عمان - أحمد الطراونة

فازت أغنية «تاريخك كتاب» بالمركز الأول في مسابقة الأغنية الأردنية والتي جاءت ضمن مهرجان الأغنية والموسيقى الأردني 2020 الذي نُظم من قٍبَل وزارة الثقافة ومهرجان جرش.

ونالت الأغنية التي قدمها الفنان محمود سلطان ولحّنها حاتم منصور ووزّعها موسيقياً فراس عودة، الجائزة بعد تنافسها مع أغنيتن هما «دعونا نغني» من غناء نبيل سمور و كلمات فهد رمضان وألحان وتوزيع محمد بشناق، و"طوى الليل» من غناء محمد الصوي وألحان رياض عمران وتوزيع فراس عودة،

وفي حقل العزف المنفرد فاز العازف مازن عبده، في حين تقرر دعم أربعة مشاريع موسيقية من أصل 28 مشروعا تقدمت للمنافسة على الدعم، وهي: «وتريات الشباب» للدكتور جورج أسعد، و «إيقاع الشعوب» لمحمد طه، و"مهاجر هجري» لخالد مصطفى، و"الخروج عن النص» لمحمد زهدي.

ووزع وزير الثقافة د.باسم الطويسي الجوائز على الفائزين في حفل الختام الذي أقيم مساء أمس على مسارح المركز الثقافي الملكي.

واختُتم يوم أمس أيضا المؤتمر الفكري الذي انعقد على مدار ثلاثة أيام وبواقع ثمان جلسات، إذ نوقشت في اليوم الأخير العديد من العناوين على مدار جلستين، الأولى ان «الأغنية الأردنية بين الحنين إلى الماضي والواقع الحالي» وتحدث فيها الفنانان وائل أبو السعود ونصر الزعبي، وأدارها د.محمد واصف. والثانية بعنوان: «واقع احتراف المرأة الأردنية للموسيقى–تجارب ثرية»، وتحدث فيها: د.ديما سويدان والفنانة زين عوض، وأدارتها د.هبة عباسي.

وكان مختصون وأكاديميون في العلوم الموسيقية استذكروا في ثلاث جلسات عُقدت بقاعة المؤتمرات في المركز الثقافي الملكي، لليوم الثاني على التوالي، دور الفنانين توفيق النمري وعبده موسى وجميل العاص في إثراء المشهد الغنائي في الأردن عبر مجموعة من الأعمال الغنائية والموسيقية التي تنتمي إلى البيئة الاردنية، وتعبّر عن التراث من خلال مئات الأغنيات الوطنية والأهازيج وغيرها.

توفيق النمري.. عبقري الأهزوجة

قال عميد الأكاديمية الأردنية للموسيقى د.أسعد جورج في الجلسة الأولى التي حملت عنوان «توفيق النمري- عبقري الأهزوجة الاردنية بين التلحين والغناء»، إن الروائع الغنائية التي أنجزها النمري شكلت حالة موسيقية جمالية أثرت المشهد الثقافي والموسيقي الأردني بشكل خاص، وساهمت في تشكيل وجدان المجتمع وتأكيد هويته.

وبين أسعد من خلال عرضه لنماذج صوتية لأغنيات النمري، قدرة ذلك الفنان على صياغة ألحانه التي تتميز بحداثتها، وتُظهر سلاسة صوته، موضحا أن النمري من أوائل الفنانين الذين كان لديهم القدرة على كتابة المدونات الموسيقية (النوتة) باقتدار.

وأشار أسعد إلى أن أغنيات النمري تحتوي على الجماليات الصوتية والتنويهات الغنائية التي كان يبدعها، لا سيما أنها احتوت على حركات وتموجات صوتية على شكل سلاسل نغمية سريعة تعبر عنها الجمل اللحنية، بهدف استثارة الدوافع الإبداعية لدى المؤدي، ما يدفعه إلى ارتجالات لتضفي على العمل الغنائي مزيدا من حيوية.

وتحدث عميد كلية الفنون الجميلة بجامعة اليرموك د.وائل حداد عن صلة الفنان النمري الوثيقة بالطبيعة وبالمجتمع وعاداته وتقاليده والتي عبر عنها بمجموعة من الأعمال الغنائية، مشيرا إلى الدور الكبير الذي لعبته بلدته ومسقط رأسه (الحصن) كمصدر إلهام لديه.

وقال حداد إن النمري كان ممثلا للأغنية الشعبية الأردنية، بعد أن تعلم على أيدي ألفرد سماوي في إربد، ومحمد فؤاد محفوظ في دمشق، وكان من الأوائل علما ودراية واطلاعا على تدوين أعماله الموسيقية بخط يده، وفقا لأسس وقواعد علمية.

