د. نادية هناوي

للنصوص الإلهية والكتب السماوية ميزاتها الاعتبارية والفنية وهي إلى جانب صفة التقديس التي تحيطها، فإنها نصوص تأسيسية وضعت للبشرية موازين الحياة بكل أبعادها المعرفية ومنها البعد الإبداعي الذي جعل الإنسان يقف مذهولا أمام بداعة الصانع الخالق الحق وما يمكن للمخلوق أن يستقيه منه ويبني عليه فعلا إبداعيا يستقي مظانه من النص المقدس بمخيلة تتوفر فيها صفة الجمالية النسبية.

وحين بُهتت العرب أمام النص القرآني كان تأثيره كبيرا وهو يوقظ الإبداع الأدبي واضعا للمنظومة الثقافية أركانا جديدة يتوطد فيها القديم وتضيف إليه الجديد، معيدة استنهاض طاقاتها اللغوية نحو المزيد. وهكذا راح الشعراء والأدباء يستقون من النص القرآني المقدس بهاءه، مضيفين إلى إبداعاتهم اقتباسات مضيئة تعزز نهجهم الثقافي وتدلل على إمكانات المخيلة لديهم. وواحدة من بهاءات النص القرآني وروائعه ما أعطاه لأسلوب القص من أهمية فنية بها تستجلب الأذهان وتجتذب الحواس والآذان حاملة السامعين على التدبر في دلالات الشخوص تاريخا ومو?قف وصياغات جمالية وموضوعات روحية باتجاه الاعتبار والتصديق مع المحافظة على عنصر الإمتاع والتشويق.

ولقد قيل في بنائية القصة القرآنية ومضامينها الشيء الكثير، وانبرت أقلام المفكرين والكتّاب والباحثين تتبارى في التدليل على فنية القصة في القرآن ودلائلية فعلها وتأثيرها في النفوس مع خصوصية ما تضفيه على عملية الإبداع من تناصات تحقق وظائف تربوية وأخلاقية.

وفنية القصة القرآنية تجعلها مستمرة باستمرار الفعل التاريخي، وقد تغلغل في الماضي وكمن في الحاضر وتقدم إلى المستقبل. وبذلك يتجاوز السرد فكرة أن التاريخ هو الماضي الغابر الذي ذهب وولى إلى غير رجعة، ويستبدل به معطى إيهامياً ينطلق من وقائع مضت لتبدو وكأنها تقع الآن، وأنها لا تتخصص في جيل ولّى أو في ماضٍ مضى أو في مكانٍ قد كان.

إن التوفيق بين القص التخييلي الذي عرفته العرب في ما قبل الاسلام والقص القرآني الذي له دوره في الأدب، أمر تحتمه طبيعة قوانين التطور وتستوجبه فرضياتها المنطقية. ولقد تمازج القصان القرآني بعصمته وخارقيته والقص الإنساني بتخييليته ونسبيته، فصنعا سرداً كانت قد دُشنت قوالبه أول الأمر في الحكاية العربية ثم توفرت متاحات تغيير هذا القالب باتجاه القصة التي مورست كتابتها تحت مسميات وأشكال اختلفت مع اختلاف العصور الإسلامية.

ولقد استلهم الحكّاء الإسلامي من القص القرآني الشخصنة التي تعطي للفاعل السردي شكلا إنسانيا تلتف حوله خيوط الأحداث ممحورة الزمان والمكان بموجهات فنية ولغوية معينة جامعة التخييل بالتحقيق جاعلة منهما فعلا محتملا. ولولا وجود القص في القرآن لأُلغي السرد من الأدب أو وربما حُرم بسبب ما في السرد من مذمومية الكذب التي تجعله رذيلا غير صالح لتربية النفوس وتهذيب أخلاقها وهو ما تعضده الرؤية المثالية الأفلاطونية.

ولقد ازدرى أفلاطون الشعر وجعل وجود الشاعر في المدينة الفاضلة ثانويا لا لشيء إلا لأن الشعر لا يصلح للنظرة المثالية التي تقدم المعنى الأخلاقي على المعطى الجمالي، كما أنها تسفه التخييل وتمقته.

والفلسفة الإسلامية لم تكن مثالية متعالية ترتكن إلى المثال وحده، وإنما أقرت إلى جانبه النظر العقلاني الذي يرى الواقع بمختلف المناظير المثالية والعقلية والشعرية. ولهذا كان الفارابي عقلانيا وهو يعتمد الفكرين الأفلاطوني والأرسطي قائلا بالفضائل الأخلاقية غير متجاوز في الوقت نفسه للفضائل الجمالية المتولدة من الاستماع للشعر والموسيقى والغناء، لأن لهذه الفنون دورها أيضا في تربية النفوس وتهذيبها وإن اعتمدت الخيال جزءا أساسا في عملها.

ولطالما ظل التخييل في المنظور الثقافي المتعالي يعني الافتراء الذي هو مضاد للتحقيق. لكن خارج إطار هذا المنظور كان التخييل قابلا للتصديق والتطبيق ومحتملا في وقوعه ومتضمنا مع الفضيلة والمنفعة، وهو ما تفسره القصة القرآنية التي رسخت الاعتقاد بفاعلية القص في التفكير مع إمكانية التلاقي بين التخييل والتحقيق على المستوى الإبداعي لتكون لهذا التلاقي تأثيراته على المستوى العملي أو السلوكي.

