بالرغم من أن استطلاعات الرأي تشير إلى تقدم المرشح الديمقراطي جو بايدن على الرئيس دونالد ترمب لكن الحسم النهائي لن يظهر قل ظهور النتائج الفعلية للانتخابات الرئاسية في الثالث من نوفمبر المقبل.

ومهما كانت النتائج فالتغييرات الجذرية في السياسة الخارجية الأميركية ستكون ضئيلة. فقد تراجعت قضايا الشرق الأوسط في اهتمامات الناخبين الأميركيين، الذين لا يزال همهم الأول الاقتصاد والرعاية الصحية وتداعيات كورونا والأمن الداخلي بالإضافة إلى قضايا الحقوق المدنية.

لكن عدم إثارة قضايا الشرق الأوسط في الحملة الانتخابية أو عدم اهتمام الناخب الأميركي بهذه القضايا لا يعني أنها غائبة عن أجندة الرئيس القادم سواء كان ديمقراطيا أو جمهوريا. فهل تغير نتيجة الانتخابات السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط؟ يستبعد مختصون بالعلاقات الأميركية العربية أن يحدث فرق كبير في هذه السياسات ولكن بالتأكيد سيكون لكل رئيس طريقته في إدارة ملفات المنطقة ضمن الثوابت الأميركية.

الشرق الأوسط بما فيه إيران ينتظر نتائج الانتخابات لكي يعيد تقييم مواقفه ويستعد لمرحلة مقبلة. فقد عرفت سياسة ترمب والمنطقة بانتظار أن ترى سياسة بايدن التي قد لا تختلف كثيرا عن سياسة الرئيس باراك أوباما الذي كان بايدن نائبه وكان مطلعا على ملفات الشرق الأوسط وطرق الإدارة الأميركية في التعامل معها.

تميزت سياسة ترمب تجاه الشرق الأوسط بانحيازها لإسرائيل بصورة مكشوفة. وفوزه لفترة رئاسية ثانية سيكون تفسيره خسائر متراكمة للفلسطينيين لأن فوزه سيقوي شوكة نتانياهو الذي سيمضي قدما في سياسات الاستيطان والتهويد والضم والمصادرة والتهجير.

فقد اعترف ترمب بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفار الأميركية إليها، واعترف بسيادة إسرائيل على الجولان وأنجز اتفاق تطبيع العلاقات بين إسرائيل وبعض الدول العربية وطرح مخطط سلام أطلق عليه اسم "صفقة القرن" يتيح لإسرائيل ضم أجزاء من الضفة الغربية وكذلك جزء كبير من وادي الأردن. ويريد ترمب أن يبدو وكأنه الرئيس الأكثر تفاعلا مع قضية الشرق الأوسط وأعلن فعلا أن إدارته عملت للشرق الأوسط أكثر مما عملت كل الإدارات السابقة.

عودة ترمب إلى البيت الأبيض تعني استمرار جمود عملية السلام ومزيدا من تدهور الأوضاع في الأراضي الفلسطينية وقد يؤدي هذا إلى إعاقة استئناف عملية السلام في مرحلة ما بعد ترمب بعد أن تكون رئاسته الثانية قد رسخت الجمود وغيرت الوقائع على الأرض وما يصاحب ذلك من تغييرات في القيادات والتوجهات الأمر الذي سيقود إلى وضع يصعب فيه إعادة التفاوض وسيكون الفلسطينيون هم الخاسر الأكبر.

سيحاول ترمب إذا ما عاد رئيسا أن يفرض خطته لسلام الشرق الأوسط بالضغط والترغيب وهذا سيعزز الموقف الإسرائيلي في الأراضي المحتلة ويسهل الضم المقترح في صفقة القرن. وسيتبع ذلك بمزيد من اتفاقيات التطبيع بين إسرائيل والدول العربية التي لم توقع مثل تلك الاتفاقيات ليثبت انه فعل الكثير لعملية السلام في الشرق الأوسط.

