أبواب - وليد سليمان

الكاتب الأردني «حفص السَّقا» والحاصل على الدكتوراه في فلسفة التدريب من أمريكا يأخذنا التفكير ما بين الألم والأمل, ومن خلال تجاربه واحتكاكه مع آلاف الناس من جميع الجنسيات والثقافات.. بأنه شخص صاحب نظرة إنسانية شاملة ومفكر اجتماعي متميز.. حيث له العديد من الكتب بالعربية والانجليزية حول ذلك والتي صدرت في عدة دول ومنها الأردن.

يقول د. حفص السقا صاحب ال 90 عاماً: تعلمت في حياتي أشياء كثيرة خصوصاً من أسفاري الى بلاد العالم المختلفة الاميركية والأوروبية والاختلاط مع الشعوب في هذا العالم.

ومن أهم ما أعجبه في «المجتمع الغربي» أشار إليه من خلال مذكراته المدونة في كتابه «سيرة حياة-غربة الفلسطيني»,الصادر في عمَّان عام 2019، ومن ذلك مثلاً يقول:

لقد لاحظت في بلاد الغرب أن المواطن والزائر يشعر بالحرية, فيتكلمون بحرية ولا يخاف الشخص من أي واحد، ولا يخاف أن يعاقبه أحد لأن القانون فوق الجميع.

جميع الناس يخضعون وكل من يخالف يُعاقب كائناً من كان.. حتى لوكان رئيساً للحكومة أو ابن فلان.

جميع الناس سواسية.. لذلك نجد أن أكبر مسؤول في الدولة يقف في الطابور مثله مثل أي مواطن آخر، وهكذا تسير الأمور وكل واحد يأخذ حقه بهدوء وحسب القانون وحسب الدور، فلا واسطات ولا معارف ولا هذا ابن الوزير ولا ابن شيخ القبيلة!.

اتباع قوانين المرور ليلاً ونهاراً حتى في حالة عدم وجود شرطي مرور.

الجميع يحافظون على نظافة بلادهم, فلا أحد يلقي بعقب سيجارة أو بورقة في الشارع العام، وإذا صادف أن أحدهم رمى ورقة أو بعقب سيجارة من نافذة السيارة فتحرر له مخالفة ملزمة الدفع حالاً وإلاّ سيق إلى السجن.

وتعلمت منهم حسن الإنصات والتحدث بكل هدوء وعدم رفع الصوت, واحترام الرأي والرأي الآخر, والاختصار في الكلام.

احترام كبار السن من الجنسين, وهم يطلقون على كبار السن المواطن العالي Senior Citizen.

الوقت عندهم ثمين فلا يشيعونه في: الثرثرة وفي لعبة النرد والورق والقيل والقال والكلام الفارغ وشرب الأراجيل واستغابة الناس.

التواضع... فلم أشاهد أي موظف مهما كان منصبه عالياً يتصرف بكبرياء وعنجهية.. لأنه يدرك بأنه خادم للشعب فلا تبدر منه أي كلمة أو حركة يشتم منها شيئاً من الكبرياء أو التعالي على الناس.

إنهم يمتازون بالجد في العمل وعدم إضاعة الوقت ومساعدة الناس وافهامهم المطلوب منهم حسب القانون وبكل تواضع واحترام.

أثناء زيارتي لجامعتي إكسفورد وكمبردج أعجبت أيما إعجاب بالعلاقة التي تربط الأستاذ بتلاميذه في هاتين الجامعتين العريقتين، فقد لاحظت بأن الأستاذ يدعو تلاميذه إلى بيته لتناول الشاي، وهكذا تنشأ علاقة مودة وصداقة بين الطرفين, وتتيح لهم فِهم الواحد الآخر فهماً أفضل, وتفتح لهم الفرص لمناقشة العديد من المشكلات في جو علمي بعيد عن الرسميات.

لاحظت بأنهم في الغرب يعتبرون الدولة أولاً والأسرة ثانياً والشخص ثالثاً، بينما عندنا أنا أولاً وأنا ثانياً وأنا ثالثاً.

إنهم يُرحبون بالجار ويقدمون له المساعدة الممكنة, كما كانت هذه العادة عندنا أيام زمان ولكنها انقرضت !! أو كادت وصار الواحد لا يعرف اسم جاره.. هذا إذا لم تسوء بينهما العلاقة لأسباب تافهة.

