بات من الأهمية بمكان الإستثمار بقوة في العلوم والصناعات المتقدمة والإستثمار في البنية التحتية غيرالمرئية كالتعليم والتدريب والأبحاث والتطوير جنباً إلى جنب الإستثمار في البنية التحتية المرئية. وبات أكثر ضرورة الإيمان بأن التخطيط للعلوم والتكنولوجيا والابتكار هو خارطة لبناء مستقبل واعد للأجيال القادمة. تُقدم هذه المقالة مراجعة أدبية لعدد من *المراجع المتوفرة حول هذا الموضوع.

"إن نقل التكنولوجيا الممارس في الدول النامية يتضمن إستيراد مصنع لمنتج والتدرب على تشغيله ومن ثم تسويق منتجاته وتتم عملية توطين التكنولوجيا عندما يتمكن المختصون المحليون من فهم عمليات الانتاج ومواصفات المواد المستعملة وعندما يكتسبون القدرة على تطويرها بما يجاري التطور التكنولوجي العالمي ليبقى المصنع مُنافساً عالمياً. أما توليد التكنولوجيا فيكون بايجاد تكنولوجيات جديدة مبتكرة أو مطورة محلياً يمكن بواسطتها تصنيع منتجات مستحدثة منافسة عالمياً."

إن التقدم العلمي والتكنولوجي في البلدان النامية يواجه العديد من العقبات الداخلية على الرغم من الدعم المالي المتزايد من حكومات هذه الدول والمساعدات من المنظمات الدولية للعلوم والتكنولوجيا، ومحاولات التخطيط العلمي والتكنولوجي. ويُعد التقدم العلمي مصدراً مهماً للرضا والمكانة العالمية، حيث تُقِدم العلوم والتكنولوجيا روابط دائمة مع العالم الخارجي. لذا من المهم ادراك أن تجاهل ضعف برامج ونشاطات العلوم والتكنولوجيا سيؤدي إلى هجرة دائمة لعلماء من الدرجة الأولى، الأمر الذي قد يمثل خسارة كبيرة في المجتمع.

من الناحية العملية، تستمر جميع البلدان النامية بالاعتماد إلى حد كبير على المعرفة العلمية والمعرفة الفنية المنتجة في البلدان المتقدمة. وتتمحور أنشطة البحث والتطوير المحلية في البلدان النامية في معظم الحالات حول مبادرات شبه بحثية في العلوم الاساسية والتطبيقية؛ مع تقدم ضئيل للغاية في الابتكار التكنولوجي. ورغم وجود بعض جهود البحث والتطوير التي تُبذل محلياً في البلدان النامية، وبتكلفة مالية كبيرة في بعض الأحيان، فإنها غالباً ما تُهدر بسبب عدم وجود روابط واضحة بين أنشطة العلوم والتكنولوجيا والأنظمة التعليمية والإنتاجية المحلية، ويؤدي ضعف هذه الروابط إلى اختلال التوازن بين الطلب على المعرفة المنتجة داخلياً والمعرفة الفنية واستيرادها. وما يلي يوضح بعض جوانب ضعف التقدم العلمي والتكنولوجي:

الأنشطة العلمية والتكنولوجية: رغم وجود مراكز البحث والتطوير في بعض جامعات البلدان النامية إلا أن مشاركة وإنتاجية الباحثون والتقنيون في أنشطة العلوم والتكنولوجيا والابتكار متواضعة إلى حدٍ ما. بإلإضافة إلى أن المستويات غير المرضية للتعليم العام والمهني والتقني بشكل خاص تؤدي إلى نقص كبير في عدد التقنيين اللازمين لدعم البحث والتطوير. هذا النقص، إلى جانب بيروقراطية القطاع العام، يزيد من ضعف الإنتاجية المنخفضة أصلاً للمؤسسات العلمية والتكنولوجية المحلية الصغيرة. علاوة على ذلك، فإن غياب أو ضعف آليات نشر العلوم والتكنولوجيا على جميع المستويات التعليمية يساعد في عزل العلوم والتكنولوجيا عن المجتمع، ويعيق امتداد الثقافة العلمية والتكنولوجية خارج النخب الصغيرة المشاركة مباشرة في البحث والتطوير.

