عمّان - د. أماني الشوبكي

اتفق أخصائيون وأولياء أمور طلبة أن محدودية الإمكانات للتعلم عن بعد، مثل الأجهزة الإلكترونية وتوافر الإنترنت، تؤدي إلى مشاكل بين الأبناء، فيما بينهم، ومع الأهل، وتنتقص من حق الطالب في حضور الحصص الدراسية المعروضة إلكترونيا..

وشكا العديد من الآباء والأمهات من تصاعد الخلافات بين أبنائهم ومعهم بسبب الضغط النفسي الذي يسببه التعلم عن بعد، والضغط على الأجهزة المتاحة في المنزل...

كما تشكو العديد من الأمهات من حجم المعاناة التي تلحق بهن وهنّ يتابعن مواظبة الأبناء والبنات على الدروس إلكترونيا.

قلة التركيز

حمزة الحسيني، والد لطالبين، يؤكد أن علاقته بأبنائه، منذ التحول إلى التعليم عن بعد، أصبحت «سيئة» ووصفها بأنها «متوترة دائماً».

وأرجع السبب إلى أنه يريد منهم دائماً أن يجلسوا أمام الشاشة ولا يتحركوا، فيما هم في الكثير من الأحيان لا يركزون جيدا مع المعلمة، وهو ما يستثير غضبه.

ويوضح الحسيني أنه صار يلمس أنه دائماً يشعر بالتوتر والغضب، وأن ذلك انعكس على حياته العملية إذ يشعر أنه فقد التركيز في عمله بسبب نفسيته.

الأوضاع المادية

عدي الحديد، والد لثلاثة طلاب، يؤكد عدم قدرته على توفير ثلاثة أجهزة حاسوب لأبنائه، فمنهم من يشاهد حصصه عن طريق هاتف والدته، وهذا يجعلهم في خلاف دائم مع والدهم لماذا يميز أحدهم عن الآخر.

وهو يبين أنه لا يمتلك القدرة المادية لتوفير أجهزة لكل منهم وهذا يولد عداوة بينه وبين ابنائه ويُشعره بالحزن والعجز.

فادي داوود، والد لأربعة طلبة، يعاني من علاقته مع أبنائه منذ بداية هذه الظروف، نتيجة عدم قدرته على توفير بيئة مناسبة لتطبيق آلية التعلم عن بعد، وأن سوء أحواله المادية والاقتصادية شكل عائقا كبيرا لتقديم التعليم المناسب لأبنائه.

ويشير إلى أن هناك ايضاً ظروفا تصعّب التعليم الالكتروني؛ كالبيئة المنزلية بسبب السكن غير المناسب أو الصغير جدا الذي لا يوفر البيئة المناسبة والهدوء الذي يتطلبه متابعة التعلم عن بعد.

الطالب يزيد ابو كركي في الصف العاشر يعرض لمعاناته مع والده، الذي، وفق قوله، «لم يوفر لي جهاز حاسوب لأتابع الحصص من خلاله». وهو لايملك جهاز هاتف ذكي، فصار يضطر لاستخدام جهاز والدته، لساعات، لمتابعة الحصص.

ويشكو من أن علاقته بوالده باتت متوترة دائماً، والسبب يرجع، بتقديره، إلى عدم تفهمه المعاناة التي يعيشها الطلبة وعدم قدرة معظمهم على استيعاب جميع المعلومات وبخاصة تلك المتعلقة بالرياضيات والفيزياء.

ريما السيد، أم لطالبين، تشكو بدورها من الحالة النفسية التي صارت تعاني منها بسبب التعليم الالكتروني، التي، وفقا لها «تسببت بتراجع علاقتي بهما..» بسبب التوتر الناجم عن متابعتها الدائمة لدراستهما ومراقبتهما أثناء انشغالهم بحصصهما إلكترونيا.

