يمرّ الأردن بظروف غير طبيعية مع الازدياد المطرد للإصابات بكوفيد-١٩ وما يتبعه من زيادة موازية لحالات الوفاة. هذه الأرقام العالية التي كانت وما زالت غير متوقعة خاصة بعد الإجراءات الحازمة التي اخترناها والتزمنا بها في بداية التصدي للجائحة.

وبما أن هذه الجائحة جديدة علينا وعلى غيرنا، فقضية التعامل معها، ومن دون أدنى شك، تشوبها مبادئ الاجتهاد وتعتريها احتمالات الصواب والخطأ.

ولكن مع زيادة عدد الخبراء الأردنيين، وأقصد هنا «خبراء الوبائيات»، وجدت نفسي «مرغما أخاك لا بطل» أن أعبر عن رأيي في هذه العاجلة.

ولن أدعي أنني خبير بالكتابة، أو خبير بالوبائيات، أو خبير بهذا الفيروس اللعين؛ فأنا فقط خبير بعلم أمراض الخلايا.

كلمة خبير بالعربية معناها المتمرس، ذو الخبرة الطويلة في اختصاص ما، ويكاد يكون مرور زمن طويل على ممارسة هذا الاختصاص شرطا من شروط إطلاق هذا الوصف.

لقد أصابني الغثيان عدة مرات وأنا أرى وأسمع هؤلاء الزملاء الذين ما باتوا يملؤون مواقع التواصل الاجتماعي بشتى أشكاله سواء أكانت مسموعة، أم مكتوبة أم مرئية. والكل يدلي بدلوه دونما مراعاة لدقة المعلومات والتأكد من الحقائق التي يتداولونها على مسمع أهلنا ومواطنينا.

أولا: هذا الفيروس لم يتعد عمره مجموعة شهور ولا أعتقد أن هناك أي شخص على وجه الأرض حاليا نستطيع وصفه بخبير كوفيد-١٩. وما زلنا في مرحله الرضاعة الأولى ولم نصل حتى لمرحلة التسنين لمقدار ما نعرفه عن طبيعة هذا الوباء.

وما زلت أتعلم أنا وزملائي أعضاء الفريق البحثي لمعرفة خبايا تأثير هذا الفيروس في جسم الإنسان شيئاً جديداً كل يوم وقد يستمر تدفق هذه الملاحظات والمعلومات الجديدة إلى حين بعيد.

ولنتفق أنه لا وجود لخبير كوفيد-١٩ على الإطلاق حتى الآن.

ثانيا: من وجهة نظري العلمية البحت «بصفتي خبيرا» بعلم الأمراض وعلم أمراض الخلايا وطبيبا بخبرة تزيد على ثلاثين عاما في ثلاث قارات، فلا بدّ من الإشارة إلى أن أصحاب الاختصاص والمتمرسين بهكذا جائحة هم معروفون لدينا، نحن مجتمع الأطباء، فعلى رأس هذا الهرم ثلاثة تخصصات أولية يجب أن يكون لها حق التفسير، والكلام، وإبداء الرأي. وهم المخولون فحسبْ بإعطاء النصيحة والتوجيهات، لمطابخ صنع القرار من جهة وللمجتمع العام من جهة أخرى.

وهذه التخصصات الثلاثة هي وبلا شك اختصاص أمراض المعدية (both pediatrics and adults infectious diseases)، واختصاص علم الجراثيم والفيروسات (virology) وثالثها اختصاص الصحة العامة والأوبئة (epidemiology).

هذه المجموعة هي رأس الهرم وبقية التخصصات، مع الاحترام والتقدير لهم جميعا، هي تخصصات مساندة لهذا الرأس الهرمي. وأتمنى من خلال هذا المنبر، أن يكون لهذه المجموعة من الاختصاصيين نصيب الأسد في التأثير في صناعة القرار/ اللجان المكونة لذلك.

ثالثا: الوضع الوبائي الحالي لا يحتمل كثرة «الطباخين»، وأخص هنا بالذكر مطبخ صنع القرارات. وقد شاهدنا بأم أعيننا الانتقادات المتكررة لتضارب التصريحات الرسمية وغير الرسمية والتي ما تزال تنهال علينا من «الخبراء» جميعهم، من الاتجاهات الأربعة جميعها. قال علي رضي الله عنه: ولا يستحي من يعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم. وقال مالك بن أنس: من فقه العالم أن يقول: لا اعلم. وقال الحكماء: من قال لا اعلم (أو لا أدري ) فقد أفتى.

لذلك أرجو من الله أن تتوخى منصات التواصل الاجتماعي بشتى أطيافها الدقة والتحري قبل استضافة من يدّعون أنهم الخبرة، حتى لو كان الضيف المتحدث لبقا منمقا ووسيما.

حمى الله الأردن في ظل قيادته الهاشمية الحكيمة.