ما يمكن استنتاجه من الأداء الحكومي في الأيام الأخيرة، وقبل ذلك تشكيلة الحكومة نفسها، أننا بصدد حكومة سياسية، فالرئيس الخصاونة لا يزعم لنفسه أي خبرة اقتصادية استثنائية في القطاعين العام أو الخاص، فما الذي يدفع الأردن إلى تبني هذه الحكومة في هذه المرحلة، خاصة وأن المشكلة الاقتصادية تتعمق بشكل كبير، وتتداخل مع حالة من عدم اليقين لأن اتخاذ القرارات الصعبة سيكون مرتبطاً بسلوك المنحنى الوبائي في الفترة الوجيزة القادمة.

من لا يشتم رائحة العاصفة الجيواستراتيجية القادمة على المنطقة عليه أن يعيد حساباته، فالرئيس ترامب يختطف اتفاقاً جديداً للتطبيع قبل الانتخابات المقبلة، وكان الخيار السوداني الاستجابة لعرض للتخلص من الحظر بالسرعة الممكنة، ودون كثير من التفاصيل التي يمكن أن تركز على محاسبة النظام السابق الذي ما زال موجوداً بشكل أو بآخر في المجلس الانتقالي، والحديث اليوم ولا عن الأردن بوصفه عنصر تعطيل أمام مزيد من الاتفاقيات المتعجلة التي أخذت تتقاطع مع بعضها لتضع الأردن تحت ضغط جديد من الحلفاء الأوروبيين الذين يرون في شرق المتوسط منطقة فوضى ستعرضهم لمزيد من الصداع مع الجانب التركي الذي يرفع وتيرة التحدي في المنطقة.

إذن فالأردن سيتعرض لضغط من الحلفاء قبل الخصوم من أجل استخراج عملية إدماج لإسرائيل في شرق المتوسط، واللبنانيون استشعروا ذلك مبكراً ودخلوا مفاوضات غير مباشرة مع الجانب الإسرائيلي، والقرار السوري يبقى في جزء منه مرتبطاً بموسكو التي لا يمكن التنبؤ بصفقاتها المقبلة، خاصة أن الحرب التجارية على الصين يمكن أن تحدث تحولات عالمية في مجال الطاقة، وهذه الضغوطات كلها تتسارع بشكل لا يمكن التنبؤ به، وكلها ذات أثمان سياسية إقليمية ومحلية، وليس الأردن في وضع يمكنه من أن يكون الطرف الذي يملي شروطه، وكل ما يسعى الأردن لتحقيقه هو التمسك بالشروط الأساسية التي تتقاطع مع مصالحه الوجودية، وإعادة ترتيب أولوياته الأخرى، وبالمناسبة، ولمن يتناسى ذلك فالأردن ليس دولة عظمى.

تتبع سلوكيات القوى التي تدخل على خط أزمة شرق المتوسط، يشمل الأميركيين والأوروبيين، و(اسرائيل) ودول الخليج وايران وتركيا، ومصر العالقة في أزمتي سد النهضة الذي تقترب لحظة الحقيقة بخصوصه بما يجعل من المحتمل أن تنسحب استراتيجياً من الصراع في شرق المتوسط للتركيز على تبعات ضربة مصرية لسد النهضة كما يحذر الرئيس الأميركي ويبارك ضمنياً.

ليس الوقت مناسباً للدخول في بازار محلي على هامش الانتخابات النيابية، أو حفلة للمزاودة وجلد الذات، أو بعض المراهقة السياسية مع طرح مواضيع المحاصصة السياسية بشكل يمس الوحدة الوطنية في توقيت حساس وغير منتج، فكل هذه الأمور يمكن تمريرها لأسابيع مقبلة قادمة ستستهلك جهداً أردنياً استثنائياً سواء استمر ترمب في موقعه أو وصل بايدن إلى البيت الأبيض، ففي النهاية لكل حادث حديث، خاصة أن العاصفة تضعنا مضطرين في خانة رد الفعل حسب ما تظهر المؤشرات المبدئية لطبيعة التحالفات والارتدادات السياسية لقرارات الأسابيع الماضية.