الدكتور عامر العورتاني

بعد إجماع المجتمع الدولي على احترام الإنسان إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتوقيع الكثير من المواثيق والاتفاقيات التي تُقر بحقوق بني آدم من العمال والنساء والأطفال، كثرت الأيام التي تحتفي بالمُنجز الإنساني العظيم، وتُذكّر بالقضايا الإنسانية العالقة في ثقب البشرية الأسود، فهناك يوم للمعلم، وهناك يوم للمرأة، ويوم للأم، ويوم للأب، وهناك يوم للأسرة، ويوم للطفل، ويوم للعمّال، ويوم للمسنين، ويوم للعنف ويوم للعدالة الاجتماعية وهناك يوم للفقر، ويوم للقضاء على التمييز العنصري، ويوم للملكية الفكرية، ويوم لحرية ا?صحافة، ويوم عالمي للزيتون، ويوم لإحياء ذكرى الحرب العالمية، وضحايا الرق وتجارة البشر، ويوم النحل العالمي، ويوم للتنوع الثقافي، وآخر للتنوع البيولوجي ويوم للامتناع عن التدخين، ويوم لضحايا العدوان من الأطفال الأبرياء، ويوم لسلامة الأغذية، ويوم لمكافحة عمالة الأطفال، وهناك يوم دولي للأرامل، ويوم لمكافحة المخدرات، ويوم للكويكبات، ويوم للتعاونيات، ويوم لمكافحة الاتجار بالبشر، وهناك يوم للإبداع، ويوم للفتاة، ويوم لأُمِّنا الأرض، والقائمة تطول بمختلف القضايا العالمية ذات الأهمية التي يسعى المجتمع الدولي إلى تثقيف?عامة الناس حولها، وتعبئة الموارد والإرادة السياسية لمعالجة مشكلاتها، والاحتفال بالإنجازات الإنسانية وتعزيزها في مجالاتها ، وهو ما جعل الأمم المتحدة تتبنى الكثير من الأيام التي سبقت تأسيسها كأداة قوية لنشر الوعي، والسير في خطوات موحدة في مختلف المجتمعات للارتقاء بالإنسان وعلاقته بالآخر والبيئة المحيطة، وهكذا تستعد المؤسسات والجمعيات ومختلف الجهات ذات العلاقة بأي من الأيام الدولية ؛ للاحتفال وإعداد النشاطات اللازمة للتذكير والتثقيف والتوعية، ليتحوّل بعض مما قيل في كلمات المسؤولين إلى برامج عمل خجولة وبطيئة ع?ى أرض الواقع، وينتهي بعضه الآخر محفوظاً في سجلات الأرشيف لرفع العتب إذا ما اقتضى الحال يوماً.