المعرفة الفنية: يتم طلب المعرفة الفنية بشكل أساسي في البلدان النامية من الخارج أي من الدول الأكثر تقدماً، فمن ناحية ، تفضل المؤسسات الإنتاجية ، سواء كانت خاصة أو عامة ، التكنولوجيا ذات المنشأ الأجنبي لأن استخدامها ينطوي على مخاطر أقل من تجربة تقنيات جديدة منتجة محلياً إن وجدت. ومن ناحية أُخرى، يفترض النظام الإنتاجي المحلي أن الباحثين والتقنيين المحليين غير قادرين على إنتاج معرفة جديدة مفيدة والتي يمكن أن تحل محل إستيراد العلوم والتكنولوجيا. وبالتالي، فإن فكرة استيراد التكنولوجيا أكثر ملاءمة وربحية من المعرفة المحلية.

"وهنا تبرز جدلية "توطين التكنولوجيا" و"الإستيراد" إذ أن الإستيراد يشكل بديلاً سهلاً وسريعاً عن البحث العلمي والتطوير التكنولوجي للإرتقاء بما هو موجود. وبذلك يتحطم الجسر المشترك بين الإنتاج وبين المؤسسات العلمية التكنولوجية. لأن المنتج يتحول إلى مستورد، والمؤسسة التكنولوجية تنكفئ على نفسها. إن الإستيراد يمثل المدخل الأسهل للمؤسسات لحل مشكلاتها أمام المستهلك . فبدلاً من أن يتم تطوير أصناف من النباتات الزراعية مثلاً تتحمل الجفاف حرصاً على ضبط صرف المياه، تتحول الدولة الى الإستيراد. فلا الحكومة مطالبة بالبحث عن البدائل في هذه الحالة، ولا الباحثين التكنولوجيين مطالبين بتطوير البدائل. وفي هذه الحالة لن تتولد فرص عمل جديدة لمحاربة البطالة. إن الإستيراد يؤدي إلى تخفيض فرص الإبداع والإبتكار في تطوير الافكارالجديدة، وما ينبثق عنها من مشاريع ومنتجات حديثة، تحمل معها فرص عمل جديدة. وهكذا تبقى الأمور على ما هي عليه من التراجع العلمي والتكنولوجي."

الموارد المالية والإدارية: لا تخلو برامج العلوم والتكنولوجيا في البلدان النامية من ضعف كمية ونوعية الموارد البشرية المطلوبة فحسب، بل إن الموارد المالية والإدارية المتاحة محلياً للبحث والتطوير تظل غير كافية. وفي الوقت الذي يتم فيه إنفاق حوالي معظم الموارد المالية المتاحة بشكل أساسي من الدولة على الرواتب والأجور، فإن الأموال المخصصة لشراء 'الأجهزة' و 'البرامج الحاسوبية'، والتي لا غنى عنها للجهود العلمية والتكنولوجية الجادة وذات الصلة، إما نادرة أويتم شراؤها رغم وجودها في أماكن أخرى كان يمكن استغلالها لنفس الغرض.

الباحثون المتخصصون والمتفرغون: إن معظم مؤسسات البحث والتطوير، سواء الموجودة في الجامعات أو في مؤسسات القطاع العام الأُخرى تفتقر إلى الباحثين المتخصصين والمتفرغين، وبالتالي، فإن عدد قليل جداً من الباحثين والتقنيين يخصصون جُلَ وقتهم للبحث والتطوير.

مراكز العلوم والتكنولوجيا: إن عدم التوازن بين الأولويات الوطنية والتخصصات المطلوبة يؤدي إلى إهمال مجالات البحث والتطوير الهامة. وهذا يعكس حقيقتين: الأولى، أن مراكز العلوم والتكنولوجيا في البلدان النامية هي نتيجة مبادرات فردية عشوائية وغير منسقة، وثانياً، تنصب الجهود المبذولة على مجالات البحث والأولويات الرائجة في البلدان الأكثر تقدماً والتي لا تتناسب مع الأولويات الوطنية للبلدان النامية.

