د. يوسف عبدالله الجوارنة

(أكاديمي أردني/ جامعة طيبة)


مِن عُتوِّ الإنسان، الخروجُ بالنّعمِ عن سَننِها المألوفةِ التي ارتضاها اللهُ له في الأرض؛ فيحصلُ لذلك منه بغيٌ وإفساد، وإفراطٌ في حبِّ الدّنيا وزينتِها ومَلذّاتِها، فضربَ الله للناسِ مثلًا في قوله تعالى: (إنّما مثلُ الحياةِ الدّنيا كماءٍ أنزلناهُ مِن السّماء فاختلطَ به نباتُ الأرضِ مِمّا يأكلُ النّاسُ والأنعامُ، حتّى إذا أخذتِ الأرضُ زُخرفَها وازّيّنت، وظنَّ أهلُها أنّهم قادرونَ عليها، أتاها أمرُنا ليلًا أو نهارًا، فجعلناها حصيدًا كأنْ لم تَغْنَ بالأمس، كذلك نُفصّل الآياتِ لقومٍ يتفكّرون) (يونس: 24)؛ فإنَّه في الوقتِ الذي يَتَهيّأُ الإنسانُ فيه لحصادِ منتوحاتِ الأرضِ والانتفاعِ بها، يأتيها طائفٌ من السّماءِ فيهلكُها كأنْ لم تكن، قال البيضاويّ (691هـ): "حتّى طَمعَ فيه أهلُه وظَنُّوا أنَّه قد سَلمَ مِن الجَوائح"، وقال الشّهاب (1069هـ) في حاشيته على البيضاويّ "عناية القاضي وكفاية الراضي": "الجوائحُ جمع جائحة، وهي الآفة. وفي نُسْخة: الطَّوائح، وهي جمعُ مُطيحة على خلاف القياس؛ من الإطاحة بمعنى: الإذهاب والإهلاك".

والسُّؤال الذي يطرحُ نفسه: أأخْطَأَ النّاسخُ في استبدالِ الطَّوائحِ بالجوائح، وليس شرطًا أنْ أجدها في حاشية شيخ زادة (ت951هـ) على البيضاويّ- أم جاءت الجَوائحُ والطَّوائحُ بمعنًى؟

كنتُ وقفتُ في مقالةٍ سابقةٍ على المعاني التي يَخرج إليها لفظُ "الجائحة"، التي تأتي في لسانِ العربِ على ثلاثِ لغاتٍ: من بابي (قال) و(باع)، ومزيدةٍ بالألف (أطاح). ومِن مَعانيها "الآفة" التي تُصيبُ الثّمر، من: حَرٍّ مُفرِط، أو صِرٍّ (بَرْد شديد مُحْرق)، أو بَرَدٍ يَعْظم حَجْمُه، فينقص الثَّمَر. ومن المعاني التي تُلامسُ هذا المعنى، وكأنَّها فرعٌ عليه: الجَدْبُ والقَحطُ، والمُصيبةُ العظيمة، والإهلاك. وتَنْصرفُ دلالة "الجائحة" إلى "الآفة" إذا أُطلقت في معاجم اللغة، بل هي "جِماعُ الجَوائحِ" عند الإمام الشّافعيّ.

أمّا الطَّوائح، فجمعُ "طائحة" على القياس، قال الخفاجيُّ -في أحدِ قوليه- في حاشيته الآنفة: "الطَّوائحُ... جمعُ طائحةٍ على التجوّز". والفعل منها يأتي مجرَّدًا ومزيدًا، فالمجرَّدُ من بابين كالجائحة: الأوَّل: (قال يقول)، أي: طاحَ يَطوح طَوْحًا، إذا هَلكَ وسَقطَ، والثاني: (باع يبيع)، أي: طاحَ يَطيحُ طَيْحًا، إذا تاهَ وفَنِيَ وذَهَب، قالَه الجوهريُّ في "الصّحاح"، وابنُ سيده في "المُحْكم"، والزّمخشريّ في "الأساس"، وأكّده ابن منظور في "اللسان"، جاء فيه: "طاحَ يَطوحُ طَوْحًا، ويَطيحُ طَيْحًا: لغتان". واسم الفاعل: طائح وطائحة، وجَمعُ المؤنَّث في البابين: طائحات، ويُكسَّر على: طوائح.

