراع أنصار المترشحين لأسباب اجتماعية، وغالباً هذا البعد هو أولويتهم، أما شكل الفعل البرلماني ومضمونه، فيأتي أولوية متأخرة، لذلك، الضرورة الوطنية تقتضي تغيير هذا النمط تخفيفاً للانحيازات المصلحية الضيقة.

ولنعترف، أن غياب ناخبين مؤثرين يشغلهم الهم العام والمصالح الكلية العليا، يصب في صالح مجموعة ناخبة تريد استمرار النمط التصويتي السائد، وترى في بُعد الكتلة التصويتية الفعالة فرصة كافية للتحكم بمخرجات الانتخابات، وحسم أمرها وفقا لهواهم.

والحال؛ فمصلحتنا جميعاً، تغيير المعادلة وقلبَها لنأتي بمجلس نيابي قوي وقادر، تشريعياً ورقابياً، خصوصاً في مرحلة صعبة فارقة وتحدياتها كبيرة.. والخيار لنا.. ويمكن أن نفعلها..