وفي لغة الارقام، أشار حداد إلى أن ثلث إنتاج النمري الغنائي كان من الأغنيات الوطنية، ونصفها كان ينتمي إلى الأغنيات الشعبية والعادات والتقاليد والقرى والبوادي، مؤكدا أن النمري هو مؤسس الأهزوجة الأردنية.

وأوضح حداد أن أعمال النمري الغنائية تميزت بالطابع الشعبي ولم تخرج عنه، بينما كانت جمله الموسيقية مستوحاة من البيئة المحلية، حيث تم استخدام الجمل اللحنية الخالية من التعقيد، ما ساهم في انتشار أعماله بين الجمهور، وصاحب ذلك إمكانيات وتقنيات في الغناء، وقدرات صاغتها ثقافة موسيقية ظاهرة في هذه الأعمال.

من جهته، قال العميد الأسبق لكلية الفنون والتصميم بالجامعة الأردنية د.عبد الحميد حمام الذي أدار الجلسة، إن الفنان توفيق النمري قدم الكثير للأغنية بأسلوبه القروي البسيط القريب من القلب والمحبب.

وأضاف أن النمري لم يكتف بموهبته، بل كان طموحا في تعلم الموسيقى، وتطوير قدراته، حيث درس آلة العود على يد أساتذة في الأردن وفلسطين ودمشق، وهو الوحيد آنذاك الذي كان يقرأ النوتة الموسيقية بين الموسيقيين والفنانين، لافتا إلى قدراته في كتابة الشعر، والتلحين، ما انعكس على أغانيه التي كانت تنبه السامع، وتعكس البيئة التي كان ينتمي إليها النمري.

تطويع آلة الربابة

وفي الجلسة الثانية من المؤتمر الفكري التي حملت عنوان «تطويع آلة الربابة لتقديم الأغنية الأردنية- عبده موسى رائدا ومبدعا»، قال العميد السابق لكلية الفنون الجميلة في جامعة اليرموك د.محمد الغوانمة، أن موسى تعلم العزف على آلة الربابة منفردا وعلى «السليقة» إلى أن التحق بالإذاعة الاردنية في رام الله التي فتحت له أبواب العمل من خلال الاشتراك في برامجها، والتعاون مع الفنانين.

وأضاف بأن موسى التقى بتوفيق النمري الذي أدخل آلة الربابة في الأغنية الاردنية من خلال أغنية «دخلك يا زين»، كما غنى الثنائيات بالاشتراك مع مطربات من أمثال هيام يونس، وغادة محمود، وسهام الصفدي، بمصاحبة آلة الربابة، كما عمل مع فرقة الفنون الشعبية التي جالت في أنحاء العالم، وقدم الأغنية الأردنية في أرقى المسارح العالمية ونال الثناء والإعجاب.

ولفت الغوانمة إلى أن فن عبده موسى اتسم بخصائص إيقاعية ولحنية أدائية وشعرية، إذ استخدم العديد من الإيقاعات العربية الأصيلة في غنائه، وغنى الغناء الموزون، وأنجز الكثير من الألحان التي بُنيت على المقامات الموسيقية.

وأوضح أن المتابع لفن عبده موسى يلمس في أغانيه الطابع الشعبي بألحان جديدة، مثل الغناء الشروقي، والغناء المنفرد على الربابة.

وقدم الغوانمة نماذج صوتية غنائية للفنان عبده موسى، قائلا إنها «توضح حرفيته في العزف على الربابة، ووضوح مخارج الحروف بأداء حر وجميل، والمدود الغنائية وطلاقة اللسان، بحيث تستطيع أن تميز حروف الأغنية بسهولة»، مشيرا إلى تنوع أعماله الغنائية، إذ غنى القصيدة البدوية وأدى الأغنية الريفية، واتسم بقدرته العالية على أداء الأدوار الغنائية المختلفة وصناعة آلته الموسيقية بنفسه وإتقانه العزف عليها باستخدام تقنيات عالية، وتأثره بغناء الجزيرة العربية وغناء ما بين النهرين.

بدوره، سلط أستاذ الموسيقى في الجامعة الأميركية د.علي الشرمان الضوء على جوانب أخرى من فن عبده موسى، من حيث استخدامه للمقامات الموسيقية المنتشرة في بلاد الشام وتوظيفها في أغنياته.

وقال إن الشكل العام لهذه الاغاني هي اغان شعبية، وقد اعاد الفنان بعض الالحان الشعبية التي كانت منتشرة آنذاك في الأرياف والبوادي، صاحب ذلك عبقرية في أداء الغناء الشعبي من خلال المزاوجة بين الريفي والبدوي».

