الكرك  -  نسرين الضمور

تشكل الشابة أماني البشابشة نموذجا متفردا للمرأة الكركية المؤمنة بنفسها وبقدرتها على توظيف ملكاتها وطاقاتها.

إذ صنعت فارقا يسجل لها ولتكن قدوة لسواها ممن لجمن في ثنايا الذات قدرات كامنة لا تحتاج سوى النبش والتكييف لتخلق منجزا نافعا في أتون حياة تستعر عوزا وبطالة ليرخين أسباب عيشهن وليكن مشاركات فاعلات في مسيرة وطن لاتتسع الا لذوي الحزم والإرادة.

أماني، الشابة النموذج، اجتهدت، بادرت فارست لواقع ناهض لم تستكن وتقول إن الحياة قسمة ونصيب، بل آمنت بمقولة إن لكل مجتهد نصيبا.

طال أمد ترقبها ليفرج ديوان الخدمة المدنية عن قائمة تعيينات ترشحها وهي المتخصصة بعلم الفيزياء لوظيفة تكسبها ما يكفي لتدبير تصاريف العيش، امتد الترقب.. ومع الامتداد معاناة تكبر عاما اثر عام، لتعي مفهوم أن تبدأ متاخرا خير من أن لا تبدأ أبدا.

فكرت أماني وتمحصت انطلاقا من حال المجتمع الذي تعيش، وهو مجتمع زراعي السمة، فموارد أي مشروع يعتمد البنية المتاحة يمكن أن يأتي بمفيد يعظم وينمو بالارادة وحسن التدبير والتخطيط.

نهضت أماني بمشروع رائد أسمته «بيت الجميد الكركي»، كفكرة بسيطة ما لبثت بجدها واجتهادها أن طورتها لتستقطب إلى جانبها في مشروعها الوليد جميع أفراد أسرتها للعمل معها في واحد من المشاريع الأسرية المنتجة والمدرة لدخل شاف على مستوى محافظة الكرك.

وصادف المشروع حضورا لافتا فبالاضافة لإنتاج الجميد الكركي ومشتقاته وتسويقه كتجارة تراثية رائجة حظيت بشهرة على المستوى المحلي والخارجي والسواح الأجانب القادمين الى الكرك.

فوظفت أماني مشروعها سياحيا؛ فأسست نزلاً سياحيا، هو الأول من نوعه في المحافظة، لم تقصره على المبيت فقط، بل جعلته مدرسة لتعليم فن تصنيع الجميد والأكلات الشعبية المرتبطة به والتعريف بتاريخ مدينة الكرك الضارب في جذور التاريخ.

وما يكسب هذا النزل، الذي أقامته أماني ضمن منزل أسرتها الكائن في موقع البانوراما بضاحية المرج، تميزا وجاذبية، هو إطلالته على قلعة الكرك التاريخية وبعض معالم «البلد» القديمة.

تقول أماني، المتزوجة وولدة لطفل، إن المثابرة والتصميم يولدان النجاح، فقررت الاعتماد على الذات ليهديها تفكيرها إلى المشروع الذي نهضت به.

بدات أماني مشوارها، كما أوضحت، متطوعة في مركز تنمية محيّ عام 2014 وحتى العام 2017 ضمن مشروع تدريبي ينفذه المركز بالشراكة مع الجمعية الألمانية لتعليم كبار السن لدعم المجتمعات المحلية في المناطق النائية. وبعد إتمام التدريب طلب إلى المشاركات اقتراح مشروع. ومن منطلق طبيعة الحياة الزراعية بشقيها الحيواني والنباتي في منطقة إقامتها الأصلي تقدمت بمشروع لإقامة معمل لإنتاج اللبن الجميد ومشتقات الحليب هي وشقيقتها آيات.

قُبِل مشروعها، وقدمت الجمعية دعما ماليا بسيطا لها، لكنه كان كافيا لإطلاق المشروع، فاستأجرت مبنى بسيطا زودته بالمعدات اللازمة فبدأت الإنتاج بكميات محدودة.