الأستاذ في الغرب يحترم رأي التلميذ مهما كان، وإذا ناقشه في موضوع مُعين وأصر الطالب على رأيه فإن الأستاذ يقول له هذا رأيك وأنا احترمه، إنه جو علمي حر لا يوجد فيه أي ضغط أو إرهاب كل واحد حر في رأيه، لا دجل ولا كذب بل حرية مطلقة.

وفي هاتين الجامعتين اكسفورد وكامبردج كما في باقي الجامعات الأوروبية والأميركية يتعلم الطالب الخدمة العامة وروح التعاون والاتيكيت واحترام القانون وتنظيم المحاضرات والحفلات وكيفية مناقشة المشكلات بروح ديمقراطية، ففي هذه الجامعات تناقش كل مشكلات العالم بكل حرية في جو ديمقراطي صحيح.

في الاجتماعات العامة وأثناء المحاضرات والاجتماعات يغلقون تلفوناتهم الخلوية فلا تسمع أي شخص يرد على مكالمة تلفونية أثناء الاجتماع أو يخرج مسرعاً من قاعة الاجتماع ليرد على رسالة تلفونية.

المحافظة على نظافة الحمامات العمومية إذ يحرص الشخص بأن يترك الحمام العمومي نظيفاً كما دخله فلا يرمي ورقة النظافة إلاّ في المكان المخصص لها.

إنهم يرغبون بتقديم المساعدة للآخرين خصوصاً للغرباء وكبار السن من الرجال والنساء.

التعليم خصوصاً في الجامعات ليس بطريقة حفظ المعلومات ولكن عن طريق التفكير والبحث العلمي.

الناس لا يؤيدون أصحاب المراكز العليا في الدولة في آرائهم وأفكارهم, بل ان همهم الأول والأخير الدفاع عن الحق والحق وحده ولا يخشون في ذلك لومة لائم.

العلاقة الجيدة بين الطلبة والأساتذة في الجامعات.. فكل أستاذ يشرف على عدد من الطلاب إشرافاً أبوياً يفضون إليه بمشاكلهم الخاصة الاجتماعية والمالية وهو يحاول أن يرشدهم ويقدم لهم النصيحة المناسبة والمساعدة الممكنة.

كل شيء عندهم مدروس دراسة علمية منظمة لا شيء يعمل بصورة ارتجالية.

لا يحق لرئيس الوزراء او حتى رئيس الدولة ان يحصل على شيء ليس من حقه الحصول عليه.. فهذا وزير يقول بأنه لم يستطع شراء بدلة له منذ عدة سنوات، وهذا رئيس حكومة يذهب حاملاً صحنه وشوكته وسكينه وفنجانه ويصف على الدور ليأخذ طعامه او يشرب الشاي مثله مثل سائر الناس وترى الوزير والموظف الكبير يقف وراء العامل البسيط.

وعندهم ثقافة الشكر على أاي شيء تعمله لهم, كما ان عندهم ثقافة الاعتذار فاذا اخطأ أي واحد فإنه يقدم الاعتذار حالاً.

وعندهم أيضاً ثقافة التسامح فهم يسامحون المخطئين ولا يحقدون عليهم.

ولاحظت بأنهم يحبون العمل ويبذل كل واحد جهده لإتقان عمله.

ولاحظت بأنهم يعتبرون وجود كبار السن في البيوت وكأنهم فاكهة تبعث على الطمأنينة, ويلجأون إليهم لأخذ المشورة منهم ويعرضون عليهم مشاكلهم والاستفادة من خبراتهم.

التواضع، فقد يكون الشخص يحتل أعلى المناصب ومع ذلك يكون في منتهى التواضع.

إنهم لا يسرفون في المآدب.. فاذا أقام شخص مأدبة لأكبر وأهم الاشخاص فليس المهم ان تحتوي على كل انواع الطعام.. بل المهم اللقاء والأحاديث والإحترام.

قلة الكلام وقلة المجادلة.

عدم الإسراف والاهتمام بالمظاهر في اللباس سواء الرجال والنساء, وكذلك عدم الاسراف والإهتمام بالأثاث الفاخر للبيوت والتفاخر بشراء السيارات الغالية.

إنهم يحسبون حساباً دقيقاً قبل شراء أي شيء ومدى الحاجة إليه وهل تسمح ميزانية البيت بشرائه.