أمّا المزيدُ، فيأتي مزيدًا بالهمزة -كالجائحة- وبالتَّضعيف. والمزيدُ بالهمزة على وزنِ (أَفْعلَ)، واشتقاقُه: أطاحَه يُطيحُه، وأطاحته تُطيحُه على التأنيث: أفناه وأذهبه، واسمُ الفاعل: مُطيح ومُطيحة، وجَمعُ التأنيث: مُطِيحات، ويُكسَّر على: مَطاوح، قال الزّمخشريّ في "الكشاف": "المَطاوحُ جمعُ مُطيحة"، ولكنَّه كُسّر على "طَوائح" على غير القياس، قال الخفاجيّ في القَوْل الثاني في الحاشية: "الطَّوائحُ جمعُ المُطيحة، بمعنى السِّنين، أو الجوائح الرامية له"، وقال الزّبيديّ في "تاج العروس": "الطَّوائحُ جمعُ مُطيحة على غير القياس؛ من الإطاحةِ، بمعنى الإذهابِ والإهلاك".

والمزيدُ بالتَّضعيف: "طَوَّح" و"طّيَّحَ" على وزن (فَعَّل)، وسبيلُه: يُطوِّحُ تَطْويحًا فهو مُطوِّح، ويُطيِّحُ تَطْييحًا فهو مُطيِّح، ويُجمعُ على "مُطوّحات/ مُطيِّحات"، ويُكسَّر على "طَوائح" على غير القياس، قال الجوهريّ في "الصّحاح": "وطَوَّحَته الطَّوائح: قَذَفتْه القَواذف، ولا يُقالُ: المُطوِّحات، وهو من النّوادر"، وأعاده الرّازيّ في "المُختار"، وابنُ منظور في "اللسان"، والمَجدُ في "القاموس"، وقال الزّبيديّ: "ومثلُه: أطاحته المَطاوح".

والخلاصة هنا: أنَّ الجمعَ من اللغتينِ الأوليينِ: طائحات، ويُكسَّر على "طوائح" على الأصل. ومن المزيد بالهمزة والتّضعيف: مُطِيْحات، ومُطوِّحات، ومُطيِّحات، وتُكسَّر ثلاثتها على "طَوائح" على غير الأصل، وعلى "مَطاوح" على الأصل. ولعلَّ القياس أنْ تكونَ بالهمزة "مَطائح"، لأنَّها مُنقلبة عن الواو أو الياء في "مُطوِّح" و"مُطيِّح"، وقد أشار إلى ذلك ابنُ جنّي في "التَّنبيه"، ونَصَّ عليه الصّغانيُّ في "التَّكملة" إذْ قال: "أطاحَ" من جهتين، أي: واويَّة، ويائيَّة، وسيأتي بعد قليلٍ اسم المَرَّة "طَيْحة"، من الأصل "الياء".

ووردَ في المعاجمِ استعمالُ "طَوَّح" مُضعَّفًا متعدّيًا بنفسه وبالباء، واستعمالُ "أطاح" بالهمزة بمعنى المُضعَّف، لذلك يَصحُّ تعديتُه بنفسه وبالباء أيضًا، والشّائع تعديةُ "أطاحَ" بالباء في لغة المعاصرين، كما في "معجم الصّواب اللغويّ" لمختار عمر. ولعلَّ الصّوابَ تَعدِّيهما بغير الباء، لأنَّ المجرَّد يتعدَّى بها.

والمستعملُ منها "الطَّوائح" بمعنى: "المُطِيْحات"، و"المَطاوح"، و"المُطوِّحات"، و"المُطيِّحات"، على وزان "الجوائح"؛ جمع "طائحة" على الأصل، و"مُطِيحة" على غير القياس، كقوله تعالى: (وأَرْسلنا الرّياحَ لَواقحَ فَأنزلنا من السَّماءِ ماءً فأسقيناكموه، وما أنتم له بخازنين) (الحجر: 22)، قال البيضاويّ: "لواقح: حوامل...، أو مُلْقحاتٌ للشَّجر، ونَظيرُه: الطَّوائح، بمعنى: المُطِيحات –وزاد الزَّمخشريُّ "المَطاوح"- في قوله: ومُخْتبِطٌ مِمَّا تُطيحُ الطَّوائح"، وقال الشّهاب في الحاشية: "والطَّوائحُ جَمعُ المُطيحة، بمعنى: السِّنين، أو الجَوائح الرَّامية له، أو جَمْع: طائحة، على التجوّز".

