لأنني أعرف يادولة الرئيس،أنكم لن تكونوا من الذين ينظرون إلى مواقعهم على أنها رخصة، تمنحهم الحق في العلو على الناس، فينظرون إلى هؤلاء الناس بعجرفة وتجبر، ومن طرف عيونهم، ومن «رأس أخشومهم»، كما تقول عجائزنا، إخترت أن أكتب رسالتي الخامسة لدولتكم من شرفة التحرير، التي أمضيت فيها كما تعلمون أكثر من نصف قرن، منذ كنت في مدارج الصبا حتى يوم الناس هذا. وخلال هذه العقود الطويلة تمكنت من متابعة أناس كثر ممن امتطوا مواقع المسؤولية في بلدنا، رؤساء، ووزراء وقادة عسكريون وأمنيون، وقد طوت الأيام معظم هؤلاء، فسقطوا من ذاك?ة الأردنيين حتى وهم أحياء بين ظهرانينهم، إلا قلة قليلة منهم، فالشعوب تنسى من يدب بقدمه على الأرض عندما يخيب آمالها، بينما تتذكر بعض من احتضنتهم الأرض في باطنها، لأنهم كانوا عند حسن ظنها, لذلك قالت العرب إنما الميت ميت الأحياء، ولذلك أيضاً مازال الأردنيون يتذكرون محمد عودة القرعان، ومحمد نويران، وعطالله المجالي، وقبلهم موسى الساكت وعلي مسمار، ورغم أن أحداً من هؤلاء لم يتول موقعاً وزارياً، فإنهم شكلوا منارات للأردنيين يضربونهم مثلاً للنموذج الذي يريدونهم فيمن يتولى المسؤولية في بلدهم، لأن هؤلاء اتصفوا بالتجر? ونظافة اليد وبالأبواب المفتوحة فلم ينسهم المنصب الناس لذلك لم ينساهم الناس،واشتهروا بالإلتزام بسيادة القانون التي هي طريق العدل وقبل ذلك إلى قلوب الناس ناهيك عن إنجازاتهم.

ومثلما يتذكر الأردنيون هذه القمم الشامخة، من الذين تولوا وظائف عامة في بلدنا، فإنهم ينسون جل من تولى المواقع الوزارية، حتى الأحياء منهم،مما يعني أن المواقع العليا لا تصنع الرجل ومكانته، لكنه هو الذي يصنعها فتكبر به، بينما صغرت بالكثيرين ممن تولوها ولم يؤدوا اشتراطاتها. صحيح أن هؤلاء جمعوا مالاً واستمتعوا زمناً بتملق البعض،لكنهم اكتشفوا بعد ذلك أن من نافقهم كان أول من انفض من حولهم فور تركهم لمواقعهم، وهذه آفة ابتلى بها الكثيرون ممن زاغت أبصارهم بالمنصب وصمت آذانهم بالمديح.

يا دولة الرئيس لقد اخترت أن اكتب لكم هذه الرسالة من شرفة التحرير، التي علمتني خلال العقود الماضية،أن من يكتب التاريخ هم حملة القلم وخدام الكلمة، لأنهم هم من يكتبون الوقائع ويفسرونها ويقدمونها للناس وللأجيال من منظورهم ووفق هواهم، إلا في حالات قليلة استعصت فيها سير وإنجازات أصحابها على أحكام الهوى والتزوير والتشويه، لأتمنى عليكم يادولة الرئيس أن تكونوا بإنجازاتكم، وقبل ذلك بمصداقيتكم من فئة الذين تستعصي سيرتهم على التشويه، وسيعينكم على ذلك أنكم تقفون على إرث من العمل العام، بعضه من والدكم وعشيرتكم، وبعضه ال?خر من تجربتكم الشخصية، وهذا كله الآن أمانة بين يديكم وعلى محك التجربة، التي نرجو من العلي القدير ان تجتازونها بنجاح.

Bilal.tall@yahoo.com