عمان - بترا - سيف الدين صوالحه

تقبض سلطات الاحتلال الإسرائيلي على اقتصاد مدينة القدس المحتلة، وتخنق مفاصله بإجراءات لا تقل قسوة وبشاعة عن سياساتها بالتهويد والقضم والتدنيس.

وتقوم سلطات الاحتلال داخل القدس بممارسات عدوانية، قد لا تجدها في مكان آخر من العالم، تستهدف لقمة عيش مواطنيها ودفعهم نحو "غول" العوز والبطالة، والكساد التجاري للنيل من صمودهم ودفعهم للاستسلام للامر الواقع الذي تريده.

وبفعل سياسات المحتلين بدأت مكانة القدس الاقتصادية بالتراجع، حيث دخلت معظم قطاعاتها بأزمات متواصلة أفضت الى حالة ركود وافلاس تجاري وإغلاق محال وهجرة الكثير من المؤسسات والمنشآت إلى خارج الحدود.

ورغم ممارسات سلطات الاحتلال، التي تطال معظم مكونات اقتصاد القدس سواء كانت سياحية او تجارية او صناعية، الا ان المقدسيين متمسكون بالبقاء والتشبث في مدينتهم المقدسة واسواقها وخوض معركة التحدي والصمود، متجاوزين شغف العيش وبطش المحتلين.

وقال رئيس الغرفة التجارية الصناعية العربية في القدس المحامي كمال عبيدات، في مقابلة مع وكالة الأنباء الأردنية (بترا)، "ان مدينة القدس معزولة عن محيطها الفلسطيني عن طريق جدار الفصل الذي بناه الاحتلال ما ادى الى ارتباط اقتصادها بالمجتمع الاسرائيلي تدريجيا واسهم في هجرة رأسمال الفلسطيني".

واضاف عبيدات ان سلطات الاحتلال تنتهج سياسات قانونية وضرائبية واقتصادية تؤدي الى الحاق الاقتصاد المقدسي بالاسرئيلي بشكل كامل، موضحا "على مدار الايام ينفصل المقدسيون عن باقي محيطهم وبرتبطون بشكل مشوه بالاقتصاد الاسرائيلي".

واشار الى ان معاناة القطاع الخاص الفلسطيني تزداد في ظل السياسات المجحفة التي تمارسها سلطات الاحتلال حيث تفرض الضرائب الباهظة ولا تقدم خدمات بالمقابل، موضحا ان التجار يعانون تحديات لا يمكن تخيل وجودها في اي مدينة اخرى، فلا يسمح لهم على سبيل المثال بتحميل وتنزيل البضائع او توفير اماكن لتوقف الحافلات التي تنقل السياح.

ولفت الى قضية الحواجز التي تلتف حول القدس وعلى مداخل البلدة القديمة وبالاسواق العربية، موضحا ان قوات الاحتلال تعرقل حركة المواطنين والمصلين المتجهين الى المسجد الاقصى، كما يتعرضون لمضايقات تحد من اعداد المتسوقين في االبلدة القديمة.

واوضح ان المقدسيين يعانون من الحملات الضرائبية التي تهدف الى ترهيبهم وافقارهم، الى جانب سيطرة سلطات الاحتلال على جميع معابر القدس وتتحكم بحركة التجارة وحرية نقل الاموال والأيدي العاملة، وتوجه الالة الاسرائيلية السياح الى المؤسسات اليهودية وتحرم الفلسطينيين بشكل كبير من الاستفادة من السياحة الوافدة بدعوى سوء المعاملة.

واكد عبيدات ان حجم الاقتصاد بالمدينة المقدسة تقلص بشكل كبير، مشيرا إلى ان مدينة القدس بعدما كانت مركزا للحياة بمختلف اشكالها باتت اليوم معزولة عن بقية محيطها الفلسطيني وتتبع الاقتصاد الاسرائيلي من مختلف النواحي، فيما العديد من المحلات اغلقت ابوابها بفعل المضايقات الاسرائيلية داخل البلدة القديمة.

وبين ان ابرز النشاطات التجارية بالقدس تعتمد بشكل اساسي على السياحة بمختلف اشكالها من فندقة ومواصلات ومطاعم وادلاء سياحيين وبائعي التحف الشرقية حيث وصل عدد السياح الذين زاروها العام الماضي 5 ملايين سائح، الى جانب نشاطات تجارة التجزئة والخدمات والبناء.

ويبلغ عدد المنشآت في محافظة القدس حوالي عشرة الاف منشأة وهناك حوالي الفي محل بالبلدة القديمة اغلق حوالي ثلثها جراء سياسات الاحتلال ويتجه اصحابها بعد اجبارهم على اغلاقها للعمل في السوق الاسرائيلي كعمال او الوقوع في براثن البطالة.

