د. إبراهيم خليل

(ناقد وأكاديمي)


بعد رواياته "حليب المارينز" (2008)، و"نخلة الواشنطونيا" (2009)، و"أبناء الماء" (2016)، و"حماقة ماركيز" (2017)، تصدر للكاتب العراقي عواد علي رواية جديدة اختار اسمَ أحد الأمكنة في الفلوجة (جسر التفاحة) عنوانا لها، مشيرا بهذا لوقوع أكثر الأحداث دموية في المدينة بعيد الاحتلال الأميركي في العام 2005 وما تلا ذلك من أعوام احتلتها فيها عصابة داعش الإرهابية.

واختار المؤلف لروايته هذه (الآن ناشرون وموزعون، 2019) إحدى الشخصيات التي عركتها الحرب عرْك الرحى، بطلا ساردا، مستهلّا علاقة هذه الشخصية بالوقائع عندما طلب من السارد التعرف على رفاة أبيه الذي قاوم الأميركيين، واستُشهد، ودُفن فيمَن دُفنوا في مقبرة جماعية. ومع أن محاولة الشاب اليافع في حينه لم تكلَّل بالنجاح، إلا أنه وقع هو الآخر ضحية النشاط الأمني للمحتلين، فاعتُقل في المكان المعروف باسم "جسر التفاحة" ولم يكن قد تجاوز السادسة عشرة. وزُجّ به في زنزانة بسجن (أبو غريب) قريبًا من بغداد (ص14) يقول في وصفها: "مكفهرة، لا نافذة فيها، تهويتها الوحيدة تأتي من بين القضبان، على جدرانها خربشاتٌ، وكلماتٌ، وآثار زيت طبعتها أكفّ وأصابع المعتقلين السابقين، وثمة أغلال مثبتة على الجدار" (ص19).

يتصل بهذا ضربٌ آخر من الوصف عن التعذيب، والتحقيق، والاغتصاب. ومع أنّ السارد يجد سلاسة في سوقه للحوادث، إلا أن الكاتب يقاطعه مشيرًا لـ"صفوان"، وهو شخص عراقي يقيم في كندا يَدَّعي الاطلاع على ما ينشره السارد في صفحته على (فيس بوك)، ويقترح عليه كتابة رواية مشتركة عن تلك الوقائع، لكن السارد يعتذر، ويعهد لهذا المطرِّز (صفوان) بكتابة الرواية وحده، ولا مانع لدية من الاعتماد على منشوراته، واستخدامها في روايته (ص30).

وفي إشارة لتعَصّب الأميركيين، يذكر السارد أن المحقق عرض عليه التحول عن الإسلام واعتناق المسيحية، وحين رفض بصق في وجهه (ص38)، وفي السجن يتذكر السجين –عادَةً- أصدقاءه، وهو هنا يتذكر أصلان البياتي الذي يبدو لنا في الرواية أكثر من معلم مدرسة، فهو أديبٌ يحفظ شعر درويش، وغيره، ملمّ بالأدب الروائي، ولا سيما بأدب الواقعية السحرية (كذا) ولا سيما روايات ماركيز. ومن أصدقائه الذين يتذكرهم، في مسعى من المؤلف لتشكيل حلقة حول السارد، معلمه الآخر أدهم الدليمي.

وفي السجن يتعرف السارد على معتقلين منهم إبراهيم، ومنهم واحد من أتباع مقتدى الصدر يدعى "ساهي باقر اللامي" يحاول جذبه للمذهب الشيعي بحديثه المفرط عن المهدي المنتظر (ص51). ويصغي لأخبار تتنامى إليه عن معتقلي سجن الديسكو الموصلي، وهو سجنٌ عُرف بهذا الاسم لأن الأميركيين يستخدمون فيه موسيقى صاخبة بلا توقف بهدف إزعاج المعتقلين وحرمانهم من النوم. وفي الأثناء يهاجم تنظيم القاعدة سجن "أبو غريب" هجومًا يوقع عددًا من القتلى بين الأميركيين.

