أبواب - زياد عساف

ليلة لا تنسى جمعتنا ذات مساء بالفنان فريد شوقي ضمن واحدة من أمسيات مهرجان دمشق السينمائي وراح وقتها يحدثنا بزهو كيف استطاع من خلال فيلمين سينمائيين من أعماله أن يُعَدِّل من قوانين تتعلق بأصحاب الأسبقيات و المساجين، إذ ساهمت أحداث فيلم (جعلوني مجرما) 1954 من تأليفه و بطولته بتحريك الرأي العام و الغاء السابقة الأولى من الصحيفة الجنائية للمذنب ليتمكن من بدء حياة جديدة، وفيلمه الثاني (كلمة شرف) 1972 كان المحرض أيضاً على تعديل القانون المصري بحيث يُسمح للسجين بزيارة الأهل و المقربين وضمن الحالات الإنسانية التي ?ستدعي ذلك.

جدل..

العودة لهذه الحكاية لم يكن بدافع الحنين أو النوستالوجيا، وإنما تأكيداً لإخفاق السينما العربية عموماً عن القيام بدورها التنويري وإمكانية إحداث التغيير في القوانين والسلوك على هذه الشاكلة ما أدى لحالة الجدل الحاصلة الاّن ما بين النقاد والمشاهدين من جهة، وصناع السينما من جهة أخرى جراء ظاهرة البلطجة التي بدأت تعم مصر وبعض البلاد العربية، وراح الطرف الأول يدين السينمائيين باعتبارهم سبباً رئيسياً في نمو هذه الظاهرة من خلال ما يقدمونه من أعمال تحرض على العنف وباتت تعرف بأفلام البلطجة، وجاء رد الاّخرين التقليدي عل? هذا الإتهام بأنهم يعكسون الواقع كما هو تحت حجة أن الفن مراّة المجتمع وليس من مهامهم التغيير (واحترنا يا قرعة منين بدنا نبوسك !).

رصد سينمائي..

تشير المعاجم وبعض المصادر أن وصف بلطجي كان يُطلق على حامل البلطة المتقدم لصفوف الجيش العثماني في القرن الثالث عشر ومهمته تقطيع الأشجار التي تعترض طريقه كي يتسنى للجيش المسير بأريحية لمتابعة غزواته، ولم يتوقف جرمه كمعتدي على البيئة بتقطيع الإشجار، وإنما بما أحدثه من بيئة اجتماعية فاسدة بعد أن أخذت هذه المهنة أشكالاً أخرى وتوسع نفوذها وصلاحياتها حتى باتت تحل مكان السلطة خاصة بالفترات التي كانت تخضع بها البلاد لحكم الأجنبي والمستعمر وما ينجم عنه من غياب للقوانين الفعالة الحامية لحقوق الفقراء والناس العاديين ح?ى باتوا مطمعاً سهلاً لهذه الفئة من الخارجين على القانون، السينما اجتهدت بدورها في رصد معظم هذه الشرائح من البلطجية وحسب طبيعة المهام التي يقوم بها كل فرد منهم.

فتوات الحسينية..

الفتوة كانت واحدة من هذه الظواهر التي رصدتها السينما المصرية وقدمته بأغلب الأفلام كبطل مهمته نصرة الفقراء والمعدمين يعيد الحق المسلوب لصاحبه ويفرضون الأتاوات على الأغنياء ليقدموها للفقراء من أهل الحي أو المنطقة التي تقع ضمن نفوذهم.

هذه الفئة كانت حائط صد في وجه فئة أخرى من الفتوة يحملون صفة البلطجة بمعناها الحقيقي واستخدموا قوتهم وإمكانياتهم بالتنكيل في بسطاء الناس وسلب حقوقهم.

دارت معظم أحداث أفلام الفتوة حول الصراع ما بين هاتين الفئتين كصراع ما بين الخير والشر، لينتصر الخير في النهاية تعزيزاً للرسالة الإنسانية التي سعى المؤلف لإيصالها للمشاهد، وكانت معظم هذه الأعمال من تأليف صاحب جائزة نوبل الأديب نجيب محفوظ. يعتبر النقاد أن الفيلم الأول الذي تطرق لهذه الظاهرة: (فتوات الحسينية) 1954 لنجيب محفوظ وتلتها أعمال أخرى من تأليفه أيضاً فيما بعد ومنها: فتوات بولاق، سعد اليتيم، الشيطان يعظ، شهد الملكة، المطارد، الحرافيش، الجوع والتوت والنبوت.

ومن النجوم الذين برعوا في تجسيد شخصية الفتوة: فريد شوقي ونور الشريف وأحمد زكي وعزت العلايلي ومحمود عبد العزيز ومحمود ياسين.

قدرات..

أهم ما يميِّز نجوم سينماالزمن الجميل مقدرتهم على التنوع في أداء الأدوار وهذا ما يفسر قدرة الممثل اّنذاك على تقمص أدوار الشر بحرفية تتوازى مع الأدوار الأخرى الرومانسية والإجتماعية والوطنية، يستثنى من هذه الأدوار المطربين الذين ظهروا بأعمال سينمائية رومانسية والتي تتنافى مع هذا النوع من الشخصيات ولا يتقبلها الجمهور أصلاً، ومنها على سبيل المثال أفلام محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش ومحمد فوزي وعبد الحليم حافظ.