وتبين أنها تضطر للجلوس إلى جانبهما بالتناوب حتى تضمن أنهما يركزان في المعلومات التي يتلقونها، وهو ما يجعل ابنيها في حالة من العصبية ويشعرهما بعدم ثفتها بهم.

من جانبها، تقول إنعام أبو منشار أن ابنها غضب منها ولم يكلمها لمدة أسبوع لأنها لم تُحضِر له جهاز حاسوب حديثاً مثل أصدقائه، وهي لا تمتلك القدرة المادية لشراء جهاز حديث له.

وتبين أن اولادها يلقون باللوم دائماً عليها وعلى أبيهم، لعدم قدرتهم على توفير الأجهزة والمكاتب والكراسي اللازمة للتعلم، وهو ما يُشعِرها بالحزن والأسف، وفي نفس الوقت على عدم مراعاة أبنائها لوضعهم المادي.

ويعرض الخبير الاقتصادي الدكتور وجدي مخامرة للآثار الاقتصادية المترتبة على الآباء، والأمهات، جرّاء تحويل التعليم إلى تعليم الكتروني، وأثره على العلاقة بين الآباء وابنائهم.

إذ يبين أن الآباء ترتّب عليهم حمل ثقيل في توفير جميع المتطلبات اللازمة لأبنائهم من أجهزة كمبيوتر والإنترنت وطباعة الأوراق وشراء احتياجاتهم.

ويلفت المخامرة إلى أنه كلما زاد عدد الطلاب في العائلة الواحدة، زادت صعوبة تطبيق الآلية لقلة الوسائل التعليمية المتاحة، خصوصا أن «العديد من الآباء ليس لديهم الإمكانات الكافية لتوفير الوسائل الالكترونية بشكل دائم لأبنائهم الطلاب».

وبناءً على ذلك، يؤكد المخامرة أن هناك تفاوتا صار يظهر في نتائج الدراسة بين الطلبة اعتماداً على المستوى الاقتصادي المتوسط والعالي للآباء؟

فالآباء المقتدرون مادياً حصلوا على استفادة أعلى من آلية التعلم عن بعد، «نظرا لالتحاق أغلبهم بمدارس خاصة، وكذلك وجود بعضه في المدارس الحكومية في مراكز المدن، وبسبب المستوى الأكاديمي لأولياء الأمور وتوافر الإمكانيات والبيئة المناسبة لتطبيق الآلية».

الخبير التربوي الدكتور خليل الزيود يؤكد أن هناك مشكلة ولّدها التعليم الإلكتروني، وهي «تفاقم المشاكل بين الآباء وأبنائهم نتيجة عجز الكثير من الآباء عن توفير متطلباتهم.. وهو ما يُشعِر الأبناء بأن أباءهم مقصرون تجاههم، وهو يدخلهم في توتر وحالة نفسية سيئة».

ويؤكد أن هناك الكثير من الأبناء تكون درجة استيعابهم أقل من أقرانهم من خلال الشاشات، وهناك من يعانون من صعوبات في التعلم ولا يستطيعون أن يتواصلوا جيدا. وذلك يُشعِر آباءهم بأنهم لا يريدون أن يركزوا ويولّد مشاكل بين الطرفين.

ويوصي الزيزد الأهالي بالتأني والصبر على أبنائهم، لأنهم، كما الأهالي، يتعرضون لهذا الوضع المعقد للمرة الأولى، ويعانون كذلك من التوتر والضغط الناجم عن نظام التعلم عن بعد.

مسؤولية الحكومة

ويعتقد المخامرة أنه كان يجب على الحكومة، قبل اعتماد آلية التعلم عن بعد على نطاق واسع، أن تهيء البيئة المناسبة والبنية التحتية الكافية لهذا النمط من التعلم، وأن تراعي الأوضاع المادية للأهالي، وكذلك أن توفر حزم إنترنت تعليمية للطلاب مقدوراً عليها ماديا إن لم تكن مجانية.