هنالك عدة عوامل تقف وراء تأخّر مجتمعنا عن غيره، ووراء العديد من الإشكالات التي نشهدها في القطاعات المختلفة وفي مناحي الحياة كافة.

وقد أشار العديد من الدارسين والباحثين على اختلاف مشاربهم لها عبر السنوات؛ ومعظمها أصبح معروفاً لنا.

بيد أن من أهمّها في تقديرنا، لا بل أهمّها على الإطلاق: عدم الانضباط.

لنأخذ الوضع المروري على سبيل المثال. لماذا هذه الفوضى المرورية التي نعاني منها لعقود، ممثلة بالمخالفات على اختلاف أنواعها والأعداد المتزايدة لحوادث السير، من إصابات ووفيات؟ ما الذي يقف وراءها؟ ما هو المسبب الأساس؟

وخذ أيضاً حالة البيئة المزرية: ما يتركه المصطافون في أماكن التنزه من مخلفات، والاعتداء على الغابات والأماكن الخضراء، والعمران العشوائي الذي قضى على نسبة كبيرة من الأراضي الزراعية.

وماذا عن إلقاء النفايات من نوافذ السيارات وفي الأماكن العامة؟

خذ كذلك الفوضى في الاستهلاك والتزاحم والمبالغة في تخزين المواد الاستهلاكية وإتلاف ما لم يتم استخدامه. خذ الترهل في العديد من المؤسسات، والفوضى والعنف في ساحات المدارس وفي حرم الجامعات.

خذ العنف المجتمعي وظاهرة البلطجة التي برزت على الساحة مؤخراً كمشكلة مستفحلة.

وماذا عن فوضى التفكير والتعبير وخلط الأوراق في وسائل التواصل الاجتماعي، وفوضى الطرح في البرامج الحوارية؟

ولنأخذ كذلك الوضع المتردّي في تعاملنا مع جائحة كورونا.

واضح أن من أهم عوامل الوقاية من المرض التباعد الجسدي وعدم الانخراط في التجمعات الكبيرة وارتداء الكمامة بالشكل الصحيح طوال الوقت وغسل الأيدي والتقليل من الأنشطة التي تتضمن تواصلاً مباشراً مع الآخرين؟

كل هذه الحالات غير السليمة يقف وراءها العامل الجوهري الأساس المتمثل بعدم الانضباط، عدم احترام القيم والأعراف، وعدم الالتزام بالإرشادات والتعليمات والأنظمة والقوانين.

بالطبع هذه كلّها مظاهر لظاهرة مستفحلة نعاني منها لعقود، ولا بد لمجتمعنا إذا أراد أن يتقدم من القضاء عليها من خلال معالجة مُسبّباتها، ومن أهمّها عدم الانضباط.

وهذا ما فعلته وتفعله المجتمعات المتقدمة، التي نجحث حيث أخفقنا.

فما هو الحل؟

ربما حلول، وليس حلاّ واحداً.

الحل الناجع في تقديري يكون على بعدين، وعلى البعدين معاً: بعد التنشئة والتربية، وبعد إنفاذ التعليمات والقوانين بحزم دون بطش.

كما يؤكد العديد من العلماء، النفس البشرية تولد صفحة بيضاء ونحن كمجتمع نكتب فيها ما نشاء، فإما نأخذ دورنا التربوي في الأسرة والمدرسة والمؤسسات المجتمعية المختلفة على محمل الجد ونغرس في الفرد القيم الحميدة والعادات السليمة والسلوك المنضبط، وإما نتراخى في القيام بواجبنا فنهمل دورنا فنحصد شوكاً بدلاً من جني الثمار الطيبة.

وهذه مشكلتنا بصراحة: مجتمعنا بمؤسساته المختلفة لا يأخذ التنشئة والتربية والتوعية على محمل الجد؛ وعليه أن يفعل ذلك.

أما البعد الثاني فيتمثل في أخذ الأعراف والقيم والإرشادات والتعليمات مأخذاً جاداً، وتطبيقها بحذافيرها ودون هوادة.

الأسرة والمدرسة والمؤسسات المعنية تنشئ وتربي؛ ومؤسسات الدولة الرقابية تقوم بواجبها على أكمل وجه.

بهذا، وهذا فقط، نتقدم ونحدث النقلة؛ وبعكسه نبقى نراوح مكاننا.