و"الطّوائح" المُشارُ إليها في قول البيضاويّ، وردت في قولِ الشّاعر نَهْشل بن حرّيّ (ت45هـ): (لِيَبْكِ يزيدَ ضارعٌ لخصومةٍ/ ومُخْتبِطٌ مِمَّا تُطيحُ الطَّوائح) مِن شواهدِ سيبويه، في روايةِ الأصمعيّ ببناءِ الفعلِ للمعلومِ ولا شاهدَ فيه حينئذ، كما أثبتها ابنُ سَلّام في "الشّعر والشّعراء"- والأصلُ أنْ يجيء على: مَطاوح أو مُطوّحات، لكن يمكنُ تأويلها: (ينظر مثلًا: خزانة البغدادي): إمَّا على حذفِ الزّائد في الأصلِ، وهو الميمُ في اسم الفاعل، كقولك: أعشبَ السّهلُ فهو عاشبٌ، وأورسَ المكانُ فهو وارِس، وأيفع الغلام فهو يافع، ولا يقال: مُعشِب، ومُورس، ومُوفِع؛ أي: أطاح يُطيحُ فهو طائح، وطائحة، بدلًا من: مُطيح ومُطيحة، والجمعُ طوائح بدلًا من مَطاوح. وإمّا على النَّسبِ، كقولك: ماءٌ دافق، أي: ذو دَفَق. والطَّوائحُ واحدتُها طائحة، أي: ذات طَيْح، والمعنى: ممَّا تُطيحُه الحادثاتُ ذواتُ الطَّوائح. ومثله "لواقح" في قوله تعالى؛ فالأصل أنْ يجيء على: مَلاقح ومُلْقحات، لأنَّ الرّياح تُلقح السَّحاب؛ قال ابن دريد في "الجمهرة": "فتركوا القياسَ في هذا البابِ فقالوا: رياحٌ لَواقحُ، ولم يقولوا مَلاقح"، وقال الأزهريُّ في "التَّصريح": "الطَّوائح: جمعُ مُطيحةٍ على غيرِ قياسٍ، كلواقحَ جمعُ مُلْقحة، والقياسُ: المَطاوح، والمَلاقح".

وكلُّ كتبِ النّحوِ وقفتْ عند روايةِ بناءِ الفعلِ للمجهول، ولو أُخذَ بروايةِ الأصمعيِّ بالبناءِ للمعلومِ، لَما دار حوله كلام، لأنَّ الروايةَ لا شاهدَ فيها، والشّاهدُ المَرويُّ على غيرِ وجهٍ، يؤخذُ بالروايةِ الموافقةِ للقاعدةِ وتُهمَلُ الأخرى.

وكان الشّاعر نَهْشلٌ رثى في قصيدةٍ له منها هذا البيت يزيدَ بنَ نَهْشلٍ، مَطلعُها: (لَعَمري لَئنْ أمسى يزيدُ بنُ نَهْشلٍ/ حَشَا جَدَثٍ تَسفي عليه الرَّوائحُ)، ومعنى الشّاهدِ أنَّ "يزيدَ" يبكيه من النّاسِ اثنان: ضارعٌ لخصومةٍ، أي: الفقيرُ االذَّليلُ لا يجدُ له نصيرًا، ومُختبطٌ، أي: المُحتاجُ يَطلبُ معروفًا بلا وساطةٍ من قرابةٍ أو مَعرفةٍ، وتَذهبُ بمثلِه المصائبُ والمهالكُ كلَّ مَذهبٍ.

و"الطَّيْحاتُ" جمعُ "طَيْحَة" -من طاحَ يَطيحُ كما سَلَف- مصدرٌ يدلُّ على المرَّة، ومعناها معنى "الطَّوائح"، قال ابنُ سيده في "المُحكم": "طَيَّحتهم طَيْحاتٌ: أهلكتهم خُطوبٌ، وَذَهَبت أَمْوَالهم طَيْحاتٍ: أَي مُتَفَرِّقَة بعيدَة". وفي "تهذيب اللغة" قالَ أبو سعيدٍ: أصابتِ النَّاسَ طَيْحَةٌ، أي أمورٌ فرَّقت بينهم، وكان ذلك في زمنِ الطَّيْحة"، أي: زمنِ الفتنةِ والحرب، ومثلها: "الطَّيْخَة"، قال في التّهذيبِ نقلًا عن أبي زيد: "طَيَّخَه العذابُ: ألَحَّ عليه فأهلكه".

