عليك منّي السلام يا خشم العقاب كلما لاح فجرٌ وتنفس صبحٌ!!

عليك منّي السلام يا أرضاً درجت على دروب عزّها.. وارتوى عطش روحي في رحابها حين اتقنت اللثغة القومية الأولى في ثنايا عباءتها الضافية على أيدي ابناء العمومة مسلمين ومسيحيين على حدِ سواء وفي المقدمة منهم الرمز القومي والتربوي الكبير الأستاذ خليل الكركي.

عليك منّي السلام يا جوهرة الصحراء ودرتها.. يا من استوى على أرضك وبين ناسك الطيبين سوق عودي القومي فمشيت مرفوع الهامة على درب التنشئة القومية وانا استظل بسطور مسلّة ميشع العظيم وهيبة دلالاتها الفخيمه!!

والتفت ذات اليمين حيث ارى إهاب وتمثال صلاح الدين الأيوبي وهو يمتطي جواده ويشير بشاهده وحسامه نحو الغرب حيث مهوى الفؤاد فلسطين العزيزة... وأرنو ببصري وبصيرتي ذات اليسار نحو قلعة الكرك فاشاهد مصطبة القدس- التي تتربع في حضن العين- وهي تناجي شقيقتها التوأم مصطبة الكرك في القدس الشريف عبر فضاء وبوابة الكرامة والنصر التي سطرها جيشنا العربي الباسل لأمته العربية دون منّة..وأكاد اسمع بوحهما الجهور يقول: فلسطين لنا.. والاحتلال الى زوال!

عليك منّي السلام يا كرك المجد والتاريخ التي تحتضن المسجد والكنيسة جنباً الى جنب في وئام أخوّي قلّ نظيره..وتآخ يؤطره تعايش ايماني مشهود وتراحم دنيوي محمود!!

يا خشم العقاب.. أنت يا ذات المجد وأنا نستذكر الآن ونفتقد في كل حين القامة القومية التي رحلت إلى رحاب الباري عز وجل قبل نيف وأربعين يوماً.. نستذكر القومي الزّين الدكتور فايز الصياغ ونفتقد اهاب وحضور الشاعر المرهف الذي خطّ على الرمل كلاماً جميلاً عبر ديوانه الموسوم (كلمات على الرمل).. ونستذكر كيف هجر الشاعر شعره على وقع وجع هزيمة حزيران عام (67).. وانطوى الشاعر (فايز) ومعه الحرف نحو الحزن النبيل والصمت الممض- لان شبكة وجع الأمة كانت أكبر من سنارة الحرف وجذوة الشعر!

ونستذكر ونفتقد القومي الصادق فايز الصياغ الذي يذكرنا بالعبقري العربي اللبناني جبران خليل جبران فقد كان حلمهما المشترك يحوم حول ميلاد امبراطورية عربية ماجدة من الماء الى الماء.. امبراطورية لا مكان فيها للجوع أو الوجع..ولا الاستبداد او الاستبعاد.. يتساوى في ظلها الذين يملكون والذين لا يملكون.. امبراطورية لحمتها الاسلام والعروبة وسداها العدل والديمقراطية وأكرم بهذا الحلم القومي من هدف نبيل!!

استذكر المثقف والمفكر القومي الزين الذي كان أحد الاركان المهمة في بناء نهضة الإعلام والثقافة في دولة قطر الى جانب الرمز الاعلامي الكبير محمود الاسم والسيرة المرحوم محمود الشريف عندما كان مديراً للإعلام في (الدوحة) في الستينات من القرن الماضي.. نستذكر الخبير المرموق والمستشار الدولي والاممي في قضايا التنمية والفقر والجوع في العالم.. نستذكر المدرس اللامع في جامعة تورنتو بكندا.

استذكر اخي في العروبة (فايز) أيام كنا طلاباً في المرحلة الثانوية بمدرسة الكرك حيث ماتزال صورته البهية ماثلة أمامي وهو يمشي الهوينا من بيته المجاور للمسجد العمري متجهاً صوب منزل القومي الرائع الأستاذ محمد فارس الطراونة الذي يجاور الكنيسة في حارة الحباشنة بالكرك حيث تلتقي كوكبة من الشباب في أحايين كثيرة بمنزله في تجمع على الخير والمبادئ النبيلة يضم القامة القومية الباسقه (ابو جاسم) والاخوة في العروبة اذكر منهم مع حفظ الالقاب: فايز الصياغ والشهيد محمد سليم الطراونة ونائل المصاروة وسبير الزريقات وعوض الطراونة ?عبدالرزاق الحباشنة وهايل المصاروة وصالح الطراونة وأحمد ارشيد الهواري ورضوان المسنات وماجد المدانات ومحمد الخرشة والعبد الفقير لله كاتب السطور.. وكان محور الحديث خلال اللقاءات يدور حول المبادىء القومية النبيلة والتعلق بعشاق ورواد الوحدة العربية... أما بوصلة الحوار والعواطف فقد كانت فلسطين الغالية.

وكان (أبو جاسم) يستهل الحديث بتسلسل مشوق ومنطق يبعث على الإعجاب مشفوعا بابتسامته الشفيفة وصوته الخفيض الذي سرعان ما تعلو نبرته بحيث يقف على تخوم الحدة والجدّية حين يتعلق الامر بالشأن القومي والقضية الفلسطينية!!

وكنت أطرب لحديث الصديق فايز الصياغ حين يأتي دوره في الكلام وتستوقفني عباراته الجزلة وكلماته المنتقاة والمغموسة بمداد الإخلاص للمبادئ القومية والوحدة العربية حيث كان يترغل كشاعر قومي تملكه الحماس واستبد به الشوق القومي فأخذ يستعرض أمجاد وتاريخ امتنا العربية واسهاماتها الحضارية تجاه جهات الكون الأربع!!

استذكر صورة المرحوم فايز الصياغ لاعب كرة السلّة المحترف أيام كنا طلاباً في ثانوية الكرك..واستذكر حركاته الرشيقة وقوامه الممشوق وهو يسدد الكرة في المرمى بمهارة فائقة تماما كما يسدد حرفه وخطابه في مرمى التأثير في أوساط الغرب عن الحضارة العربية واثرها الايجابي على القارات المجاورة وجدانياً وتلك البعيدة جغرافياً..!

افتقد النجم القومي الذي غاب لكن بهاءه لم يغب.. والشاعر الذي رحل ولم يرحل فعله القومي.. والترجمان المبدع الذي اختطفه الموت لكن إنجازاته ظلت بين ظهرانينا كجسر وصل وتواصل يؤنس وحشة القطيعة الثقافية مع الاخرين!!

افتقد الغالي فايز الصياغ الذي كان له من اسمه نصيب وافر في مجالات الفكر والشعر والأدب والإعلام والثقافة وفن المجاملة.. نعم افتقدك يا (ابا تميم) مثلما افتقد الزمن الجميل.. زمن التقارب القومي المؤنس بالأمس في هذا الزمن الرديء اليوم..زمن التباعد الاجتماعي الموحش!!

افتقدك.. وافتقد الرموز البهية.. فقد نهشت روحي الغربة.. وعطش الروح كما تعلم ايها الغالي لا يروى إلا بالمداد القومي!!

يا من يعيد لنا الحلم القومي.. وأعطيه ما تبقى من خريف عمري!!