مخصصات للعلوم والتكنولوجيا: غالباً ما يكون عدد الباحثين في العلوم الاساسية أكبر، من المهتمين بالبحوث التطبيقية والابتكار التكنولوجي في معظم البلدان النامية مع شح الموارد المالية للبحوث الأساسية والتطبيقية للتنمية التكنولوجية على حدٍ سواء بسبب عدم اهتمام القطاع الخاص بشكل واضح بالبحث والتطوير.

ويُعيق توسع وتطور العلوم والتكنولوجيا في البلدان النامية مجموعة أخرى من العوامل، والتي تنشأ بسبب محاولات ضعيفة ومتفرقة لتخصيص المزيد من الموارد المالية والبشرية للعلوم والتكنولوجيا، وفي الغالب فإن هذه المخصصات لا ترتبط بالتخطيط الاجتماعي والاقتصادي الشامل ولا تدعمها استراتيجية طويلة أو متوسطة الأجل للعلوم والتكنولوجيا، والبرامج الموجودة في هذا الصدد لا تتعدى إرسال باحثين إلى الخارج للتدريب أو زيادة طفيفة في ميزانيات مؤسسات البحث والتطوير القائمة. ولا يتم تنسيق التدريب الخارجي مع زيادة تخصيص الأموال للبحث والتطوير.

وعليه فلا بد من وضع إطاراً شاملاً للتخطيط العلمي والتكنولوجي على المدى الطويل والذي يجب أن يتضمن:

(أ) دمج التخطيط العلمي والتكنولوجي، ما أمكن، في التخطيط الاجتماعي والاقتصادي العام وطويل الأجل بحيث يكون الهدف الرئيس هو إقامة روابط بين الإنتاج المحلي للمعرفة والتكنولوجيا من جهة، والأنظمة الاقتصادية من جهة أخرى.

(ب) توسيع مجالات أنشطة البحث والتطوير، كما هو الحال في البلدان المتقدمة حيث تكون البنية التحتية العلمية والتكنولوجية قوية ومتنوعة، وأن تُبنى البنية التحتية العلمية والتكنولوجية بالمعنى الأوسع ،فلا تتكون فقط من الموارد البشرية وشبكة مراكز البحث والتطوير، ولكن أيضاً خدمات دعم البحث والتطوير مثل آليات النشر وجمع المعلومات، والإحصاءات ومعالجتها، وحساب البيانات، والهندسة والإستشارات، وإنتاج وصيانة معدات وأدوات البحث والتطوير والمعايير الفنية.

(ج) تحديد الأولويات الوطنية لمجالات البحث والتطوير، مع الأخذ في الاعتبار ليس فقط أهداف التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ولكن توفر الموارد البشرية والمالية لذلك.

(د) إعطاء التخطيط العلمي والتكنولوجي الأولوية القصوى لبناء القدرة المحلية على استيعاب العلوم والتكنولوجيا والتكيف معها، نظراً لأن بناء القدرة المحلية على استيعاب المعرفة والدراية الفنية، والتكيف معها، وفي النهاية إنتاجها، لا يمكن أن يكون ناجحاً إلا إذا اقترن بظهور طلب محلي عليها، ويجب أن يوفر التخطيط العلمي والتكنولوجي أجراءات تنظم استيراد التكنولوجيا التي سيتم تطبيقها ليس فقط على معاملات نقل التكنولوجيا ولكن أيضاً على الملكية الفكرية والإستثمار الأجنبي.

(و) وضع 'خريطة تكنولوجية' كشرط أساسي لمرحلة التخطيط المستقبلية التي يجب أن تتضمن تحليلاً لحاجة القطاعات المختلفة للتكنولوجيا. وحشد أفضل الخبراء والعلماء الوطنيين من أجل هذا التخطيط، وتوفر قدر كبير من المعرفة حول الحالة العامة واتجاه التقدم التكنولوجي على مستوى العالم في مختلف القطاعات. وتتضمن مرحلة التخطيط التكنولوجي أيضاً إنشاء مكتب إحصائي دائم للعلوم والتكنولوجيا قادر على معالجة المعلومات التفصيلية حول نظام العلوم والتكنولوجيا الوطني من حيث الهيكلة المؤسسية والموارد البشرية وبرامج البحث والتطوير والمشاريع الجارية أو المخطط لها. يجب أن يعمل هذا المكتب بالتعاون الوثيق مع االمؤسسات الوطنية التي تنظم استيراد التكنولوجيا وسياسة الملكية الفكرية (براءات الاختراع والعلامات التجارية)؛ والاستثمار الأجنبي، حيث يعتبر الأخير قناة رئيسة لنقل المعرفة الفنية الأجنبية المنشأ.