ومن الافتراء والتصديق يتكون السرد فعلا لغويا لا قطعية فيه، كما لا ثبوتية له، فعل تعتوره عملية التهجين غير خاضع للتصديق والتكذيب، وإن ما يضمن للتهجين الرواج والتأثير قابلية الفعل السردي على تطعيم البعد التاريخي بالبعد التخييلي، حيث الأول هو الأساس الموضوعي في القصة القرآنية الذي توظَّف له ممكنات الجملة السردية، والثاني هو الأساس الجمالي الذي يستنفر في القصة القرآنية ممكناتِ اللغة الشعرية.

وكان الناقد «نورثروب فراي» قد مال إلى تعميم البعد التخييلي وتغليبه على البعد الواقعي وهو بصدد تحليل مدونة الكتاب المقدس، مؤكدا أن المعايير الخيالية تنطوي على احتكار للحقيقة وأنها المعايير الوحيدة المتماسكة، ولـ"فراي» رأي مهم في القرآن الكريم يقرر فيه واحدية القرآن واللغة العربية، وأن القرآن يتداخل مع سمات اللغة ونسق كلماتها، في قوله: (يتداخل القرآن بالخواص المميزة للّغة العربية، حتى إن اللغة العربية ذهبت عمليا إلى كل مكان وصل إليه الدين الإسلامي» (المدونة الكبرى الكتاب المقدس والأدب، ص39). والسؤال هنا: إذا?كانت لفظة (القص) معروفة عند العرب، فلماذا لم ينص المدونون عليها؟ وما مبررات استعاضتهم عنها بالرواية والأخبار والحديث والحكايات؟ هل كانوا حذرين من أن تحصل مقابلة بين ما يكتبونه وما دوّن في القص القرآني؟

يبدو أن إحساس الكاتب العربي أنّ عليه أن يكتب شيئا ليس فيه إحالة على القرآن الكريم هو المحذور المأخوذ بعين الاعتبار. ولا نكاد نجد في تصنيف النقاد القدماء لفنون النثر إلا السجع والخرافة والحكاية والخطابة والنسابة والرسائل والمقامة وغيرها، بينما لا نجد للقصة كنوع نثري أيّ إشارة في تلك النقود.

وكنتيجة طبيعية لهذا الإغفال النقدي، لم تتحدد للقصة قاعدة فنية يستند إليها فعل الإبداع باتجاه التوليد في الحكي وتنويع ميادينه، فظلت ألفاظ (الرواية والإخبار والحكاية والحديث) هي البديل عن لفظة (القصة)، لكن استعمال لفظة (الإخبار) كان الأكثر تداولا من سائر الألفاظ الأخرى بعد أن انتفى دور الرواية بمعناها الشفاهي مع عصر التدوين للحديث النبوي الشريف والشعر وقواعد اللغة في حدود القرن الثالث للهجرة، لتحل مرحلة الكتابة التي فيها كانت كلمة (الإخبار) دالّة على القص.

أما لفظتا (الحكاية) و(الحديث) فكانتا متداولتين، لكن على نطاق أضيق قبل الإسلام، حافلتين بالخرافات والتهويمات التي لا تتلاقى خيوطها في حبكةٍ ما ولا يكون للمنطق دخل فيها، والسبب عدم قصدية التلاقي الطولي والعرضي في تشكيل البناء السردي، فلا تتجاوز الحكاية الفعل اللفظي ولا تستطيع سوى الإخبار.

إنّ ما أتاحته القصة القرآنية للسارد العربي والإسلامي القديم ليس تجاوز لفظية الإخبار إلى فعلية السرد وحسب، بل جعل القصة قادرة على إنتاج الأحداث أيضا بعكس الحكاية التي تقوم على إعادة إنتاج الأقوال، فضلا عن إبداعية القصة التي يمكنها أن تجعل أي عنصر من عناصر البناء القصصي فاعلا سرديا.

ولا مناص من أن يكون السارد القديم قد عرف كيف ينتفع من القصة القرآنية، جاعلا من الخاتم والعصا والقميص والفأس والدروع والمهد والكبش والكلب والحمار والبقرة والعجل والناقة والنهر والحوت والسد والكهف وغيرها كثير، فواعل سردية يمكن تطويعها بطريقة غرائبية تستلهم القص القرآني كي تنتج إبداعا سرديا، تحوز فيه الشخصية على البطولة بينما تلعب الشخصيات الأخرى دورا إسناديا وهي تشاركها السرد.

ولن تكون الشخصية رئيسةً مؤديةً لدور البطولة؛ إلا إذا تحلّت بالفضائل وناصرت الخير وعادت الشر وحاربته، مدافعة عن الحق ومناهضة الباطل، تيمنا بشخصيات القصة القرآنية التي تدفعها دماثة أخلاقها وعلو شأنها وسمو نفسها وبراءة عملها إلى الانتصار والغلبة في النهاية محققة أهدافها وواصلة إلى مراميها. وكذلك كانت شخصيات الأنبياء إبراهيم وموسى وعيسى ويوسف ويحيى وزكريا ويونس وغيرهم.

هذا على مستوى الشخصية. أما على مستوى الحبك؛ فإن السارد القديم كان في ما قبل الإسلام قد عرف كيف يسرد خيوط الحدث بطريقة تجعل التقديم استهلالاً والعرض نموّاً والنهاية تحصيلاً وخاتمة، لكن الذي استلهمه من القصة القرآنية شيء آخر أضافه إلى ما كان عنده من خبرة سردية مدعِّما بها مرجعياته القصصية، وأعني بذلك الكيفية التي تحيل الخيوط إلى امتداد طولي يماشي الزمن التاريخي من ناحية ويعطي من ناحية أخرى للحدث امتدادا ذا سعة عرضية لزمنٍ افتراضي قد يمطه وقد يقلصه بحسب الحاجة. وبهذا تتحرر الأفعال النحوية من الحكائية متجهة صو? السردية.

(ناقدة وأكاديمية عراقية)