حلاوة اللسان واللطف في مقابلة المراجعين ومعاملة الجميع بالتساوي, لا فرق بين وزير أو أي مواطن عادي.

محاولة اكتشاف الصواب عند الآخرين ومدحهم والثناء على الموظف المنتج, وليس التفتيش على أخطائه, ولعل أهم الأشياء ترقيات الموظف المستحق وليس لأنه ابن فلان أو قريب فلان.

فن الحوار.. إنهم يتقنون فن الحوار وفن الانصات الى المتحدث وقيمة الوقت ولا يعمل الموظف من كلامه خطبة ولا يرفع صوته ولا يستهزئ بآراء الآخرين.

اعادة الكتب الى المكتبة العامة نظيفة كما استلموها وفي الوقت المحدد، فلا يقدم اي شخص بالكتابة على الكتاب او اقتطاع ورقة منه.

تعلمت من الغرب أن هناك تواصل إنساني بين الطبيب والمريض، فالطبيب يعطي المريض وقتاً كافياً ويشرح له مرضه ويتيح له الفرصة ليسأل ويستفسر عن كل ما يريده.. بعكس ما يحدث عندنا فالطبيب دائما مستعجل، بل ان الطبيب عندهم يقول للمريض: «هذا رأيي واقترح أن تستشير طبيباً آخر».

ونقطة هامة أخرى فالطبيب يحدد للمريض المراجع وقتاً محدداً ولا يحدد من الوقت لجميع المراجعين كأن يقول لجميع المراجعين تعالوا الساعة الرابعة مثلاً.

العمل الجيد.. عندهم أفضل من الكلام الجيد.

الناس في دول الغرب يكثرون من التنزه في مواقع كثيرة ولكنهم يتركونها نظيفة كما دخلوها.. بعكس ما يحدث عندنا إذ يتحول مكان التنزه الى أكوام من النفايات, وأحيناً ما تترك النار مشتعلة مما قد يتسبب بحرائق في الغابات، فليس لدينا الوعي الكافي لجمع مخلفاتنا وتنظيف الموقع قبل أن نغادره.

لم أسمع في الغرب في يوم من الأيام بتشحيط السيارات, أو سيارات تنادي بالميكروفون لبيع انابيب الغاز او شراء الاثاث المستعمل, ولم أسمع أصواتاً بالميكروفون من طلاب المدارس ينشدون الأناشيد المختلفة, او الاساتذة يتحدثون فيزعجون الجيران الذين قد يكون منهم المرضى وكبار السن.

في الغرب اصدروا إعلاناً عالمياً لحقوق الحيوان والرفق بالحمار! انهم يملكون حساً مرهفاً بالعدالة نحو الحيوان.. أما عدالة الانسان العربي فان وحشيتهم تتصاعد وقد عميت أبصارهم!! فلم يروا القتلى الفلسطينيين في مخيمات صبرا وشاتيلا وفي قطاع غزة وفي كل مكان في فلسطين!!.

*شيء آخر تعلمته من الغرب.. وهو ان ثقافة الملكية العامة معدومة عندنا فالذي يحافظ على نظافة مرحاض بيته هو نفسه الذي يوسخ المرحاض العام ومرحاض المدرسة والمستشفى والجامعة، والأم التي لا ترضى أن يفوت ابنها محاضرة واحدة ربما هي نفسها التي تهرب من الدوام.

وأثناء عملي مع منظمة اليونيسكو تعرفت على خبير أوفدته المنظمة لإنتاج فلم عن تعليم اللاجئين, فكان يطلعني باستمرار على ما قام بتصويره ويأخذ رأيي فيه حرصاً منه أن لا يتضمن الفلم صوراً مخالفة للعادات والتقاليد العربية.. وكنت أبدي له بعض الملاحظات.

وقد كانت مفاجأة لي عندما انتهى انتاج هذا الفلم الذي تُرجم الى جميع اللغات الرسمية بالأمم المتحدة ورأيت اسمي بجانب اسمه: انتاج الكسندر شو وحفص عمر السقا!! فقلت له هل أصبحت أنا منتجاً سينمائيا؟! لكنه أجاب: بدون مساعدتك وآرائك فإنني كنت لن أتمكن من إنتاج هذا الفيلم بهذه الجودة.

وكذلك تعلمت منهم عندما يكون الشخص في مطعم او في مكان عام فعليه ان يغلق تلفونه.