وقد استُعملت "الطّوائحُ" في الأدبِ على هذا المعنى العام في الإذهاب والإهلاك، وأَكثرَ منها الأدباءُ، ولا بأس أنْ أمثّلَ عليها بِما له وثيقُ صلةٍ بمعنى "الجوائح"، وأنَّهما يَصْدرانِ من مِشْكاة واحدة؛ من ذلك قولُ عُتبةَ بنِ بُجيرٍ الحارثيّ (من أبياتِ "الحماسة"): (فقالوا غريبٌ طارقٌ طوَّحتْ به/ مُتونُ الفيافي والخُطوبُ الطَّوائحُ)، أي حَمَلته على المهالكِ، وبالمعنى نفسه قولُ كُثيّر عزَّة (ت105هـ): (أَمِنِّي صَرمْتِ الحَبلَ لَمَّا رأيتِني/ طريدَ خُطوبٍ طَوَّحتْه الطَّوائحُ). ومنه قولُ الشَّريفِ الرَّضي (ت406هـ) في مرثيَّة طويلةٍ لأبي إسحاقِ الصّابي (ت384هـ)، وكانت بينهما مَودَّة ومُكاتبات، عدّدَ فيها مكارمَه وفاءً منه له: (طاحتْ بتلكَ المَكْرماتِ طوائحٌ/ وعَدتْ على ذاك الجوادِ عَوادي)، أي: نَزلتْ به وأهلكته.

ومنه قولُ مِهيار الدَّيلميُّ (ت428هـ): (رَعى اللهُ قلبًا ما أبرَّ بِمن جفا/ وأثبتَ عهدًا والعُهودُ طوائحُ)، من قصيدة يمدحُ فيها صديقَه حاكمَ عُمان، ناصرَ الدّولة أبا القاسم بن مكرم، يعاتبُ فيها "ابنة الأعراب" التي لم تَحفظ العهدَ وقذفت به. وقول الشّريف المُرتضى (ت436هـ) في العتاب: (تَقطَّعَ وُدٌّ كان بيني وبينكمْ/ طاحتْ به في الأرضِ إحدى الطَّوائحِ)، أي: قذفته إحدى القذائف. وقولُ الحريريّ (ت516هـ) في أوّلِ المَقامة الصَّنعانيَّة، قال: "حدَّثَ الحارثُ بنُ هشام قال: لَمَّا اقتعدْتُ غاربَ الاغتراب، وأنْأتْني المَتْربةُ عن الأتراب، طَوَّحت بي طوائحُ الزَّمنِ إلى صنعاء اليمن"، أي: رمتْ بي خُطوبُه وقواذفه.

ومنه في "مَطْمح الأنفس" لابنِ خاقان (ت529هـ)، قولُه في ترجمةِ الوزيرِ أبي عَبدة اللغويِّ (ت320هـ): وكانَ لأبي عبدةَ أيامَ الفتنةِ حين أدْجَت الفتنةُ ليلَها، وأزْجَت إبلَها وخيلَها، اغترابٌ كاغترابِ الحارثِ بن مُضَاض...، ثم اشتُهرَ بعدُ، وافترَّ له السَّعد، وفي تلك المدَّةِ قال يتَشوّق إلى أهلِه": (ولي صِبيةٌ مثلَ الفِراخ بقَفْرة/ مَضى حاضناها فاطَّحتها الطَّوائح/ فمَن لصغارٍ بعدَ فَقْد أبيهمُ/ سوى سانحٍ في الدَّهرِ لو عَنَّ سانحُ)، أي قذفتها المهالك.

ومنه قولُ الحيصَ بيصَ (ت574هـ) من قصيدة طويلةٍ يمدحُ فيها الخليفة المسترشد (ت529هـ): (واسَّاقطتْ غُرُّ العِشارِ أجِنَّةً/ للقُرِّ فهي طَوائحٌ ألْقاءُ)، أي: ساقطة مطروحة. وله في نقيبِ النّقباءِ شرفِ الدّين الزّينبيّ (ت538هـ)، زمن المسترشد، يمدحه: (فلا زال يَسْعى للمعالي وأرضُه/ طوائحُ أجسامِ الأعادي وهامُها)، أي: ساقطة ومُجندلة رؤوسُها.

