شذى المبيضين

أخصائية علم النفس

في الأماكن العامة وأثناء مشاهدة التلفاز أو تصفح مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع عديدة على الانترنت.. نشاهد كماً هائلاً من الإعلانات والأساليب الدعائية، والتي تطورت بشكل لافتٍ وملحوظ مع تطور التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي، فلم يعد يقتصر وجود الإعلانات على التلفاز والمجلات والصحف أو في الأماكن العامة فقط، بل يتم عرضها بشكل عفوي على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال قصص ويوميات المؤثرين.. كارتداء ساعة أو اقتناء الإصدار الجديد من الهاتف الخلوي أو السيارة، أو تناول المأكولات وأصناف الطعام المختلفة، وأحيانا لايستطيع المتابع التمييز بين الإعلان لمنتج معين وبين إبداء الرأي الحقيقي والتجربة الشخصية للمنتج أو الخدمة المقدمة.

والإقناع هو عملية تتأثر من خلالها اتجاهات الفرد وسلوكه، دون إكراه، عن طريق الاتصال والتواصل مع أشخاص آخرين، ويعتمد الإقناع إلى حد كبير على الطريقة التي يدركها الفرد ويفسرها.

و أحد أساليب الإقناع بأن يقتني المؤثرون والمشاهير هذه المنتجات ويتم عرضها على حساباتهم أو وسائل دعائية أخرى، وقد يقتدي به المتابع والمشاهد حتى دون تفحصها وفهمها، ويعد تكرار الرسالة الإقناعية في الإعلانات عاملاً مساعداً لتغيير السلوك، كتكرار سماع الإعلان في الإذاعة والتلفاز أوالتطبيقات الذكية مراراً وتكراراً بشكل إجباري لبضع ثوانٍ، وحتى لو لم يكن الإعلان محبباً لدى المستمع والمشاهد فقد يسهم بإقناعه في النهاية، كتغيير نوع المأكولات التي يتناولها الفرد في وجبة الإفطار بعد مشاهدته فوائد المنتج الغذائي الذي يعرض يومياً على شاشته.

ويتم تنويع الشكل الذي يُقدَّم به الإعلان والتنويع بمضمونه، والأسباب والمبررات لاقتناء المنتج أو الخدمة وذلك لإقناع المتلقي، وهذا ما تشير إليه العديد من بحوث الاتصال التي تتعلق بالرسائل الإقناعية. وأساليب أخرى إقناعية مثل الميل إلى التَّهديد أو التخويف، بالقول إن استخدام منتج معين يجنب الفرد أخطاراً ما، أو أن قيامه بسلوك معين يحميه من الآثار السلبية مما يشكل حافزاً لدى الفرد بأن يتجنب الخطر والشعور بالتوتر كالتسويق لمنتجات العناية بالشعر والبشرة والتي تحث المستهلك على استخدام المنتج لحمايته من الضرر أو التركيز على العلاقات الاجتماعية عند عرض خدمات معينة، كتسليط الضوء على أهمية الانتماء وتشكيل الصداقات والتواصل مع الآخرين عند عرض أماكن ترفيهية وخدماتية. كذلك العمل على تصوير الواقع بالشكل الذي يمهد لأفكار جديدة وهو ما يسمى بـ «إعادة تشكيل المعرفة» مثل تصوير المشاريع الصغيرة بأنها مصدر دخل جيد وربطها بالسعادة والارتياح من قبل المؤسسات الداعمة لها وربط الوظيفة بالدخل المحدود والشقاء والبؤس من أجل التسويق والتشجيع لإنشاء المشاريع.

ومن الجدير بالذكر أن زيادة اتصال الفرد بموضوع الاتجاه وزيادة الألفة يزيد إعجاب الناس بذلك الموضوع وهو ما يسمى بـ«أثر الألفة» كما أن زيادة معدل الاتصال بموضوع الاتجاه قد يغير سلوك واتجاهات الفرد نحو الموضوع حيث أن متابعة الإعلانات وما قد يحصل عليه الآخر من فوائد أو مكافآت يسهم في تغيير سلوك الفرد وإقناعه بجدوى الإعلان وهو مايسميه عالم النفس الاجتماعي باندورا ب «النمذجة».

وغالبا ما تستخدم في الدعاية والإعلان طريقة الحافز في تغيير اتجاهات وسلوك المتلقي مثل تقديم مكافآت أو الحرمان من استمرارية الحصول على الامتيازات وذلك لتغيير آراء الناس حول منتج معين وتشجيعهم على شرائها، كتقديم عينات مجانية أو تقديم تسهيلات بشروط معينة لحث الناس على الاستثمار.

الرسالة البسيطة يفهمها جميع الناس في طبيعة الحال، لكن من يمتلكون معلومات عدة تخص مضمون الإعلان قادرون على توجيه انتقادات أكبر وبالتالي تنخفض احتمالات قبولهم لها، وإذا كانت الرسالة معقدة فمن يستطيعون فهمها هم من تزيد احتمالية قبولهم لها، أو على العكس من ذلك بأن فهمهم الدقيق للمحتوى هو السبب في عدم اقتناعهم بالإعلان

وفيما يخص القناعات المترسخة عند الفرد، فقد طَرَح بعض العلماء والمتخصصين نموذجاً يسمى بـ«احتمالية التفصيل» وفحواه بأن عملية الإقناع بعد التفكير في المعلومات والحجج الداعمة لها يعد أكثر ثباتاً ورسوخاً من الإقناع الذي يتم بسهولة وقليل من التفكير، لذا فإن اقتناع المستهلك بامتلاك المنتج بعد معرفة كافة تفاصيله يجعله متمسكاً برأيه حول ذلك المنتج.

كذلك يرى عالم النفس «جرينوالد» بأن فهم مضمون الرسالة ليس مهماً بقدر رد فعل الفرد وكيفية استجابته وتقييمه لها والأفكار الناشئة عنها سواءً سلبية أم إيجابية، فقد يقبل الناس الرسالة دون تفحصها وفهمها لأنها غامضة وغير مفهومة بما فيه الكفاية، مما يجعلهم يفسرونها تبعاً لأهوائهم وحاجاتهم، أو أن قبول المتلقي للمضمون راجع إلى انتمائه وإعجابه لأفراد أو جماعات.

«تميل الإعلانات إلى جذب انتباه المشاهد والمتابع من خلال الاعتماد على الجوانب الانفعالية الجاذبة للأفراد، وتكوين انطباع إيجابي لدى المتلقي فيما يخص المنتج وفاعليته وجودته، حيث تسعى إلى ربط المنتج مع شخصيات مشهورة وجذابة وذات شعبية كبيرة، بطرق إعلانية بسيطة تصل إلى المشاهد بسرعة وتلقائية.

وليكون الإعلان أكثر تأثيراً وإقناعاً لدى الجمهور، يتم التعرف على نوعية الجمهور المخاطب وصفاته واهتماماته وتحديد الغرض من الإعلان والأخذ بالاعتبار الفئة العمرية ومستوى التعليم والثقافة، كالحسابات الاكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال السماح للشركات الإعلانية بالتعرف على المعلومات الشخصية عن طريق تلك التطبيقات بالإضافة إلى معرفة اتجاهات الأفراد وعرض الكثير من المعلومات والحقائق فيما يخص المنتج الإعلاني من أجل إقناع المتلقي الذي يحمل رأياً معاكساً وقناعاتٍ مختلفة.