ملك يوسف التل

دوريات الانجليز أثناء زيارتنا للضفة الغربية على ظهور الخيل صادرت الدخان باعتباره جريمة

لعدم وجود مكان لي في الصف السادس قلت للمدير: أقبل ولو في الصف الرابع

في المدرسة الثانوية عشنا أجواء ما بين الإخوان المسلمين وأحزاب البعث والتحرير والقوميين العرب

بنات الحي جميعهن من المحرمات.. لم نكن نتحدث معهن

إسأل أي ذي علاقة بالبرلمان والحياة السياسية عن الانتخابات النيابية التي يتمناها، وستجد الجواب بالمطلق انها الانتخابات التي أجراها سالم المساعدة عام 1989 عندما كان وزيراً للداخلية.

وإذا كان من ستسأله متابعا لمجريات العقود الأربعة الماضية، فإنه سيستذكر لسالم مساعدة سيرة كرجل دولة من سويّة لم تعلق بها أي شائبة أو شبهة، في كل المسؤوليات التي نهض بها في أكثر من حقيبة وزارية وفي عضوية مجلس الملك–الأعيان -.

مِن بين النِعم الكثيرة التي أفاض الله بها على أبو محمد، الذاكرة الحيّة النشطة المؤثثة بالرضا، والتي عايشت ثلاثة أرباع المئوية الأولى من عمر الدولة، وهي تستحضر لمحبيه تاريخا اجتماعيا وعائليا من القناعة بالبساطة والتصوف بالعدلية، يعود إلى 85 سنة.. يقول فيه:

ختمة القرآن قبل 85 سنة

ولدتُ عام 1930 في قرية إزمال، وهي بعد السموع في لواء الكوره. وتعتبر عشائرها من أكثر القرى تعليما في المنطقة.

أتذكّرني طفلا لم أتجاوز الخامسة من عمري.. حيث كان لوالدي، يرحمه الله، زوجتان، واحدة من عائلة لافي والثانية ابنة عمه من عائلة المساعده.

وكأبناء جيلي أرسلني أبي عند «الخطيب»، وهو شيخ جليل ليعلمنا تلاوة القرآن الكريم وحفظه. وجرت العادة ان يُحتفل بـ «الخريج» الذي يختم القرآن مع أنني لم أختمه كاملاً، وانما قسم كبير منه. عندما وصلتُ إلى الآية الكريمة (ختم الله على قلوبهم) اعتبروني أنني اتممت ختمته. الخطيب بشّر والدي الذي فرح كثيرا وكافأه بمبلغ من المال. وهناك من العائلات من كانت تقدم الفواكه وهدايا أخرى غير المال شاكرين للخطيب فضله بتعليم أولادهم.

أذكرُ أن الشيخ الذي علمنا كان صغير السن. جاء من احدى قرى الضفة الغربية، وسكن في غرفة بجانب المسجد القريب منا. الغرفة المجاورة للمسجد كانت بمثابة صف لتعليم القرآن الكريم.

اول مرة رأيث فيها الغور وسيل الماء

رعانا والدي جميعا، وكان شديد الإهتمام بتعليمنا، اضافة للعلم علمنا ركوب الحصان. واذكر انه تم إعطاؤنا أرض في الغور، وكان مطلوب من والدي أن يكتب أسماء من سيعطى أرض، فكتبهم بقائمة ومنهم عمه، الذي قال له: يا محمد هل تريد من الموجودين في الغور أن يذبحونا؟.. فلم يقبل عمه الذهاب إلى الغور، فوضع الأرض الثانية باسمه، فأصبحت لوالدي أرضين.

كان أخي أحمد أكبر مني بثماني سنوات، كنت حينها في السادسة من عمري، عندما اصطحبني أبي معه إلى الغور راكبين على الحصان. كانت المرة الأولى التي أرى فيها المنطقة. أتينا إلى منطقة بها ماء، وكانت أيضا المرة الأولى التي أرى فيها سيل ماء. في هذه الزيارة علمتُ أن لدينا منزلا في الغور تسكنه زوجة والدي.

