منير عتيبة

حصل الروائي الصيني «مو يان» على جائزة نوبل للآداب عام 2012م، فعرف غير المختصين بالأدب الصيني الكثير من المعلومات عن حياته وأدبه، بعضها يمكن أن يكون مفيدًا في قراءتنا لهذه المجموعة من القصص التي كتبها «مو يان» وترجمها وقدم لها د.محسن فرجاني، وصدرت عن سلسلة الجوائز بالهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2016م.

ولد مويان في قرية «كاومي» بإقليم شاندونج» شمال شرق الصين عام 1955م. كانت فترة طفولته بائسة عاشها «في أجواء فقيرة لم تتح له سوى القليل من فرص التعلم والقراءة، حتى إذا فرغ من قراءة أعداد الكتب الضئيلة –المتاحة له- لم يجد إلا قاموس «شينهوا» فأخذ يطالعه مرارًا ويحفظ بعض مواده! ضاقت سبل العيش به حتى عمل أجيرًا في مصنع للزيوت وهو شاب في الثامنة عشرة من عمره، ضائقته لن تنتهى حتى بعد حصوله على المكافاة النقدية لجائزة نوبل؛ إذ لن تسمح له إلا بشراء ما لا يزيد على مائة وعشرين مترًا فقط من أرض لا تكاد تكفي مساحة فيلا كان يحلم بها!)ص15و16.

عاش مو يان بعمق ووعي كل ما مرَّ بالصين من تحولات سياسية واجتماعية وثقافية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وبدايات القرن الحادي والعشرين حتى الآن، إضافة إلى معرفته الكبيرة بتاريخ بلاده، وهو ما جعله صوتًا سرديًا مهمًا ومعبرًا عن جيله منذ بداية نشره لأعماله الإبداعية في المجلات الأدبية الكبرى بالصين، حتى أنه حصل على المركز الأول باعتباره «الكاتب الحاصل على أكبر نسبة قراءة» وذلك فى استطلاع مجلة «رنمين ونشيو» سنة 1989م، فهو من جيل درس جيدًا الأدب الصيني، وتمرد عليه استنادًا على واقع متغير وعلى رافد ثقافي جديد مستمد من قراءة الأدب الغربي.

تحتوى مجموعة «رجل لا يكف عن الضحك وقصص أخرى» على قصص طويلة ذات نفس روائي، بعضها أقرب إلى الرواية القصيرة منها إلى القصة القصيرة، هي: ذئب ضال في حي مأهول (ص29-ص74)- رجل لا يكف عن المرح (ص75-ص162)- لقاء بمحض الصدفة (ص163-ص168)- شيء من الظرف مع خفة الظل (ص169-ص259)- الجدة والفم ذو الأسنان (ص261-ص284)- العمة والسيف (ص285-310).

لم يختر المترجم هذه القصص بالذات لتكون معًا في كتاب واحد، فبينها روابط واضحة، بعض هذه القصص تعيد النظر في الموروث الشعبي الذي يتحكم في أفكار الناس وتصرفاتهم، منتقدة إياه بحنو من يفهم مكنونات الطبيعة البشرية، وحسم من يعي متطلبات الانطلاق للمستقبل وبعض القصص تتحدث عن المنسحقين من صغار الموظفين والمثقفين. والقصص جميعًا مكتوبة بحكي بسيط ذي نبرة ساخرة مُرَّة، وخيال يجسد بشاعة الواقع تجسيدًا سرديًا متميزًا.

