تابعت بتأثر وتعاطف وقائع الحفل الذي أقيم الاربعاء الماضي بحضور الرئيس الفرنسي ماكرون, في حرم جامعة السوربون العريقة لتأبين استاذ التاريخ سامويل باتي الذي قُطعت رأسه على يد متطرف إسلاموي من اصول شيشانية اسمه عبدالله أنزوروف, ثأراً او تحريضاً كما تبين لاحقاً, لقيام هذا المُدرِّس الاربعيني بعرض رسوم قديمة تسيء للرسول الكريم, بعد طلبه من الطلبة المسلمين مغادرة غرفة التدريس.

وكم أجّْجتْ مشاعري كلمات الاغنية التي اختارتها عائلة الضحية لتذاع قبل بدء الحفل لفرقة «يوتو الايرلندية» بعنوان «وَنْ» (واحد)..حيث كان رد فعل الحضور عاصفة من التصفيق, انتصاراً لما انطوت عليه كلمات الاغنية من معان سامية, تجسّد معنى التضامن الانساني والمصير الواحد للبشرية. لكن ما صدمني حدود الغضب, هو ما جاء في كلمة الرئيس الفرنسي, الذي وإن بدا عليه التأثّر والغضب المشروع, إلاّ انه ذهب بعيداً في بث روح الكراهية والإصرار على تحدّي مشاعر الكثيرين, الذين شاركوا فرنسا وشعبها وخصوصاً عائلة الضحية أحزانهم وعبّروا بك?مات وبيانات وتصريحات عن ادانتهم الصريحة للجريمة النكراء التي ارتُكبت بحق هذا الانسان, بصرف النظر عن قناعاته وآرائه السياسية والفكرية، والتي يجب مواجهتها بالحوار بعيداً عن العنف والإرهاب المادي او والفكري.

ماكرون الذي دان بأشد العبارات الجريمة, ادار ظهره بازدراء لكل الذين تضامنوا مع بلاده وشجبوا الجريمة ودوافعها الشريرة, عندما قال بتحدٍّ: إن بلاده «لن» تتخلى عن الرسوم الكاريكاتورية. وهنا تتدفق الاسئلة عن جدوى الاحتفاظ برسوم بائسة, لا تُسهم إلاّ في تأجيج المشاعر وتقديم هدايا مجانية للجماعات المتطرفة «في الجانبين» لتوظيفها في تعميم خطاب الكراهية والتحضير بحماسة لحروب الاديان, ومنح أشرعة الارهابيين في الخنادق المُتقابلة المزيد من الرياح, لمواصلة اللعب على مشاعر وأحاسيس جمهور مُحبَط ومشحون, بات يرى في الارهاب وس?لة لتحقيق أهداف مُتهافتة, مستغلاً حال اليأس والفقر وانعدام المساواة وغياب العدالة وسيادة الإستبداد وشيوع الفساد وتفشي البطالة والامراض والاوبئة, للخروج على الناس بخطاب يدعو الى قطع الرؤوس وإعدام المخالفين وتكميم الافواه, والتي من اسف باتت هي الاخرى «أداة» فاعلة في وسائل الاعلام الغربية, التي تُواصل المس بمشاعر ملياري مسلم, عبر الربط بين جماعات منبوذة من الارهابيين والدين الاسلامي.

وما نشاهد ونقرأ عنه في وسائل الاعلام الغربية وخصوصاً الفرنسية, يزيد من الهلع في الكيفية والقدرة التي يتمتع بها هؤلاء, للخروج على ابسط قواعد الحوار الحضري والفكري, والهبوط الى قاع التحريض وبث الكراهية كما يقول رموز اليمين الفرنسي الفاشي, عندما يُبدون «القلق» من وجود مُنتجات «حلال» في مراكز التسوق الكبرى تخص «الجاليات» ويرون في ذلك تغذية لـ«الإنفصال», فيما تَعجّ مراكز التسوق ذاتها بـ«الكوشر» اليهودي, وتُرفَع الرموز والازياء التوراتية في الشوارع والنواصي, لكن يتم طعن والمسّ بمشاعر كل من يرتدي ملابس تدل على ان? عربي أو مسلم.

فهل هكذا تتم مُحاربة الارهاب ودحر خطاب الكراهية ونبذ التطرف ومعاقبة من يريدون شراً بِقيَم..«الجمهورية», فخامة الرئيس ماكرون؟

kharroub@jpf.com.jo