وقد يتساءل المرء حول العلاقة بين كثرة الأيام الدولية التي تتبنى الكثير جداً من القضايا الإنسانية، وطبيعة المنحدر الذي تسقط فيه الإنسانية يومياً مع كل فشل، أو انتهاك لكرامة الإنسان، أو المساس بأبسط حقوقه، فنحن نحتفل بالفتاة في يومها، لتُغتال براءتها وطفولتها في اليوم التالي بإسم التحرش والتنمر والعنف والتمييز في الجنس، ونحتفل بيوم المرأة، لنصادر في اليوم الذي يعقبه حقها في الطموح و اتخاذ القرار، والمشاركة في الحياة العامة، ونزيد أعباءها، ونُسند المزيد من الأدوار الإضافية لها، فنستهلك مخزون عاطفتها على آخره،?ونتركها حبيسة للصورة الجمعية التي اختارها لها المجتمع، الذي يواجهها بالعنف، واللوم غالباً، وفي يوم دولي آخر نحتفل بالتعليم، وعلى الطرف الآخر من منصات الاحتفال يجلس آلاف من الأطفال والشباب الذين شردتهم الحروب، وغرس الفقر مخالبه في أعمق تفاصيل حياتهم ليحرمهم حقهم الطبيعي في التعلّم واختيار شكل المستقبل، وفي يوم واعد آخر تستيقظ البشرية على أنباء الاحتفال بيوم العمال، فتنهال التهاني عليهم، وتتغنى بسواعدهم القوية، وفضلهم على خطط التنمية، ومشاريع البناء والتحديث مئات القصائد والخطابات، وما أن تلوح في الأفق بوادر?أزمة ما اقتصادية كانت أو صحية، حتى نضرب بكل ما تغنينا به عبر مكبرات الصوت والإعلام الاجتماعي عُرض الحائط، فيصبح تسريحهم التعسفي، وتخفيض أجورهم طوق النجاة الذي يوصلنا إلى برّ الأمان، ونحن الذين أطلنا إعراض الوجه عن بطالة تراكمت حتى صارت وجهة لمستقبل الخريجين وحملة المؤهلات العلمية والمهنية، ونمضي مصرّين على مداعبة نداءات الإنسانية في أيامها الدولية ؛ فنتغزل على طريقة المجتمع الدولي بيوم الفقر، فيأتي اليوم المنتظر للاحتفال في فنادق فخمة، وموائد مليئة بأصناف العصائر والمقبلات والأطعمة الشهية، ورجال ببدلات أني?ة حيكت أسماء أرقى وأغلى الماركات العالمية على ليبلاتها، وكأنها حفلة تنكرية دُعي إليها الجميع ما عدا الفقراء، ويبدأ الحديث عن كابوس الفقر الذي سمعوا عنه أو شاهدوه في زيارة خاطفة هنا أو هناك بحكم مسؤولياتهم ، ويتمكن الصداع من الرؤوس بالحديث عن إحصائيات طويلة، وعروض تقديمية متخمة بصور المجاعات، والأحياء العشوائية، وأطفال بلا مأوى، ونساء ضاعت ملامحهن وهنّ يسعين ضمن المتاح لدفع براثن العوز عن أطفالهن، لتغرب شمس ذلك النهار وقد صدر الحكم بإعدام الفقر رمياً بالحبر على الورق، وتستيقظ البشرية على يوم دولي آخر ؛ إنه ?وم الطفل، اليوم الذي يغرق بالحنان، ويصطبغ بألوان الفراشات، وسط أحاديث دافئة عن حقوق الطفل في الأمن والاستقرار والتعليم واللعب، لكنّ كمية الحنان المتدفقة في ذلك اليوم، وكلّ الألوان الزاهية التي اصطبغ بها، لم تكفِ لتحتضن الأطفال العاملين في الورش والمحلات الصغيرة، أو المتسولين في الشوارع، ولم تكن ذات الكمية كافية لتُسكت جوع طفل أتت الحرب على موطنه وقوت أسرته، ولم تكن كافية لتحمي الأطفال الذين يتعرضون للإساءة والعنف والاستغلال بكافة أشكاله، وتمضي البشرية في غزلها العُذري لحقوق الإنسان، وتسعى بإصرار على تهذيب ?لاقته بما يُحيط به من عطايا الخالق، فتحتفل على عادتها بيوم الأرض ويوم الشجرة ويوم الماء، حتى الأسماك لها يوم في روزنامة الاحتفالات الدولية، لكنّ ذات البشرية تصمّ آذانها، وتغض بصرها كما تفعل النعامة، وتمضي في سلوكها المستنزف لثروات الأرض والمدمر لمكوناتها الحيوية ؛ مقدمة مصالحها وأهدافها على كلّ صافرات الإنذار التي تُحذر من النهاية المأساوية للكوكب إذا ما استمر نهج الإنسان على ما هو.

365 يوماً لا أعتقد بأنها كافية لكل أحلام المنظمة الدولية للاحتفال والتذكير والتوعية، ولن تكفي ثلاثمئة أخرى لو تسنى لنا إضافتها، فأمام كل صوت إنساني غيور وصادق وجاد في مسعاه نحو جعل الأرض مجتمعاً إنسانياً تُحترم فيه الذات الإنسانية، وتُصان فيه الحقوق والحريات دون تفريق في العرق أو الجنس أو المُعتقد، يوجد آلاف ممن تجردوا من كلّ معاني الإنسانية، وهم ينالون في كلّ يوم من حقوق المرأة والطفل والعامل والبيئة، بإسم الحرب والجريمة والعنف والشرف والفقر والجوع والأزمات والصراعات السياسية والمنافسات الاقتصادية، فلم يع? ذلك الأسلوب الفانتازي في القضاء على صور الفشل الإنساني ناجحاً أو مقنعاً حتى على مستوى أضعف درجات الإيمان في التغيير، فجدارة الاحتفال تقتضي مساواة الجميع ممن يحملون جنسية البشر، في فرح الاحتفال دون استثناء، وإن استحقاق الاحتفال يقتضي الانتصار على كل ما من شأنه عرقلة الجهد البشري في الارتقاء في مراتب الإنسانية إنجازاً لا خطباً رنانة وشعارات براقة وهتافات خاوية ، وما السبيل للاحتفال وكلّ مشاهد الظلم والقهر تملأ ذاكرة ووجدان ما بقي في أعماقنا من إنسانية؟!، وما السبيل لنمحي كلّ تلك المشاهد المأساوية من صفحات ا?تاريخ الذي سيروي للأجيال القادمة فصلاً أليماً من حياة الإنسان؟!، إنسان عصر التكنولوجيا والعولمة والاتصالات والفضاء، وإنسان الحرب والقتل والعنف والتمييز والجوع والفقر.

أخصائي علم الاجتماع

Dr.Amer.Awartani@Gmail.Com