وإلى هنا تبدو متواليات السارد سلسة، ومطردة، غير أنه في المدونة الحادية عشرة عدل عن هذا النسق، وانتقل من مقاومة الأميركيين لشيء خاص يروي فيه حكاياته الغرامية وهو في عمر لم يتجاوز السادسة عشرة، فيذكر لنا ثلاثا من النساء كانت له بهنَّ علاقة؛ الأولى سماها ابنة الجيران، والثانية نهلة، والثالثة هنادي، وهي من المحمودية جنوبي بغداد. وتبدو هذه الحكايات مقحمة على السياق، لأنه سيعود في المدونة التي تليها لكوابيس الاعتقال، وأخيرا لقرار الإفراج غير المشروط عنه، وهو إفراج يفتقر للتفسير. إذ لم يذكر الراوي عنه سوى عبارة واحدة تقول: "عندما قرروا الإفراج عني لم يطّلع أحدُهم على دفتر اليوميّات" (ص72). وهذا يثير تساؤلا: كيف تسنى لهذا الشاب المعتقل أن يطلَق سراحه، وقد صوّر الذين اعتقلوه بصورة ليس فيها موضع للرحمة، أو الرأفة؟ لقد جرى الإفراج عنه، وهذا حدث مهمٌ، لكن لماذا جرى؟ لا يخبرنا الراوي، ولا المؤلف، مما يترك فجوَةً تتطلب أن يقوم الكاتب بسدّها، وتمليس ثقوب النصّ.

وعند عودة السارد للفلوجة يكتشف السارد أن المدينة تحولت إلى خرائب، فحتى المدرسة التي تعلَّم فيها حروف الهجاء أصبحت أطلالا. وقبيل مغادرته للرمادي يفاجأ بالفتاة التي ذكرها وسماها ها هنا "ندى الفجر"، وكانت قد تزوجت من رجل فظ خاطبه قائلا: "أنت ولدٌ قليل الأدب. سأفقأ عينيك أن تطلعت إلى زوجتي" (ص85). وسيعرف القارئ لاحقا بعض التفاصيل عن "ندى الفجر" هذه، وأن اسمها الحقيقي هو نجوى.

ويبدو أنَّ العدول من نسق سردي لآخر شيءٌ متكرر، ففي المدونة السادسة عشرة يتوجه الساردُ، وأمه، إلى الرمادي، وبلا حافز يُذكر يفتتح قوسين ليذكر بينهما الكثير من الأعمال الأدبية التي زوَّده بها أصلان، وقرأها، وهي أعمالٌ لا تتفق مع مستواه، يذكر أعمال بورخيس، وأنه قرأ أعمال أوستورياس، وإيزابيل أللندي، وأنطونيو سكارميتا، وإدوار غالينو، وكارلوس فوينتس، وأليخو كاربنتييه، وخوليو كوناثار، وماركيز، الذي يعْدل كل هؤلاء وحده.. علاوة على الكتّاب العرب الذين قرأ أعمالهم: كنجيب محفوظ، وفؤاد التكرْلي، وغائب طعمة فرمان، وإميل حبيبي، وإدوار الخراط، ورشيد بوجدرة، "علاوة على التسلي ببعض الكتب الخفيفة حين يعكر مزاجه الرائق بعضُ الزبائن" (ص87).

ومثل هذه المبالغة -فضلا عن أنها تشذّ عن النسق السردي الذي تتابعت فيه الحوادثُ، وتساوَقتْ- يضفي على البطل -الفتى- النمطيَّة التي تأبى العقول الطبيعية القبول بها، إلا إذا كان هذا البطل من النوع المعروف بـ(السوبرمان). وقد أضاف بعد الذي ذكر كله كتبًا لإلياس مُرْقص، وصادق جلال العظم، وسمير أمين، وأنطونيو غرامشي (ص89). ولو اقتصر على هذا، لهان الأمر، لكنه عند ذكره أحد العاملين في شركة الإطارات، وهو خميس المصري، يعرِّفنا به بالتركيز على ما قرأه من روايات نجيب محفوظ. ويقول خميس للسارد: "محفوظ يا أستاذ هرمٌ يُضافُ إلى أهْرامنا الثلاثة" (ص90).