وطالب عبيدات القطاع الخاص العربي بالاستثمار بمدينة القدس لمساعدة المدينة على تجاوز التحديات الاقتصادية التي تعيشها، داعيا للمساهمة في مشروع "التدريب من اجل التشغيل"، الذي يوفر التدريب الملائم للمقدسي الذي يتقن مهارة محددة (مثل البرمجة او تصميم الصفحات)، ليعمل بعدها مع الشركة العربية وهو مقيم في القدس.

واشار الى مشروع "سراج القدس" الذي يهدف الى تزويد مدينة القدس بالطاقة الكهربائية عن طريق الالواح الشمسية بقدرة توليد تصل الى 2 ميجاواط ، لإنارة شوارع وازقة البلدة القديمة المؤدية الى المسجد الاقصى المبارك والاماكن الدينية الاخرى بالاحياء الاسلامية والمسيحية.

ولفت عبيدات الى ان الاسواق التجارية التقليدية في القدس العتيقة تبدا من باب العامود (سوق خان الزيت والواد) ، وتصل الى الاسواق التاريخية الاخرى (العطارين والدباغة واللحامين وحارة النصارى).

واشار الى اسواق القطانين المؤدي الى المسجد الاقصى وباب حطة المؤدي الى باب الساهرة، مبينا ان هناك اسواقا اغلقت ابوابها بشكل شبه كامل مثل (الخواجات).

ولفت الى برنامج دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة في القدس الشرقية الذي يقدم تدريبات متخصصة في التخطيط وإدارة المنشآت الصغيرة التي تشكل مساحة لاحتضان المشاريع الريادية في القدس من خلال تطوير خطط عمل ودراسة جدوى للمشاريع، إضافة إلى اللتشبيك مع المستثمرين والمؤسسات البنكية والداعمة.

يذكر ان الغرفة التجارية الصناعية العربية في القدس هي مؤسسة غير ربحية تأسست سنة 1936، وتضم في عضويتها حاليا 2500 عضو، وتعمل على حماية اقتصاد القدس من خلال تنفيذ العديد من المشاريع التنموية، ابرزها برنامج التجديد الحضري والانتاجية في القدس الشرقية وإحياء وحماية المواقع التاريخية والعربية من التهديد الاستيطاني وتحسين وترميم وإعمار وتجميل الأسواق التجارية.

ويشار إلى ان غرفتي تجارة عمان والتجارية الصناعية العربية بمدينة القدس، وقعتا اتفاقية توأمة لتعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية بين الأردن وفلسطين ودعم صمود المقدسيين على أرضهم بوجه ممارسات سلطات الاحتلال الإسرائيلي.

وبموجب الاتفاقية تخصص غرفة تجارة عمان مكتبا بمقرها للغرفة التجارية الصناعية العربية في القدس، لممارسة أعمالها الى جانب جناح للصناعات المقدسية ضمن المعرض الدائم للمنتجات الفلسطينية الذي تنوي تجارة عمان اقامته.

بدوره، اكد رئيس اتحاد رجال الأعمال العرب حمدي الطباع، إن مجتمع الأعمال العربي مدرك تماماً لحجم وكبر الضغوط التي يتعرض لها سكان القدس الشريف من تضييق اقتصادي نتج عنه تفاقم معدلات البطالة والفقر وبالتالي لا بد من تكاتف الجهود في سبيل التخفيف على المقدسيين ودعم الأوضاع الاقتصادية.

ودعا مجتمع الأعمال العربي للعمل على ترويج القدس سياحيا، وابراز المزايا الاستثمارية التي تتميز بها المدينة بمختلف القطاعات الاقتصادية، والتوجه نحو إقامة مشاريع إنتاجية توفر فرص العمل وتدعم النشاط التجاري وتقديم تسهيلات لدخول البضائع الفلسطينية للاسواق العربية، وتعزيز دور المنظمات المتخصصة ومؤسسات التمويل العربية.

وشدد على ضرورة بحث المعوقات التي تقف أمام إنسياب السلع والخدمات بين الوطن العربي وفلسطين لتحسين مستويات التبادل التجاري، مبينا ان ابرزها يعود الى بروتوكول باريس الموقع منذ عام 1994 وما يتضمنه من تقييد للنشاط الاقتصادي ووضع قيود على حجم التصدير المسموح به للسلع الفلسطينية.

واكد الطباع ان الاتحاد الذي يتخذ من عمان مقرا له، حريص على دعم الاقتصاد الفلسطيني بشكل عام والوضع الاقتصادي في مدينة القدس الشريف بشكل خاص، من خلال تواصله المستمر مع الفعاليات الاقتصادية الممثلة للقطاع الخاص الفلسطيني.