بعد انتظار وترقب، كانت هناك ولادة متوقعة لحكومة جديدة من رحم الدستور، ترأسها الدكتور بشر الخصاونة، الرجل الوطني الذي رضع الحب والانتماء عبر سنوات عمره الممتدة بتاريخ عائلي، فاجتهد بتأليف فريق حكومي لقيادة المرحلة المقبلة المليئة بملفات التحديات، والزاخرة بالأحداث المستجدة؛ يتقدمها الملف الصحي والوبائي الذي وضع قطاعنا الصحي على سلم الاختبار لامتحان قدرته بالتعامل مع موجة الانتشار المجتمعي ضمن الامكانات المتوفرة، النتائج السلبية للواقع المعيشي كنتيجة حتمية لظروف الدولة بالفترة الماضية، ارتفاع معدل البطالة وا?قفز عن حاجز التوقعات والحلول الممكنة، ارتفاع الأسعار لأساسيات الحياة اليومية، انخفاض مصادر الدخل لموازنة الدولة لأداء مهماتها، زيادة أسهم اليأس والخوف، ولكن التحدي الأكبر الذي يهمني بمحتوى هذه المقالة هو الملف التعليمي بشقيه المدرسي والجامعي؛ فالعبث بمحتوياته نتيجة الاجتهادات المختلفة والتغييرات التي لامست مكوناته، تضعنا أمام مرحلة انتحار تعليمي مدمرة، وتتطلب سرعة معالجة الخلل والضعف، والتي تبدأ بالتراجع عن الاندفاع نحو فرض تغيرات بالأداء والتقييم ضمن مبررات تفتقر لفرصة الإقناع بالخطابة، فمحاولة تسويق فكرة?التعلم عن بعد كبديل فعال للتعليم الوجاهي هي فكرة يجب الوقوف على فقراتها ومراجعتها بسبب افتقارها للدقة.

للتوضيح، أنا لست ضد فكرة التعليم المدمج التي ربما تأخذ حيزاً مستقبلياً لظروف ومستجدات، وتجهيز البنية التحتية المناسبة، بحكم إمكانات تسهل المهمة للجميع، وعلينا أن ندرك، أن انتقالنا لتطبيق هذه الفكرة بالفصل الدراسي الثاني والصيفي من العام الدراسي السابق كان خطوة إلزامية بظروف صحية ووبائية، ولكنني لست سعيداً أو مطمئناً لانتهاجها كسياسة تعليمية معتمدة لمراحل التعليم، فهي ليست بديلاً أو مقارناً للتعليم الوجاهي، فالتفاعل الشخصي بين الطالب والمدرس، وترجمة التعبيرات التي تنطق بلغة العيون والحاجبين، هي عوامل تساعد ?بناء الشخصية المفكرة المبتكرة، فالطالب مادة خام يمكننا هيكلتها بأسلوب قيادي إيجابي منتج، والتي تحتاج لاحتكاك عمري وصفي بتحديات تصقل الشخصية وتجوِّد البيانات التي تولد من رحم التعليم، وهناك طاقة شخصية للطالب يفرغها عبر خروجه من المنزل للمدرسة والجامعة، فأنا على درجة من الواقعية والصراحة التي تتحفظ على التصريحات التي تطلق من قبل المسؤولين بإدعاء المساواة بين الطريقتين بالنتائج، بل ومحاولة تسويق استطلاعات التفضيل للطريقة المتجددة على الطريقة التفضيلية، فقناعتي أن الظروف التي ألزمتنا باعتماد سياسة التعليم المد?ج، لا يجب تسويقها كطريقة بديلة نافذة، وعودة الطلبة لمدارسهم وجامعاتهم يجب أن تكون أولوية حاضرة على أجندة القرار اليوم، فلا نسهم بتنشئة جيل يحاكي وسائل التواصل الاجتماعي ويتحدث لشاشة الكمبيوتر بوحدوية قد تؤدي لخلل سلوكي، ومن شأن ذلك إضعاف فرص التفكير والابداع للطلبة.

التعامل مع ملف التعليم بحاجة لجهود مشتركة من أصحاب الخبرة والاختصاص مع أصحاب القرار، وتسويق البعض لاجتهادات بفرضها بحكم الظروف، يجب أن يراجع بهدف المصلحة العامة والمستقبلية، فمستقبل هذا الجيل من الطلبة مهدد عبر وسائل التعليم والتقييم التي نعتمدها اليوم، والنزف من خاصرة التعليم بدأ منذ عامين عندما دافع البعض بشراسة عن صحة حصول بعض الطلبة على العلامات الكاملة بامتحان الثانوية العامة، مقدمة لمجزرة العلامات الفلكية هذا العام، تتعارض مع تاريخ الطالب المدرسي، وما شاهدناه من الآثار المدمرة لفرص القبول الجامعي الم?لفة بالاحباط.. اللهم أنني بلغت وللحديث بقية.