على خلاف ذلك منافسه الديمقراطي جو بايدن المعروف بانه أكثر حيادا تجاه قضايا الشرق الأوسط. وعندما كان نائبا للرئيس عمل كثيرا على ملفات الشرق الأوسط والصراع العربي الإسرائيلي ولديه اطلاع كاف على الأوضاع في المنطقة ويستطيع أن يتحمل مسؤولية السياسة الأميركية في المرحلة القادمة. وفي حال فوزه ستكون لإدارته الديمقراطية وخصوصا إذا كان مدعوما بأغلبية ديمقراطية في الكونغرس أولويات مختلفة وقد يجد لزاما عليه أن يعيد النظر بشأن بعض الإجراءات التي تمت في عهد ترمب.

لقد وصف جو بايدن نفسه مرة بانه صهيوني لكنه أكد أيضا أنه لا يؤيد كل تصرفات إسرائيل بشأن ضم القدس وضم أجزاء من الأراضي المحتلة. ولذلك لا يستبعد خبراء بأن يقوم بايدن في حال فوزه بتعديل خطة صفقة القرن ويعيد الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي إلى التفاوض. ويستطيع بايدن أن يبني على بعض ما أنجزه ترمب فيما يخص الاتفاقيات التي وقعت بين إسرائيل وبعض الدول العربية لكنه يحمل موقفا مغايرا بخصوص نقل السفارة الأميركية إلى القدس والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ولكن لا يمكن التنبؤ بما سيفعله تجاه هاتين المسألتين.

من المؤكد أن بايدن سيعيد إحياء فكرة حل الدولتين التي كان يؤيدها الرئيس أوباما. كما انه وفق بعض المصادر سيعيد فتح مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن ويستأنف المساعدات المالية للسلطة ووكالة الغوث "الأونروا" كما سيعيد فتح القنصلية الأميركية في القدس الشرقية.

القضية الرئيسية الثانية في الشرق الأوسط التي ستكون موضع اهتمام البيت الأبيض بعد الانتخابات هي إيران. فهل ستتفاوض إيران مجددا مع الإدارة الأميركية بعد الانتخابات؟ لقد حددت إيران موقفها بأنها لن تعود للتفاوض إلا إذا عادت الولايات المتحدة للالتزام بالاتفاق بعد أن انسحب منه الرئيس ترمب عام 2018. هذا الموقف يعني بوضوح أن إيران لن تعود للتفاوض إذا ما عاد ترمب إلى البيت الأبيض. فالرئيس ترمب وعد بمواصلة التشدد وزيادة الضغط على إيران من خلال عقوبات جديدة. ولا توجد مؤشرات على أن ترمب سيغير من سياسته إلا إذا غيرت إيران موقفها حتى في حال نجاح الوساطات التي تسربت عنها أنباء في الشهر الماضي.

أما الإدارة الديمقراطية للرئيس جو بايدن إذا ما فاز في الانتخابات فستكون العودة إلى سياسة احتواء إيران ومحاولة إحياء الاتفاق النووي. وقد سبق أن أشار بايدن بأن إعلان إيران التزامها بكامل تعهداتها بحسب الاتفاق سيدفع بالولايات المتحدة للعودة إليه. ولن تكون هذه العودة محرجة للإدارة الجديدة لان الإدارة التي كان فيها بايدن نائبا للرئيس هي التي توصلت إلى الاتفاق.

بصورة عامة سيحدث بعض التغيير في سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بعد الانتخابات. وفي كل انتخابات أميركية يتوقع الشرق الأوسط تغيرات مهمة وجذرية تؤدي إلى نتائج إيجابية بخصوص القضية الفلسطينية ولكن في كل مرة يخيب الأمل في أي تغيير إيجابي وتعود السياسات كما كانت فهل ستختلف النتائج في انتخابات 2020؟