منذ أول عهد الإنتاج السينمائي في مصر برزت شخصية البلطجي على الشاشة تحت مسمى أدوار الشر، ومن أشهر من قدم هذه النوعية من الأدوار محمود المليجي وفريد شوقي واستفان روستي وتوفيق الدقن وعادل أدهم وزكي رستم، وفيما بعد أحمد زكي ونور الشريف ومحمود عبد العزيز وعادل إمام.

فؤاد الشامي ..

ومن هذه الشخصيات التي علقت في أذهان المشاهدين: الدور الشهير للفنان محمود المليجي في شخصية (الوحش) بفيلم يحمل نفس العنوان إنتاج 1954، والفنان توفيق الدقن في دور أمين بفيلم: (سر طاقية الإخفاء) 1959، وأبودومة بفيلم (مولد يا دنيا) 1976، محمود فرج في دور البلطجي بفيلم (صراع في النيل) 1959، فريد شوقي بفيلم (سلطان) 1958، وكمال في (هارب من الأيام) 1965، شكري سرحان في دور سعيد مهران فيلم (اللص والكلاب) 1962، عبدالله غيث في دور أدهم بفيلم (أدهم الشرقاوي) 1964 ويمارس البلطجة بهذا العمل على المحتل البريطاني.

الفنان كمال الشناوي الذي أحبه جمهور السينما بأدواره الرومانسية، أبدع أيضاً في شخصية البلطجي عباس ابو الدهب بفيلم (المرأة المجهولة) 1959 ويقوم بفرض سلطته على الراقصات وبائعات الهوى وكانت هذه واحدة من المهام التي يقوم بها بعض البلطجية ولا زالت هذه المهنة حاضرة لغاية الاّن، وكرر هذا الدور الفنان عادل أدهم في شخصية فؤاد الشامي بفيلم (إمتثال) 1972، نور الشريف (شوارع من نار) 1984، وعادل إمام (خمسة باب) 1983.

غارو..

السينما اللبنانية بدورها قدمت شخصية القبضاي وهي صفة تطلق على صاحب القبضة القوية الذي يدافع عن حقوق الاّخرين وهو نموذج للبلطجي (الإيجابي) الذي يسخر قوته لصالح الناس، وتم تناول هذه الشخصية بالفيلم اللبناني (غارو) إنتاج 1963، وقام بدور البطولة الفنان اللبناني منير معاصري، ويحكي العمل قصة القبضاي الأرمني غارو والذي أجبرته الظروف للتحول للبلطجة وتهريب المخدرات، وكانت النهاية وفاته أثناء مطاردة الأمن اللبناني له، ويرى النقاد أن هذا العمل كان نقلة نوعية في مسيرة السينما اللبنانية، وقدم أيضاً المطرب اللبناني محمد ?رعي شخصية القبضاي بفيلمي: (بياع الخواتم) 1965، و(سفر برلك) 1967.

ومن سوريا اشتهر الفنان ناجي جبر بشخصية البلطجي الظريف (أبو عنتر) بمجموعة من الأفلام ومنها: ابوعنتر بوند، غوار جيمس بوند، هاوي مشاكل، صح النوم والإستعراض الكبير.

فروق..

ما سبق ذكره من أعمال سينمائية لم يشكل خطراً على طريقة تفكير وسلوك الأجيال السابقة مع تباين هذه الأفلام بين الجيد والعادي أو المسلي، ونهاية هذه الأفلام تنتصر للحق فالمذنب سيدفع حتماً جزاء أفعاله ويعود الحق لصاحبه سواء كان أموال منهوبة أو تهمة تعرض لها بريء.

و لا خلاف مع ما يجمع عليه نقاد ومهتمون في مجال السينما أن الشباب والمراهقين اّنذاك لم يتقمصوا أدوار الشر ويقلدوا شخصية الممثل (البلطجي)على أرض الواقع كما يحدث الاّن بعد أن غدت أفلام البلطجة موضة ومكسب مضمون للمنتج، وأغلب هذه الأعمال لم تعتمد على مرجعية قانونية أو اجتماعية في تناول قضية البلطجي على الشاشة الفضية، إذ من الممكن أن يرتكب هذا الشخص الجرائم وبطريقة مقلدة للسينماالأمريكية مع توظيف التقنيات بطريقة مبهرة ومثيرة، ثم ينتهي الفيلم دون محاكمة للبلطجي ويعود لممارسة حياته العادية أو يكافىء من رجال الشرطة?على مساعدته لهم بإخلاء سبيله وكأن القانون مغيَّب في هذه الحالة، أو في الثواني الأخيرة من الفيلم يتم تصفيته بطريقة مؤثرة تشعر المشاهد أنها نهاية بطل لا مذنب أو مدان، ولم يبق على الجمهور المندمج بهذه المشاهد سوى الذهاب لأداء واجب العزاء تأسياً على البلطجي المأسوف على شبابه!، بعد أن ترسخ في اللاشعور عند الشباب بعد مشاهدة هكذا نوعية من الدراما السينمائية، أن البلطجة بطولة وفي الوقت نفسه تؤدي للغنى والرفاهية !.

