تبرير استمرار غلق المدارس والجامعات يجب أن يبقى في إطاره الصحي، فعودة مئات آلاف الطلبة إلى مدارسهم مسألة تنطوي على مخاطر وبائية كبيرة، خاصة أن قطاع التعليم لا يقوم بالطلبة وحدهم، وبالقول إنهم فئة يمكنها مقاومة المرض حتى دون أعراض، فعشرات الآلاف من العاملين في مجال المدارس سيعودون معهم مرة أخرى، وضبط هذه العملية في التوقيت الحرج القائم مسألة صعبة ومرهقة.

ولكن، أن يستمر القول بنجاح عملية التعليم عن بعد، فهذه مقولة تتطلب الكثير والكثير من المراجعة، ويجب التوقف عندها ملياً، إذ أن هذه الطريقة تفترض جوهرياً، تكامل البنية التحتية الداعمة من تغطية انترنت فائقة الجودة، وامتلاك الطالب لكافة التجهيزات التقنية الخاصة به، وتوفر المساحة الكافية من المنزل، خاصة في المنازل التي تضم ثلاثة أو أربعة طلبة، وعلاوة على ذلك، وجود الأم أو عاملة المنزل التي يمكن أن تتابع انتظام الصفوف الافتراضية، ولنضع جانباً حاجة كثير من الطلبة لدعم مباشر من معلم المادة، وكم يفتقد التعليم عن بعد للتفاعل الضروري بين الطالب والمعلم.

القول بنجاح التعليم عن بعد لا يجعله ناجحاً، والإصرار على نجاح التجربة في خطاب وزارة التربية والتعليم يمثل تجاهلاً غير مقبول لجملة من الحقائق، ويكاد يذهب بالجميع إلى التورط مع جيل لا يمكنه أن يتابع مسيرته الدراسية كالأجيال السابقة واللاحقة، فمن سيتحمل وجود مئات الآلاف بفجوات معرفية مؤثرة، ومن سيدفع تكلفة تعثرهم اللاحق في الأداء التعليمي؟

لنكن واقعيين، يحتاج هذا الجيل إلى برنامج منهجي لإنقاذه تعليمياً، ولتدارك الفجوات التي تحدث، وربما لإعادة هندسة جرعة المناهج المخصصة لكل سنة دراسية بعد عودة الطلبة إلى مدارسهم وصفوفهم، وهو الأمر الذي سيتطلب الحصول على مزيد من الوقت في صفوف الدراسة وقد يدفع للتفكير في التعليم المسائي، أو تقليص العطلة السنوية، وهو ما يتطلب دمج الأنشطة اللامنهجية في عملية التعلم لإثارة حماس الطلبة للبقاء في المدارس.

هذا الجيل أمانة في أعناقنا، ولا يجب أن نبقى سلبيين تجاه مصالحه على المدى البعيد، فالتعليم عن بعد تجربة جاءت دون كثير من التحضير، وأزاحت التعليم الوجاهي لمراحل عمرية لا يناسبها هذا الأسلوب، وأدت إلى تباين في المنتج التعليمي بين المدارس الخاصة حيث تزيد فرص التفاعل حتى مع الوضع القائم، والمدارس الحكومية التي تحول المنصات المخصصة دون التفاعل المطلوب.

التعليم عن بعد وجد ليبقى، ولكن يتوجب قبل الدعوة لتبنيه في عملية التعليم الاعتراف بالأخطاء وحصرها ومعالجتها وتحديد الموقع المناسب له، ووضع ترتيباته وطرائق إدارته هي مسألة ستستغرق سنوات، أما اعتباره ناجحاً واستكمال مسيرة الأجيال الحالية على هذا الأساس فأمر يناقض ما نراه ونتلمسه يومياً.