وعلى الرغم من أن السارد يروي حكايته على هيئة مدونات، إلا أنه يتناسى ذلك أحيانا، فالرسالة التي وصلته من ندى الفجر (نجوى) التي أبلغته فيها بوفاة زوجها، وأن الطريق بات مفتوحا أمامهما للزواج إن كان ما يزال يحبُّها، كان المفترض أن تبعث بها على بريده الخاص في (فيس بوك)، لا بمغلف تسلمه لخميس المصري (ص96، وص160). ومثل هذا الاضطراب ما رواه السارد عن انهماكه طوال عام في إعداد رسالته للماجستير عن ملحمة جلجامش، دون أن يخبرنا قبل ذلك إن كان قد تقدّم للثانوية، أو انتهى من الشهادة الجامعية الأولى، أو أنه التحق ببرنامج الماجستير. وبدلا من ذلك شُغل في تقريظ مترجم الملحمة "هربرت ميسن" ومدرسه أصلان الذي لم يبخل عليه بالمؤلفات والإهداءات، فقد ذكر أنه أهداه روايات لغوغول ، وتشيخوف، وليرمنتوف، وكوبرين (ص101)، وزاد على هذا الإفراط في تقريظ الأدب الروسي (ص103) وبعض الأدب العربي، لا سيما العراقي. فسركون بولص -مثلا- وُلد في الحبانية، وأيوب يكتب شعرًا عموديًا يحاكي فيه شعر عبد الرزاق عبد الواحد (ص118).

وثمة تضاربٌ في المواقف تتجلى في التحول من النموذج المقاوم للاحتلال إلى شخص آخر، يحنُّ للسفر واللجوء. وفي الحوار بين السارد وأمه التي تأبى منه القيام بهذا، يقول لها أنه لا يستطيب الاستقرار لا في الرمادي ولا في كركوك، لأن الآخرين في هذين الموقعين يسمعونه كلمة "نازح"، وهو يمقتُ هذه الصفة ويمقت أن يوصف بالنازح (ص115-116)، لذا يُفضل السفر إلى تركيا، ومنها إلى أي بلد أوروبي. وقد نسيت الأم، أو تناست بكلمة أدق، القول: إذا كنت تجد حرجًا في صفة نازح بالرمادي، وغيرها، فما الذي تجده في كلمة لاجئ في تركيا أو ألمانيا؟ فاستقراره في هانوفر، أو نورينبرغ، استقرار لاجئ، فما الفرق؟ والغريب أنه بعد استقراره في هانوفر عاد لمتابعة المعارك في الفلوجة (ص127) ويسوؤه ما يُرتكَب فيها من مَجازر (ص128) ومع أنه صُدم بمقتل معلمه أدهم الدليمي، إلا أن هذه الصدمة لم تكن حائلا دون البحث عن نزهة في شواطئ نيس الفرنسية (ص133) حيث تنتظره مغامرة عاطفية جديدة مع مليكة التي ترتدي "البوركيني" (مايوه إسلامي) حتى لا يراها أحد بلباس يظهر الجسد، فهي من أسرة متدينة (ص138).

وقد يتساءل القارئ عن المفاجأة التي تظهر في حديث السارد عن شقيقته أميرة، لأن ما ذكر في السابق يؤكد أن الأسرة تتألف من الأم وولدين اثنين هما أيمن والسارد (ص82)، وفي موضع آخر (ص140) يتضح أن له شقيقة في سنِّ الزواج، وقد درست العلوم التربوية في الجامعة، وتقدم لخطبتها آيدن ابن أصلان البياتي (ص140).

