د. سهى نعجة

كاتبة وأكاديمية أردنية

يتغيّا البحث العلمي للمدرّس الجامعيّ تأكيد عُرى الوصل والروافد المرجعيّة في تخصّصه والتخصّصات التي تتفاعل معه، بغية الحصول على نتائج ترقى في توجيه مسار العقلية العربية رأسيا وأفقيا، عبر إحداثيات يتواشج فيها القديم بالحديث، كما في كثير من البحوث التي تربط العربية بقوانين الكيمياء نحو: «الطاقة لا تفنى ولا تستحدث ولكن تتغيّر من شكل إلى آخر» كما في عمليات الإعلال والإبدال والإدغام، ونحو ربط نظرية الاشتقاق بنظرية الاحتمالات، ومن لدنها يكون الاشتقاق الصغير والاشتقاق الكبير، ونحو ربط مصطلحات علم النحو وتطبيقاته بعلم الفقه من أصل وفرع وسماع وعلة وقياس نحو: علة الخفة، وعلّة الثقل وقياس الشبه، وقياس النظير، وقياس الشاهد على الغائب وغيرها.

كما تتفاعل العربية مع علم الفيزياء ولا سيما فيزياء السكون وفيزياء الحركة، ولا سيما ما يختصّ بالزمن، أي بحالات تصريف الفعل، كما تتآثر مع علم الفلسفة ولا سيما المنطق، وبعلم التاريخ إبان دراسة أثر الحوادث في المهاد التاريخي للعصور الأدبية، وفي تأصيل بعض الدوالّ والوحدات المعجمي، وكذلك في الدراسات الأدبية التي أخذت تتحصّن بتحليل الخطاب على وفق نظرية لسانيّات الخطاب، ونضرية المعنى، ومعنى المعنى، والسيميائية، ونظرية السّياق، والنقد الثقافي، والمثاقفة وغيرها.

وينهض البحث العلمي برفد نتاجاته إلى وزارة التربية والتعليم، فتتعهد النتائج المختصة بالنحو والصرف بخاصة بالتعديل على وفق النتائج البحثية كما في ظاهرتي الثقل والتعذّر والنيابة والاحتمالات الإعرابية التي تؤكد أن الألف والياء إنْ هما إلا فتحتان أو كسرتان فيكون جزم الفعل بتقصير الحركة لا بحذف حرف العلة.

غير أن إدارة التربية والتعليم في فطام مؤكد عن نتائج البحوث العلمية -والحديث هنا عن اللغة العربية- مما يوقع الطالب في مظلمة لا قاضي لها، فما مضى من علم في سنوات المدرسة مضى، لكن الطالب يفاجأ خلال التعليم الجامعي ببطلان الكثير من القوانين التي اعتادها، إلا من رحم ربي، ويدرس على مدرس جامعي ما يزال يتعكز الفكر اللغويّ القديم، ويرى في نتائج الأبحاث الحديثة وما يقدمه علم اللسانيّات (تلبيس طواقٍ)، فيصرف الطلبة إلّا لما يرغب، والويل الويل لو درس الطالبُ المادة الواحدة المتفرعة على يد غير مدرّس، وكل له مدرسته. حينئذ فلنقرأ الفاتحة على طلبتنا وعلى نتاجات أبحاثنا، ولنرأف بالشتات المعرفي الذي سيصيب الطلبة، ونزوع المدرس إلى وأد جديدة الممنهج المبرهن واضطراره السير مع التيار، فيكون شأنه شأن من قال الله تعالى فيهم: «كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون».

واللافت أن الطالب غالبا ما يبني قناعاته العلمية على وفق خبرة المدرس البروفيسور الذي إنما بلغ هذه المرتبة بأبحاث لا تتجاوز أصابع اليد معتمدا الجمع غالبا ليس غير، أما مدرسه الأصغر سنا فيحتاج (فتّ خبز) -على وفق ما يشاع- ليضلع بما تضلّع به الأسبقون، وإن كان أبلغ علما، وأنضج رؤية.

إنّ البحوث في العربية ما زالت في منزلة بين ثلاث منازل، بعضها رجعَ للوراء، وبعضها تجاوز الوراء ومضى للأمام المفيد المتناغم مع أعرافنا اللغوية لكن بوعي مختلف، ومنها ما شطّ ونطّ وبدا يحاكي «بلومفيلد» و«سابير» و«فيرث» و«تشومسكي» بوصفهم سدنة اللغة، من غير أن يدرس جوانب الاتفاق والافتراق بين قوانين عربيتنا وما ألفَوا ينسجون.

كم سقط مدرسون في جُبّ غواية الموروث!

وكم سقط مدرّسون في جُبّ غواية المستحدث !

وكم سقط الطلبة معهم مغلوبين على أمرهم !

إن التدابير الحكيمة تعي مفاصل الجدّة في البحث العلمي، ليتحقق بعد كمون، لا ليظلّ رهن الكتب والمكتبات والأغبرة والنسيان، ولا بد من لجان على قدر نفسها من عدة جامعات تدرس البحوث التي تؤصل جديدا وترفد إدارة المناهج بها، لتشتغل على مناهج متوائمة مع المنجز الحديث من غير جوْر أو غُبن، فمثلما اعتمدت المناهج المدرسية وضع تنوين النصب على الحرف الذي يسبق الألف وقد اعتادت الأجيال منذ أبد الآبدين رسمه على الألف، فإن إدارة المناهج قادرة أن تسبر نتائج الدراسات اللغوية والأدبية الحديثة والإفادة منها، مع ضرورة إخضاع المدرسين لدورات تعليمية إقناعية في النظام اللغوي كله: الصوتي والصرفي، والنحوي التركيبي، والمعجمي الدلالي الحقيقي والمجازي.

علينا أن نردم الفحوة بين المرحلة المدرسية والجامعية الأولى، ومرحلة الدراسات العليا التي إن جدّ فيها شيء فغالبا ما يكثر في منهجية تناول الدراسات اللغوية والأدبية التي تعد شبكة وصل وتفاعل بين العلوم الإنسانية والعلوم البحتة.

سنظلّ نقرع الجرس، وثمة مجيب لا بدّ يؤكد أن شمس العربيّة بالرّؤى الحديثة التي توثّق سيرتها وتسطع على الغرب ستسطع في أرض بنيها، وعلى يديهم، فما من عاقل يلجم العربية عن الحراك وكل ما حولها متحرّك، وإلا كنا كمن يرجع للوراء–لا قدّر الله.

فيا سدَنة العربية، اجتهدوا في اكتشاف الكامن من مكانز العربية، ولا تجعلوه رهن بحث في مجلة، بل ناضلوا واقرعوا الجرس لتنهض المجلات بدورٍ لا يقف عند حدود النشر، بل نشر الفكرة البحثية عبر تعميمها بآلية يرتئيها أولو الأمر.