شكوك..

وقبل الغوص في هذا النمط من الأعمال لابد من التوقف بداية عند فيلم (حين ميسرة) 2007 للمخرج خالد يوسف، إذ رغم إشادة النقاد بفكرة ومضمون الفيلم إلا أنه واجه نقدا لاذعاً فيما يتعلق بمشاهد العنف المروعة عبر أحداث الفيلم.

نقد لا يخلو من التشكيك فرض نفسه فيما يتعلق بنوايا منتجي وصناع السينما ممن اشتهروا بهذه النوعية من الأفلام والتي واجهت جدلاً عاصفاً ومنها: (إبراهيم الأبيض) للفنان أحمد السقا إنتاج 2009، وما بعد ثورة يناير قدم محمد رمضان مجموعة من الأفلام تصب في هذا المنحى ولاقت صدى عند الصغار من الشباب والمراهقين حتى باتوا يقلدون رمضان في لبسه وطريقة استخدامه للسلاح الأبيض في أفلامه، وارتكبت جرائم حقيقة كما ذكرت بعض المواقع الألكترونية وكانت تقليدا أو تأثراً في مشاهد من هذه الأفلام ومنها: عبده موتة 2012، الألماني 2012، قلب الأسد 2013، شد اجزاء 2015 وجواب اعتقال 2017.

وتماشى مجموعة من نجوم السينما الحاليين مع موضة أفلام البلطجة مثل أحمد عز بفيلم: (أولاد رزق) 2015، اّسر ياسين فيلم (من ظهر راجل) 2015.

بعد الموقعة..

ويبقى فيلم (بعد الموقعة) 2012 للمخرج يسري نصرالله أحد الأعمال التي تستحق الإشادة فيما يتعلق بتناولها لشخصية البلطجي من منطلق إنساني، والدعوة لإعادة دمجه في المجتمع كون ما دفع هذه الفئة لترويع الناس في ميدان التحرير وحسب رؤية نصرالله الحاجة وسوء الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية خاصة أن نسبة كبيرة منهم أصحاب خيول وجِمال يسترزقون منها من خلال السائحين القادمين لمنطقة الهرم وكانت الثورة سبباً في قطع أرزاقهم.

تقييم..

و كأي ظاهرة سينمائية لا بد أن تتعرض للتقييم والنقد خاصة أن البلطجة أصبحت واقعاً اجتماعياً في مصر رسخته الأحداث أثناء وما بعد الثورة، بل أصبحت مؤثرة في الحدث عبر توظيفها لإحداث الإنفلات الأمني والفوضى، ومن خلال متابعة المقالات الصحفية والبرامج المرئية نخلص لنتيجة يؤكدها العديد من الصحفيين والسينمائيين ومفادها أن أفلام البلطجة يشوبها الكثير من الأخطاء والخطايا أيضاً إذ لم تتطرق أغلبها للظروف الإجتماعية والإقتصادية التي دفعت بهذه الفئة للإنحراف، ويعلنها بعض النقاد والمتهمين صراحة أن هذه الأعمال يكمن خلفها رؤو? أموال مجهولة النسب غايتها تشويه ثورة 25 يناير 2011، في الوقت نفسه يتحمل جمهور هذه الأعمال جزءاً من المسؤولية في استمرارية إنتاج أفلام من هذا القبيل.

معظم ما سبق من أعمال كان نتيجته الإخفاق ولم تحقق الغاية المرجوة من السينما أن الأسمى لرسالة السينما والفن عموماً أن ينتصر الجمال على كل ما هو قبيح، ويبقى السؤال الذي يلح في الخاطر :طالما أن أفلاما قليلة ساهمت وكما سبق باستحداث قوانين للحد من الجريمة والإنحراف، متى سيأتي اليوم الذي تقوم به السينما وكسلاح إعلامي بالمساهمة مع الإجهزة والمؤسسات الأخرى بمنع الجريمة قبل وقوعها؟.

مشهد أخير..

المخرج صلاح أبوسيف وحسب رأيي الشخصي سبق زمنه في ما نرمي إليه، وتفوق على معظم ما تم ذكره من أفلام وفي مشهد واحد تحديداً، هو اّخر مشهد من فيلم (الفتوة) 1957 عندما يؤدي الصراع بين بلطجية سوق الخضار (هريدي وأبوزيد) لنهاية كليهما، ثم يظهر محمود المليجي كضيف شرف في اللقطة الأخيرة كمؤشر لميلاد بلطجي جديد أراد أبوسيف من خلاله أن يحذر من هؤلاء في القادم من السنوات، وهذا ما قد كان إذ أصبح ل(البلطجية) الاّن دورهم المؤثر بالتحكم في قوت الغلابا وترويع المجتمع، وتوظيفهم لخدمة مصالح المتنفذين في عالم الفساد المالي والسيا?ي والإنتخابات النيابية، وبانتظار من يقرع الجرس .!