أما هنادي، التي ذكرها لنا في بداية الرواية، فقد عادت للظهور باسمها الحقيقي "أماني" (ص143) ولا يذكر السارد شيئا يسوغ إخفاء الاسم الحقيقي أو التصريح به. وترافقتْ عودة أمه وأخيه أيمن للرمادي مع وفاة أصلان، وهذا الحدث المأساوي يتغلب عليه السارد بتجرُّع كأسين، والاستسلام للنوم والكوابيس (ص156).

وفي أثناء ذلك يستقبل صديقه إبراهيم ومعه فتاتان إحداهما جزائرية (لمياء) والأخرى من حلب (بردى)، وما هي إلا أسطرٌ معدودات حتى يبادر السارد لفتح قوس يملأ ما بعده بعنوانات الروايات العالمية التي قرأتها بردى وأعجبتْ بها، فهي قارئة نهمة للأدب الأرجنتيني، والكولومبي، والمكسيكي، والتشيلي، وربما الأفريقي. وقد وجد فيها السارد ذلك الشيء الذي يبحث عنه في الأنثى، لذا قرر الزواج منها عملا بالمثل (اللي بدو يعيش عيشة هنيّة يتزوَّج وَحْدة شامية)، ولحسن الحظ لم تقف أي عقبة في وجه هذا المشروع، بل وجد الطريق سهلا ممهدًا. فأمُّها حين زارهم في نورينبرغ استقبلته استقبال من يوحي بالقبول قبل أنْ يتقدم طالبًا القُرْب. وقد بالغ في وصف الأم مبالغة تذكرنا بكتابات الروائيين الرواد من أمثال المنفلوطي وطه حسين في وصف الشخوص (ص175).

أما "أنجليكا شنايدر"، صاحبة المكتبة التي تعمل لديها بردى، فيقول فيها الراوي ما لم يقله ابنُ زيدون في ولّادة. وقد اتضح أنها تقرا الروايات، والملاحم البابلية، وتتضامَنُ مع أهالي الفلوجة، وتسير في مظاهرة تاييدًا للعراقيّين (ص188). والأغرب من هذا كله أنها تعرفُ كل جملة وكل فقرةٍ في ملحمة جلجامش.

على أن السارد لا يجد في جلّ ما ساقه من حوادث نسقا يوصلنا إلى عقدة تحتاج لحلٍّ ما أو نهاية مناسبة، فقد تحايل على ذلك بأن استعاد ذكْر المطرز صفوان كامل، متخذًا من ذلك وسيلة غير مباشرة لإيقاف آلة السَرْد. فقد تلقى منه نسخة إلكترونية من الرواية التي كان قد اقترح عليه أن يكتباها معا قبل سنة من بدء الحكاية. وسرَّته الرواية وساءته في آن؛ سرّته لأن المطرز أوفى بما عاهده عليه، وساءته لأن صفوان كامل اختار عنوانا من يومياته كان يعتزم اتخاذه عنوانا لروايته التي ما تزال فكرة في ذهنه لم تختمر (جسر التفاحة).

من هذه الملاحظ يتضح لنا أن عواد علي تسرع في نشر الرواية دون أن يقوم بإعادة القراءة، والتنقيح، الذي يضمن تساوق المرويات بعضها مع بعض. علاوة على أنه نفخ في السارد العشريني روح المثقف الخمسيني أو الستيني، ونسب له من الاطلاع على الروايات ما يوحي بتماهي المؤلف بالسارد العشريني، ويتراءى للقارئ العادي أن الذي يكتب هذه المدونات ليس السارد الفلوجي المبتكر، وإنما هو المؤلف. وهذه الطريقة تجعل منه ملقّنا كما في المسرح، وذلك يُضعف الرواية، ويزيد من هشاشة السرد فيها، ومن اضطراب الحبكة، فضلا عن تجانس الحوار الذي يفسِدُ آلية التشخيص.