ومنه قولُ ابنِ الأبّارِ القضاعيّ (ت658هـ) يمدحُ أبا زكريا صاحبَ تونس عند التجائه إليه: (وما هو إلَّا الجودُ رَبَّ صَنيعُه/ فأَربَى على شُمِّ الأماني الطّوائِحِ)، أي: زادَ على الرَّغباتِ المرجوَّة التي يتمنّاها الإنسانُ ولا يَطولها لزوالها. وقولُ ابن سعيد المغربي (ت685هـ) يمدحُ ابنَ عمّه أبا عبدالله محمّدَ بن الحسين ويشكره: (يا زمانَ الوِصالِ عَودًا فإنّي/ طَوّحتْ بي لَمّا غَدرتَ الطَّوائحْ)، أي: نزلتْ بي المهالك. وقولُ مالك بن المرحل السَّبْتيّ (ت699هـ) في المُعشّراتِ النّبويَّة: (طَوائحُ دَهْرِي طوَّحتْ بي ولَيْتَها/ وقد لَجَّجتْ بي، أَخْرجَتْني إلى الشَّطَّ)، أي: ما نزل بي من مصائب ومهالك.

ومنه قولُ ابنِ نُباتة المصريّ (ت768هـ) في رثاءِ الملكِ الأفضلِ (ت742هـ) ابن الملكِ المؤيَّدِ أبي الفداء (ت732هـ): (وغاضتْ بُحورُ المكرماتِ وطَوَّحتْ/ بأهلِ الرّجا والقصدِ أيدي الطَّوائحِ)، أي: انقطع الرّجاء بموت المَلِك، وقوله: (لَمحتُكِ للبَينِ المُصادفِ لَمْحةً/ فطاحتْ بأحشائي إليكِ الطَّوائحُ)، كناية عن الضَّعفِ والهُزالِ الذي حلَّ به بِقطعِ وِصالِ المحبوبة. وقولُ لسانِ الدّينِ بنِ الخطيب (ت776هـ) في مَدْح رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فمَن كَرسولِ اللهِ للخَلقِ مَلجأ/ إذا طَوَّحتهمْ للزَّمانِ الطَّوائِحُ)، أي: أهلكتهم الخطوبُ والنّوائب.

ومنه قولُ معروف الرُّصافيّ (ت1945م) في عتاب "بغداد"، في مطلعِ قصيدته "بعد البَيْن": (لقـد طَـوَّحَـتْـنـي فـي البـلاد مُـضـاعـا/ طــوائح جــاءت بــالخــطــوبِ تــبـاعـا)، أي: نزلت بي مصائبُ متتالية. وقولُ الجواهريّ (ت1997م) في قصيدته "على مجلسي": (أتعرفُ أمواجَ الفُراتين مُهجتي/ إذا اسْتَنْشدوها عن قلُوبٍ طَوائحِ)، أي: قلوبٍ ميتة لا وجعَ فيها ولا حنين.

ومن المعاني المعاصرةِ كما في "معجم اللغة المعاصرة": أطاحت المعارضةُ بالحكومة أسقطَتها، والإطاحةُ بالظلمِ والجبروت إسقاطُهما، وأطاحَ الشَّعبُ بالمستعمر أنهاه، ومؤامرةٌ للإطاحة بالزّعيم واغتياله، وأطاحَ بالنّظامِ القائمِ على الفساد، والمُطيَّح هو الفاسد.

وعليه، فإنَّ "الطَّوائح" -كما تبيَّن- تَدورُ حولَ معنًى عامٍّ في الإذهابِ والإهلاكِ، فهي دَواهٍ مُهلكةٌ، وخطوبٌ، ونَوازلُ تُطيحُ بالكائنات الحيَّة (إنسانًا كان أو حيوانًا أو نباتًا) وتُهلكُها، وتَلتقي في هذه الدّلالةِ مع دلالةِ "الجائحة" إذا أُطلقتْ؛ من آفةٍ، وجَدْبٍ وقَحطٍ، ومُصيبةٍ عظيمةٍ، وإهلاكٍ، ووباءٍ عابرٍ للحدود مثل (كورونا)؛ فكورونا طائحةٌ حلَّت بالنّاس، وأطاحتْ بكلِّ دولِ العالم، ولم يَسلمْ من شرّها صغيرٌ أو كبير، غير أنَّها اشتعلت في الكبار أكثر لتراجعِ المناعةِ في مثلِ أعمارهم. وإنَّ الرّواية الثانية في "حاشية الشّهاب" في قوله: "الجوائحُ جمع جائحة، وهي الآفة. وفي نُسْخة: الطَّوائح"، تؤكّد هذا وتقوّيه؛ فالجائحةُ والطَّائحةُ بمعنًى.