ما أن ترى علبة سجائر، حتى يسقط نظرك لا إرادياً على العبارات المكتوبة عليها كـ «التدخين يدمر الصحة ويسبب الوفاة» وغيرها (...)، فيتبادر الى ذهنك الآثار الصحية السلبية التي يخلّفها، إلا أننا اذا تعمقنا بالتفكير إلى أبعد من ذلك، نصل وقتها إلى آثاره المتعددة التي تتجاوز «الصحية»، والمرتبطة بتداعيات أخرى اقتصادية واجتماعية وبيئية، وعلى رأسها ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، وخسائر اقتصادية كبيرة تثقل كاهل اقتصاديات الدول.

وفي هذا، أظهرت دراسة قامت بها منظمة الصحة العالمية حول أثر التدخين على الاقتصاد الأردني، أن قيمة مساهمة صناعة التبغ في نشاطه الاقتصادي تبلغ ٨٨٩ مليون دينار أردني من خلال عائدات الضرائب الحكومية (على السجائر والمعسل)، وعلى مدفوعات الصناعة (مقابل الخدمات)، والمدفوعات المباشرة (مقابل تصاريح وغيرها).

وتظهر الدراسة أرقاما مخيفة حول حجم الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تعاطي التبغ والتي تصل الى حوالي ١.٦ مليار دينار أردني، حيث تبلغ كلفة الرعاية الصحية ٢٠٤ ملايين دينار، و ٣٣٩ مليون دينار كلفة مرتبطة بالوفيات، في حين تصل كلفة التدخين في أماكن العمل الى ٩٩٠ مليون دينار.

المتمعن بهذه الأرقام يصاب بهول الصدمة، فقد أشرت الدراسة على مكمن الخطر، إذ قدرت خسائر الاقتصاد الاردني بـ٧٢٦ مليون دينار أردني، الأمر الذي يرهق كاهله ويتسبب بأزمة اقتصادية كبيرة.

من هنا ووفق لغة الأرقام التي تضعنا في صورة هذا الواقع المؤلم، نجد أنفسنا مطالبين بلزوم تفعيل قانون الصحة العامة رقم ٤٧، والذي يمنع التدخين في الأماكن العامة، بالتوازي مع إيقاع أشد العقوبات بحق كل من يخالفه؛ لأن التراخي بتطبيقه أهّل الأردن لأن يحتل المرتبة الأولى عالميا في ممارسة التدخين بأنواعه من ناحية كمية استهلاك منتجات النيكوتين بانتظام وبنسبة انتشاره أيضا وفق مؤشرات الصحة العالمية.

يرى مختصون بمكافحة التدخين «أنه اذا توفرت الإرادة الحقيقية لتفعيل قانون حظر التدخين في الأماكن العامة، ووفق خطة مدروسة على مدى الخمس السنوات القادمة»، سيعود بفوائد جمّة على المجتمع تتمثل بـ» تخفيض معدل الاستهلاك بنسبة ١٢% (من ٨٠-٦٨%)، فضلا عن تجنب وفاة ٥٤٠٠٠ حالة مبكرة، إضافة إلى تقليل الكلف الاقتصادية للتدخين.

وفي هذا فإن مكافحة التدخين عبر تفعيل القانون ذاته، يعود بالنفع والفائدة على الأفراد أيضا وذلك من خلال حماية المدخن وغير المدخن من التدخين القسري «السلبي»، وتشجيع المدخنين على الاقلاع، وحماية غير المدخنين من البدء به.

ما يعيشه الأردن والعالم من واقع خطير يتمثل بـ» وباء كوفيد-19» والمعروف بـ"كورونا المستجد» يعد فرصة ثمينة يجب استغلالها للاقلاع عن التدخين؛ لتخفيف وطأة الضرر الناجم عن المرض، اذ تشير الأبحاث الحالية إلى وجود ارتباط بين التدخين وشدة الإصابة، وقد تزيد بشكل كبير من فرصة حدوث نتائج صحية ضارة لدى المصابين بالفيروس، وتبعاته الصحية السلبية التي قد توصلهم لغرف العناية المركزة، وأجهزة التنفس الاصطناعي، ومواجهة خطر الموت.

من هنا تأتي أهمية تفاعل المدخنين مع المبادرة العالمية التي أطلقتها منظمة الصحة العالمية باسم «الوصول لمرحلة الإقلاع عن التدخين» والتي كان الأردن أول دولة تتلقى دعما منها بقيمة مليون دولار.

هذه المبادرة انتهجت تقديم برنامج علاجي خاص بكل مدخن على حدة، يعتمد على بدائل النيكوتين، وخدمات الإقلاع عنه المتاحة في عيادات وزارة الصحة وغيرها من المرافق مجاناً وفقا للدعم المقدم.

إجمالاً؛ طالما بدأت الحكومة بفرض اجراءات احترازية صارمة تهدف الى الحد من انتشار كوفيد -١٩، يرتبط بعضها بآفة التدخين، ما يعني بالضرورة تفعيل قانون الصحة العامة، حمايةً لصحة المجتمع خلال فترة الجائحة وما بعدها، فضلا عن المساهمة بتعافي الاقتصاد الأردني، ومنعه من الانهيار نظرا لما تعرّض له خلال الجائحة من تداعيات سلبية أثقلت كاهله.. فهل نبدأ معركتنا الطويلة ضد التدخين؟