ولتيقنها بأن التوسع بالإنتاج يحتاج سيولة نقدية أكثر فكرت أماني بتحويل المعمل مدرسةً توفر التدريب للراغبين من شباب وشابات المنطقة ليساعدوها مقابل تدريبهم مجانا في التوسع بالإنتاج.

وبينت أنه لارتباط إنتاج الجميد بموسم حلب الأغنام «محدود المدة»، راودتها فكرة ربط منتج اللبن الجميد، الذي قالت أنه لقي قبولا داخل المحافظة وخارجها، بالغرض السياحي، باعتبار ذلك ترويجا سياحيا لمنطقة الكرك.

ولتنفيذ هذه الفكرة التي اقتنعت بها أسرتها عمدت إلى استغلال بيت الأسرة في منطقة المرج بإطلالاته اللافتة سياحيا ليكون مدرسة لتعليم تصنيع الجميد والأكلات الشعبية الكركية المرتبطة ومكانا لمبيت به.

عملت أماني على تأسيس صفحة لها على الفيسبوك باسم المشروع ثم تشاركت مع مبادرة «ذكرى» التي تقوم بتطوير افكار المشاريع وترويجها..

فوجه القائمون على المبادرة رواد السياحة أُسراً وهيئات مجتمعية، لزيارة الكرك والإقامة في النزل، حيث يستقبل والدا أماني القادمين وفق أصول الضيافة الكركية وتُنفَّذ تطبيقات عملية أمام الزائرين وبمشاركتهم في مختلف جوانب عملية التصنيع.

كما يُطلِعون الزائرين على محتويات الخيمة المقامة في باحة المنزل ومقتنياتها التراثية المتعلقة بمنطقة الكرك وتعريفهم بعادات أهلها وتقاليدهم.

وترتب أماني برنامج للضيوف لزيارة قلعة الكرك والتجول في أسواق المدينة، بمرافقة زوجها وأخيها اللذين درسا جامعيا في تخصص السياحة والأثار.

وبعد العودة إلى النزل تُشرِك الأسرة الزائربن في طبخ «المنسف»، ويشرحون لهم آداب تقديمه وتناوله بصفته الأكلة التراثية الأشهر في الكرك والأردن بعامة، ويتم تصوير مشاهد من الزيارة من قبل شقيقتين لأماني تعلمتا فن التصوير والاحتفاظ بها كصور تذكارية.

وتلفت أماني إلى أن حاضنة الأعمال في الكرك احتضنت مشروعها العام الماضي ضمن مشروع «هي تبتكر».

وكان مشروعها الأعلى تقييما من قبل الحاضنة بين (30) مشروعا تقدمت للحاضنة.

وجرى توفير المزيد من التدريب لها على ريادة الأعمال وتصميم موقع إلكتروني للمشروع وشعار له وتدوينه في السجل التجاري، إضافة لتوفير مساحة عمل مكتبي لإدارة المشروع في الحاضنة والمساعدة علىترويجه عبر وسائل الإعلام المتاحة.

وتشير أماني إلى أن مشروعها حظي بزيارة جلالة الملكة رانيا العام الماضي، مما حفزها على مزيد من الانطلاق والريادة مما توفر للمشروع من دعم. فنقلت المشروع لمكان آخر في أحد طوابق مبنى منزل الأسرة غير المستغل.

وأنشأت اماني تسع غرف للمبيت في الموقع الجديد لعشرة أشخاص وقاعة للتدريب ومطبخا إنتاجيا، حيث رخص المشروع عن طريق جمعية درب الأردن كنزل سياحي يوفر لمرتاديه جميع الخدمات الفندقية.

وأعربت أماني عن أملها بأن يحظى مشروعها هذا على مزيد من الترويج بوضعه على خريطة المكاتب السياحية الداخلية حاليا وخارجيا بعد انجلاء وباء كورونا.

وتشير إلى أنها تفكر بإدخال المزيد من التطويرات على مشروعها، بيد أنها تحتاج إسنادا ماليا بما يمكنها من الحصول على منح وليس قروضا واجبة السداد، حتى تتغلب على ما يصادف المشروع من تحديات.