ما أقوله من ذكريات ليست سوى جزء بسيط من محطات طفولة عشتها فكانت من أجمل سني حياتي، وكلها اشتياق لمراحل متناثرة داخل صورها القديمة التي ما زلت أحتفظ ببعضها حتى اليوم. وجوه وأسماء وأمكنة في أزمنة هنا وهناك يتوسطها باستمرار مشهد لأخي أحمد وهو جالس يدرس في البيدر جادا منسجما مع كتبه رغم حرارة الطقس، أنظر اليه بمحبة واعجاب وشعور بالرضا، وأصبح لدي رغبة أن أذهب للمزرعة في الغور وصدف وأن جماعة من أقاربنا أرادوا الذهاب إلى مدينة بيسان في الضفة الغربية، فاصطحبوني معهم. وتكررت صحبتي للأقارب الذاهبين لمناطق مختلفة من الضفة الغربية وأنا في سنوات متفاوتة من عمري.

ذهبت إلى بيسان لأول مرة، وهي المرة الوحيدة التي أذهب فيها خارج الأردن، حيث قطعنا منطقة الشريعة للوصول إلى بيسان، وهي مدينة جميلة.

كنت أركب الحصان وعمري حوالي 10 سنوات عندما أذهب معهم. كانت توجد دوريات للانجليز، يصادرون كل من يحمل علبة سجائر ويعتبرونها جريمة، فتحدثت معهم بكلمتين باللغة الانجليزية حيث كنت أعرف منها بضع كلمات، وهو ما سرهم وعاملوا من معه السجاير معاملة جيدة، وتركوهم تكريماً لي.

مدرسة دير ابي سعيد

بعد ختمة القرآن، أرسلني والدي إلى مدرسة في دير أبي سعيد، التي تقع على بعد 25 كم جنوب غربي مدينة إربد. كان أخي أحمد قد أنهى المدرسة فيها وقبل ذهابه لمتابعة دراسته في مدينة إربد، أقامت المدرسة له حفلة وتوجوا أحمد الأول.

كان معي في مدرسة دير أبي سعيد اثنان من أبناء عمي وتم اجراء فحص لنا ليضعوا أبناء عمي في الصف الثاني وأنا في الصف الثالث، حيث اعتبروني متفوقا.

سكنت في دير أبي سعيد عند عائلة صديق والدي، علي أبو الدرابي، وعشت معهم. أما أبناء عمي الاثنان ذهبا إلى عمتهما التي كانت متزوجة من محمد علي الشريدة، وسكنا في بيت قريب منها حيث جاءت بسيدة لتخدمهما، لأن دير أبي سعيد بعيدة عن إزمال حوالي 7- 8 كيلو مترات.

من ثانوية إربد إلى ثانوية السلط

لا أتذكر كثيرا من أسماء زملائي فقد غابت عن ذهني لكن في الذاكرة أستاذ من مادبا كان يطلب مني الذهاب إلى منزله لمساعدة زوجته حيث كان لديه ولدان، فكنت أذهب إلى زوجة الأستاذ ألاعب الأولاد لحين عودة والدتهم من السوق.

بعد ان أنهيت الصف الخامس، ذهبت إلى إربد ودخلت المدرسة الثانوية فيها والتي ما تزال موجودة لغاية الآن.

في اليوم الثاني من دخولي الصف السادس طلبني مدير المدرسة، وأخبرني بأنه لا يوجد لي مكان في مدرسته. كانت لهجته شامية، ولأنه كان هناك فحص ما بين الصفين الخامس والسادس، عدت إلى والدي وأخبرته بما حصل معي، فقال لي بأنه سيرسلني إلى السلط عند أخي أحمد، حيث كان يدرس في المدرسة الثانوية.

ونحن في طريقنا إلى السلط، ولأننا نعرف شخصا من قرية إزمال لديه فندق، ذهبنا عنده وأخبر أخي أحمد بقدومنا وأننا موجودان في الفندق.

في اليوم الثاني أخذني أحمد إلى مدرسة السلط الثانوية حيث يدرس وكانت معي شهادتي فدخلت وأخي الى المدرسة وجعلني انتظر عند باب مكتب المدير. وعندما دخلت أخبرني المدير بأنه لا يوجد لدي مكان في الصف السادس، فأخبرته بأنني أقبل حتى لو أدخلني الصف الرابع، حيث كنت أريد أن أبقى في المدرسة.

