جاء في كتاب «صديقي لا تأكل نفسك» للصحفي والكاتب المصري الراحل» عبدالوهاب مطاوع» ما يلي:

» منذ سنوات كنت أتلقى دورة دراسية عن الصحافة في انجلترا، وذات صباح كنت أجلس الى مكتبي في قاعة المحاضرات، أستمع الى المحاضر وأدوِّن ملاحظاتي، فطلب أن يكتب كل منا مقالا قصيرا عن رحلة قام بها الدارسون في اليوم السابق، ونزل عن منصته يتجول بين المكاتب، ويقرأ السطور الاولى من كل مقال، حتى جاء الى مكتبي فمددت له يدي بما كتبت كما فعل الزملاء، ففوجئت به ينحى يدي جانبا وينحني علي ليقول لي: سأقرأ ما كتبت فيما بعد، لكني جئت لاسألك: ماذا يأكلك؟

وللحظة لم افهم السؤال، لكني سرعان ما خمنت انه يسألني عما يشغل بالي وتأكل ظني حين واصل حديثه قائلا: اني الاحظ انك مكتئب منذ يومين فماذا بك، هل تفتقد بلدك وأسرتك؟

وأسرعت اشكره لسؤاله وأطمئنه، لكني وجدت نفسي اتأمل هذا التعبير الغريب، وأتعجب له.

ماذا يأكلك؟ يا له من تعبير عجيب، لقد سمعته بعد ذلك مرات عديدة، واستخدمته احيانا خلال اقامتي هناك، كتعبير مجازي عما يفعله القلق والاكتئاب والمهموم بالانسان، لكني لم أفهم معناه الحقيقي إلا فيما بعد حين قرأت عما يفعله القلق بالانسان، فإذا به «يأكله» فعلا لا مجازا، وإذا بهذا التعبير الشائع عند الانجليز تصوير دقيق لما جاء في كتب علم النفس الجسمي او علم النفسجسمي، الذي يعرفه المتخصصون عن تأثير القلق على جسم الانسان.

فالقلق يسبب توتر الاعصاب وحدة المزاج، وتوتر الاعصاب يحول العصارات الهاضمة في المعدة الى عصارات سامة تنهش جدرانها فتصيبها بالقرحة، وهكذا يأكل القلق جدار معدة الانسان اولا، ثم قد يتوحش بعد ذلك فيلتهم او يتلف العديد من اعضائه الاخرى، فبعض انواع مرض السكر وبعض امراض القلب وبعض امراض المخ تنتمي كلها الى جدٍ واحد هو قلق الانسان واكتئابه وخوفه من المجهول.

وكل انسان يخاف غالبا من شيء ما، من المرض او الفشل او فقد الاحباء او العوز او فقد المكانة او انعدام الدور او الموت، ولا بأس بان نخاف من اي شيء، لكن المهم هو كيف نحتفظ بالخوف الانساني في حدوده الطبيعية، وألا نسمح له بان يسلمنا الى غول الاكتئاب.

لقد قال وليم جيمس مؤسس علم النفس التطبيقي ذات مرة: ان الله يغفر لنا اخطاءنا، لكن جهازنا العصبي لا يغفرها لنا أبدا، وهذا صحيح الى حد كبير.

وأكبر اخطائنا في حق انفسنا هو القلق والاستسلام للاكتئاب والشعوب بالاحباط وكثيرا ما نتعرض لهذه الاعراض اذا بدا لنا فجأة كأن الطريق قد اصبح مسدودا أمامنا وان المشكلة التي نواجهها جبل شاهق لن نستطيع ان نتسلقه لكي نهبط الى طريق الامان من الناحية الاخرى، مع ان اكثر من شقوا طريقهم بنجاح في الحياة قد اصطدموا بمثل هذه العقبات او بأعتى منها، فتخطاها البعض، وتحوَّل البعض الآخر عنها الى طريق آخر في الحياة لم يلبث ان حقق فيه اكثر مما كان يحلم به لو سار في طريقه الاول، أما من جلسوا على الارض يستشعرون العجز، ويشكون سوء ?لحظ، ويتحسرون على ما كانوا سيحققونه لو لم تصادفهم هذه العقبة، فلقد خسروا طموحهم، وأعصابهم وصحتهم وقدرتهم على الاستمتاع بالحياة.

إن كتّاب التراجم الشهيرة يفشون في حياة المشاهير دائما على نقطة التحول التي كانت بداية انطلاقهم الى المجد، فيكتشفون في احيان كثيرة انها كانت عقبة او فشلا ذريعا، او اخفاقا في تحقيق هدف، حوَّل مجرى حياتهم الى الطريق الذي لمعت فيه عبقرياتهم.

فبعض النقاد مثلا يعتقدون انه لو لم يصب طه حسين بالعمى في صباه، لما كان طه حسين الذي لا تكاد تخلو جامعة اجنبية في العالم الان من رسالة دكتوراة عنه، وانه لو توافرت لعباس محمود العقاد الظروف المادية اللازمة لمواصلة تعليمه في المدارس بعد الابتدائية لكان اقصى ما وصل اليه من مجد في حياته هو وظيفة مدير في مصلحة حكومية ويعتقد بعض نقاد الغرب انه لو لم يُصب بيتهوفن بالصمم لما الف سيمفونياته الخالدة وانه لو لم يتجرع ديتوفيسكي وتولوستوي وشارلز ديكنز، التعاسة في حياتهم الخاصة لما كتبوا روائعهم الخالدة، والامثلة كثيرة ع?ى العقبات التي اعترضت طريق المشاهير فحولوها الى بداية جديدة ونجاح أكبر.

فلماذا نقف مكتوفي الايدي امام اول مشكلة تصادفنا، او اول عقبة تعترض طريقنا، فنحزن على ما فاتنا ونتحسر على ما ضاع منا كأننا ننتقم من انفسنا بالحزن والاكتئاب.

إن الحياة لا تتوقف أبدا، ومياه النهر لا تكف عن الجريان.

وأحد فلاسفة الاغريق كان يقول إن كل شيء في الحياة يتغير إلا قانون التغير نفسه، فلماذا نتصور ان الحياة سوف تخالف هذا القانون فيما يخصنا نحن فقط فتبقى الابواب دائما مسدودة، والاحلام بعيدة.

إن الحياة جديرة بان نحياها، والاحلام جديرة بان نكافح من أجلها والثقة في الله وفي النفس تشد أزرنا، وتشحذ إرادتنا، لكي نتطلع الى نصيبنا العادل من السعادة والنجاح.

فإذا كان الامر كذلك فلماذا «تأكل» نفسك يا صديقي.