إن تحديد أهداف طويلة الأجل لدعم العلوم والتكنولوجيا يجب أن تأخذ في الاعتبار توفر الموارد المالية، وكذلك التكاليف المحتملة لـ (أ) الحفاظ على نظام العلوم والتكنولوجيا الحالي، (ب) تدريب وتوظيف تقنيين في العلوم والتكنولوجيا، (ج) تحسين وتوسيع البنية التحتية للعلوم والتكنولوجيا خلال فترة التخطيط.

وفي الختام فأن إنجاز التخطيط العلمي والتكنولوجي، لن يكون ذا فائدة تذكر ما لم تتبعها مرحلة التنفيذ. ومن الجدير بالذكر أن التنفيذ لا يمكن أن يقتصر على مجرد وضع سلسلة من البرامج والمشاريع البحثية القطاعية والمؤسسية في مجال العلوم والتكنولوجيا طوال مدة الخطة، بل سيتعين عليها أن تتضمن العديد من القرارات السياسية وإجراءات جديدة في المجالات التشريعية والاستثمارية والتعليمية والتكنولوجية والمالية بهدف تغيير معادلات الاقتصاد الوطني ودفعه بعيداً عن الاعتماد على مصادر غير ثابتة وتحقيق نقلة علمية ومعرفية متقدمة خلال السنوات القادمة. وإعادة النظر في كافة التشريعات الاستثمارية للتشجيع على نقل التكنولوجيا ودعم الابتكار وإنشاء شراكات تعاقدية تصنيعية عالمية.

وكذلك دعم المبادرات التعليمية والعلمية الهادفة لإعداد كوادر بشرية قادرة على مواكبة التغيرات التنموية من حيث التركيز على مواد العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM) في كافة المراحل التعليمية بالإضافة لإنشاء مراكز أبحاث ووضع الابتكار كمعيار أساسي في تقييم المدارس والجامعات كذلك لإنشاء أو تفعيل مكاتب نقل التكنولوجيا في جميع الجامعات لتسهيل نقل المعرفة والتكنولوجيا المتقدمة وتحفيز التعاون بين الجامعات والقطاع الخاص في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار. "هناك شروط لتوطين التكنولوجيا ومنها أيدي ماهرة ورواتب تتناسب مع الكفأة. وتمويل يتناسب مع طبيعة اعمال البحث والتطوير التكنولوجي غير طرق التمويل التقليدية القائمة على القروض الصغيرة, وانما رأس مال مخاطر.بالاضافة لوجود التشريعات المناسبة مع وجود بيئة اعمال داعمة تتضمن حاضنات الابداع التكنولوجي. كذلك المطلوب تدخل الدولة لنشر التكنولوجيا، وزيادة الإنفاق على البحث والتطوير. ولا يوجد شك أن توطين التكنولوجيا قرار سياسي، لذا فالمطلوب التوقف عن إعلان التوصيات في المؤتمرات والعمل على معالجة الموضوع كقضية وطنية من خلال تبني آليات لوضع رؤيا وطنية واضحة لذلك ووضع اليات الدعم المالي المطلوبة، وآليات تنظيم وادارة العلم والكنولوجيا، ووضع إجراءات لتطوير رأس المال البشري، وتطوير التشريعات اللازمة لذلك، ووضع آليات للتعاون داخلياً وخارجياً في مجالات العلوم التطبيقية والتكنولوجية ونشر آليات التوعية والاعلام في المجالات العلمية والتكنولوجية. وفي الخلاصة فإن الاقتصاد القوي هو الاقتصاد المبني على المعرفة." *المراجع متوفرة عند الطلب.