أنهت الهيئة المستقلة للانتخاب مرحلة جديدة من مراحل العملية الانتخابية تتمثل باستكمال مرحلة الترشح ونشر القوائم الانتخابية نهائية، حيث يفترض بهؤلاء المترشحين التواصل مع جمهور الناخبين لإقناعهم ببرامجهم الانتخابية ودفعهم للتصويت لقوائمهم الانتخابية، وذلك ضمن ما يعرف بالدعاية الانتخابية. وهذه المرحلة لن تكون كسابقاتها في السنوات الماضية، حيث القيود التي جرى فرضها على المقرات الانتخابية كتدابير وقائية بهدف الحفاظ على الصحة والسلامة العامة.

ويبقى التحدي الأبرز في مدى القدرة على تكريس حرية الناخبين في اختيار القوائم الانتخابية التي يريدونها والمترشحين فيها دون ممارسة أي نوع من الضغوطات عليهم، والتي تتعدد من حيث أشكالها وأنواعها. فمن أهم الضغوطات التي يتعرض لها الناخب الضغوط المالية، والتي تتمثل بقيام المترشحين أو مندوبيهم بعرض مبالغ من المال عليهم مقابل شراء أصواتهم، مستغلين ظروفهم المادية الصعبة. وقد تصدى قانون الانتخاب الحالي لهذا النوع من الضغوطات الانتخابية بأن تشدد في العقوبات المقررة على جريمة شراء الأصوات بأن اعتبرها جناية تصل مدة الحبس?فيها إلى سبع سنوات، بالإضافة إلى معاقبة كل من المترشح الراشي والناخب المرتشي بالعقوبة ذاتها.

أما النوع الثاني من الضغوطات التي يمكن أن تمارس على الناخبين، فهي ضغوطات إعلامية والتي تتمثل في احتكار بعض القوائم الانتخابية والمترشحين فيها لوسائل الإعلام السمعية والبصرية لممارسة الدعاية الانتخابية. وقد نظم قانون الانتخاب الحالي حق المترشحين في ممارسة الدعاية الإعلامية بأن فرض على وسائل الإعلام الرسمية معاملة جميع المرشحين خلال مدة الدعاية الانتخابية بحياد ومساواة.

ويبقى النوع الثالث من الضغوطات على الناخبين والذي يتمثل في كثرة استطلاعات الرأي التي تجريها مراكز الدراسات ومؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام الخاصة حول نسبة المشاركة المتوقعة في الانتخابات القادمة بالمقارنة مع الانتخابات السابقة، بالإضافة إلى توقعاتها لهوية الأشخاص الفائزين في كل دائرة انتخابية وحصة المترشحات من النساء في المجلس القادم.

إن لهذه الاستطلاعات غير الرسمية والتي لا تجرى على أسس علمية سليمة آثار سلبية جمة على إرادة الناخبين. فإن أظهرت هذه الإحصائيات أن فرص نجاح حزب سياسي أو قائمة انتخابية ضعيفة، فإن ذلك سيؤدي إلى تراخي مؤيديها وتراجعهم عن التصويت لصالحها رغم اقتناعهم ببرامجها الانتخابية. أما إذا كانت التوقعات تشير إلى أن المنافسة بين القوائم الانتخابية والمترشحين فيها شديدة ونتائجها متقاربة، فإن ذلك سيزيد من التوتر بين المترشحين في تلك الدوائر الانتخابية بشكل سيدفعهم إلى ممارسة ضغوطات مالية على الناخبين وشراء أصواتهم.

إن الحاجة ماسة إلى تنظيم عملية استطلاعات الرأي التي تجرى خلال فترة الانتخابات النيابية، وذلك بتحديد طبيعة تلك الاستطلاعات التي يمكن إجراؤها والجهات المخولة بالقيام بها، وذلك نظرا لأثارها السلبية على إرادة الناخبين. فهناك دول متقدمة تحظر مثل هذه الاستطلاعات بشكل كامل، ومثالها فرنسا حيث يحظر قانون الانتخاب فيها لعام 1977 أن يتم أثناء الحملات الانتخابية ويوم الانتخابات نشر أي استطلاع رأي يتعلق بسير الانتخابات والنتائج المتوقعة بأي وسيلة كانت.

*أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية

laith@lawyer.com