وضعني في الصف الخامس، وكان مدير القسم الابتدائي من عائلة الساكت، كان عنيفا، يضرب ويشتم إذا أخطأ أحد الطلاب، ومع الوقت ولأنني كنت متفوقا، طلب مني الأستاذ الساكت ان أسأل الطلاب في مادة الدرس وأخبره عمّن يخطىء منهم. شعرت نفسي وأنا أسألهم وهم يجيبون وكأنني أستاذ عليهم، لكن بنوع من الخوف من أن يُضرب أحد بسببي وأكون قد كونت عداوة مع الزملاء في الصف، فأصبحت أسأل الطلاب أسئلة يعرفونها خوفاً من أن يقوم الأستاذ بضربهم.

عودة بتفوّق

نجحت في الصف الخامس وكنت الأول في السلط، وعدت إلى إربد، ودخلت الصف السادس، وعشت في إربد حتى أنهيت الثانوية العامة أو المتريك وكان ذلك عام 1947.

في مرحلة الثانوية كانت نشاطاتنا كطلبة متنوعة، لكنني كنت مقلا جدا بممارستها. أما الشؤون السياسية فقد تنبهنا إلى ما يدور حولنا في المرحلة الثانوية. كان لدينا نوع من التوجه لتلك الأمور، كنا نتحدث بها سرا.. عشنا في أجواء ما بين الإخوان المسلمين وحزب البعث والتحرير والقوميين العرب وغيرها. أذكر عندما كنت أسير وزميل لي عرفت منه أثناء سيرنا بأن شقيقه ذهب إلى القاهرة وهو أحد أعضاء حركة الضباط الأحرار كما فهمت من شقيقه، ومن بعدها لم أعد التقي هذا الزميل أو أراه أو أسمع عنه شيئا.

تكررت معنا حوادث المراقبة الأمنية، منها عندما كان يأتينا أشخاص بالتحري وهم عسكر بلباس مدني، من الكورة وغيرها من القرى المجاورة. كان منهم من يعرف والدي، ومن بين شباب القرية شاب حرص والدي على أن لا يعرفه هؤلاء الجنود، فعندما جاءوا إلى بيتنا رأوا اثنين من أقاربي في المنزل، فادعوا بأنهما من الفدائيين، فأخبرناهم بأنهما من أبناء عمومتنا وليسا فدائيين حسب ادعائهم. لم يصغوا لنا وأخذوهما حيث تمت محاكمتهما في إربد ولم يثبت عليهما أي شيء فخرجا.

في المدرسة كانت المناهج كما هي اليوم، منها العلمية كالرياضيات والفيزياء والكيمياء، ومواد أدبية فضلا عن الدينية والعربي والتاريخ والجغرافيا, وما أذكره أنه كان يوجد طبيبان في إربد من عائلة المحايرة والحناوي وكانت بناتهم متميزات بالنسبة لبنات إربد، لكننا لم نكن نتحدث معهن فبنات الحي جميعهن من المحرمات.

شخص أثر بحياتك وكان قدوتك:

والدي رحمه الله.

هل فكرت يوماً بتدوين مذكراتك؟

لا.

من أقرب صديق في طفولتك؟

أبناء الحي هم أصدقاء طفولتي.

مكان معلق في ذاكرتك من طفولتك؟

المضافة.

هل كنت تعاني من أخطاء في مخارج الحروف؟

لا أبداً ولغتي العربية ممتازة حيث بدأت بنطقها بشكل سليم وواضح منذ طفولتي مع الخطيب الذي علمنا القرآن الكريم قراءة ولفظا بشكل صحيح.

هل تتذكر أكبر عيدية جمعتها؟

لم تكون العيديات موجودة. كان اهتمامنا أكثر بالملابس الجديدة والحلوى والألعاب التي نحصل عليها.

في المدرسة والبيت كم مرة ضربت؟

لم يضربني أحد في حياتي، سواء في البيت أو المدرسة. لم يحصل ذلك.

هل كان زيكم المدرسي موحدا؟

لا. لم يكن كذلك.. كنا نرتدي ملابس مختلفة.

هل عشت دلع الطفولة؟

لا يوجد دلع ولا دلال، وقد وجدت اهتماما من الوالدين معاً كل بمسؤوليته.

صف لنا طفولتك بجملة واحدة:

في البيت عشت طفولة سعيدة، أما في المدرسة فكنت بعيداً عن أهلي اشتاق لهم.