وأشار إلى أن التضاريس الريفية التي كانت سمة واضحة في إربد حيث معيشة الفنان موسى آنذاك، تركت أثرها في هذا الفن، و ساهمت في إعطائه ميزة في التنوع والانفتاح، أظهرتها نبرة صوت عبده موسى التي تميز بها واتساع الحرف الأخير في بعض الأعمال الغنائية التي قدمها.

ولفت الشرمان إلى أن عبده موسى كوّن أساليب أدائية خاصة به، وتكنيكا في العزف على آلة الربابة.

وقال الزميل الصحفي أحمد الطراونة، الذي أدار الجلسة، إن تجربة موسى مهمة ورائدة وأسهمت في إيجاد حالة رزينة من الفن والإبداع والحضور، مضيفا أن هذا الفنان نقل آلة الربابة من فضاء بيت الشعر إلى فضاءات أخرى رحبة.

وأضاف أن موسى تميز بالأسلوب والأداء وبطابع موسيقي خاص به جعله يحوز محبة الناس بصدق، فأصبح أميرا للطرب الشعبي بعد أن تربى جيل كامل على ذائقته، وغنى في الكثير من الدول العربية والأجنبية سفيرا للأغنية الاردنية بكل أوجاعها وافراحها، وحاز الكثير من الجوائز، وحظي بالتكريم.

جميل العاص والبزق

وفي الجلسة الثالثة التي حملت عنوان «جميل العاص والبزق- سيرة شخصية وفنية»، قال عميد كلية الفنون والتصميم في الجامعة الأردنية د.رامي حداد، إن الفنان جميل العاص ساهم في إثراء الحركة الفنية في مجال الغناء الشعبي الأردني.

وأشار إلى ألحان العاص التي لاقت استحسان الجمهور، وحضور الفنانة سلوى (زوجته)، ومشاركاته الفنية في أكثر من 40 دولة عربية وأجنبية.

وتحدث حداد عن حياة العاص الموسيقية التي بدأت عام 1946 حين التقى كبار الفنانين ولحن لهم عددا من الأعمال الغنائية، كما تطرق إلى تعلقه بآلة البزق وتلحينه الدائم عليها والتحاقه في الإذاعة الأردنية.

وبين حداد خلال الجلسة التي أدراها د. نضال نصيرات، علاقة العاص بالأغنية الشعبية مطربا وملحنا، حيث ارتبط بها ارتباطا كبيرا وساهم في تطويرها، لافتا إلى اهتمامه بهذه الأغنية من خلال اهتمامه بمرافقة الشيخ رشيد زيد الكيلاني لإجراء مسح للأغاني الشعبية في الضفتين الشرقية والغربية آنذاك.

واستشهد حداد بنماذج مرئية لعزف الفنان العاص على آلة البزق التي وصفها بالآلة الغنية بالألحان والفقيرة بالأوتار، مبينا قدرة العاص على إيصال إحساس وإيقاع هذه الآلة إلى المتلقي من خلال العزف عليها ببراعة، حين طورها بإضافة أوتار جديدة لتصبح بأربعة أوتار. وذكر أهم الأعمال التي قام بها العاص، ومن بينها تلحينه مغناة «خالدة» التي كتب كلماتها الشاعر عبد الرحيم عمر وعرضت في مدينة الحسين للشباب عام 1971 بمناسبة العيد الخمسين لتأسيس المملكة الأردنية الهاشمية.

وقال حداد: «أبرز ما تميز به الفنان العاص استشعار القدرات الصوتية للمطربين وما يناسبهم من ألوان غنائية، حين قام بصياغة ألحان تناسب إمكاناتهم الصوتية، وتجاوزت أعماله الغنائية 500 عمل فني، إضافة إلى صياغة الألحان للكثير من المسلسلات التلفزيونية».

وقال استاذ العلوم الموسيقية في جامعة اليرموك د.محمد الملاح إن الفنان العاص الذي كانت بداياته في القدس، تعلم العزف بنفسه في ظل عدم وجود مراكز وأكاديميات موسيقية متخصصة في ذلك الوقت، مضيفا أن التحاق العاص بالإذاعة الأردنية ساهم في التعريف به كملحن، من خلال تعاونه مع الكثير من المطربين الأردنيين وانتشاره في ما بعد للتعاون مع مطربين عرب.

وأضاف الملاح أن الفنان العاص من أشهر وأبرز عازفي آلة البزق في عصره، حيث أن هذه الالة الوترية تحتاج إلى تقنيات تعتمد على نمط فريد من نوعه لتقوم بأداء نغمات عربية وشرقية، كما تحتاج إلى تكنيك عال وسرعة في عملية الانتقال بين الأصوات المرتفعة والمنخفضة، وهذا ما تميز به الفنان العاص.