فقصة «ذئب ضال في حي مأهول» تتناول ما يدور بالخيال الشعبي حول الذئب، وصفاته، وفوائده، وعلاقته بأعدائه من البشر، يحكيها الكاتب من خلال طفل، فيقدم حكيًا يجمع بين خيال الطفولة وبراح التفكير الشعبي وسخرية الكاتب التي تجعل القارئ غير واثقٍ هل هو يقدم له الوقائع الخالصة أم يسخر من أبطالها حيث يبدون ما بين ساذج ونصاب دون حكم قاطع من الكاتب عليهم لكنه يترك القارىء يكون الحكم بنفسه «إن طبخت مثانة الذئب مع بذور اللوتس فسوف تعالج أصعب حالات السلس البولي، كما أن عينه اليسرى تشفي من الضوء البصري الأزرق (الجلوكوما) ولسانه علاج مضمون لتقرحات الفم.....وبالمرة أقول للرجال إن «سوط (قضيب) الذئب وصفة ناجعة لتجديد الطاقة للباه. على أن عظامه إذا دقت وسحقت سحقًا ناعمًا، يمكن أن تشفي التهاب المفاصل، ورغم أنه في هذا أبطأ مفعولًا من عظام النمور فهى أقوى كثيرًا من التأثير العلاجي لعظام الفهود"ص71-72.

أما قصة لقاء بمحض الصدفة فتبدو شائعة في آداب الشعوب المختلفة، حيث يعود البطل إلى قريته ليلًا، وفي طريقه يقابل أحد سكان القرية، وعندما يصل إلى بيته يعرف أن هذا الشخص قد توفي فجر أول أمس، فمن قابله لم تكن سوى روح الميت أو شبحه، والكاتب يقدم الموقف بدون تعليق أو إيحاءٍ ما، وكأنه يؤكد أن الموقف حدث له هو شخصيًا، خصوصًا وأن القصة تروى بضمير المتكلم.

وفي قصة «الجدة والفم ذو الأسنان» نرى كيف يمكن أن يؤدي الإيمان الراسخ بالموروث الشعبي إلى محاولة قتل بطل القصة من قِبل جدته، حيث وُلد وفي فمه أسنان، وهذا نذير شؤم، والغريب أن الجدة نفسها عندما تصبح عجوزا تقارب المئة عام تنبت أسنان في فمها، فتصبح أعجوبة مشؤومة هي الأخرى. يسخر الكاتب من هذا المعتقد، لكنه يوجه سخرية أكبر إلى الأنظمة التي تستغل سذاجة البسطاء لتحقيق مكاسب سياسية، فالمسؤولون عن الكومونة التي يعيش فيها الطفل وأمه وجدته كانوا قد أعلنوا عن اكتشاف علمي توصلوا إليه تحت مسمى المادة 5248، وهو نوع من الأسمدة البكتيرية الفعالة «حتى قيل إن أرضًا مزروعة بشتلات بطاطا مغروسة جيدًا ومغمورة بالماء والسماد بكتيري من فئة 5248 لمدة شهرين بالتمام، سوف تنتج ثمارًا غير عادية، ثمرة البطاطا الواحدة تبلغ من جودتها وحجمها حدًا يتجاوز المعقول.. بل إنك كنت تستطيع أن تأتي باثنتين ثقيلتين من ثمرها وتصنع منهما مهرسًا مثل وابور الزلط لتمليس الشوارع وتسوية مطبات الطريق!"ص276. يكشف الكاتب عورة هذا الدجل العلمي عندما يستخدم المسؤولون ما حدث للسيدة العجوز كدليل على مزاعمهم التي لم تتحقق في أرض الواقع «حيث أشاع بين الناس أن ما حدث لجدتي من استنبات أسنان جديدة لم يأت إلا نتيجة تجرعها محلولأ يحتوي على مادة مختلطة بسماد المادة5248"ص276. وإذا كانت الجدة قد حاولت قتل الراوي لأنه مولود بأسنان «حيث شاعت بين الناس على مرّ الأجيال أعراف تقول بإن المولود إذا جاء إلى الدنيا بفم ذي أسنان فهذا معناه أن روحًا شريرة قد تقمصته، روح التشفي والانتقام لأحد الراحلين"ص261، نجد الأم تحاول أن تنزع أسنان الجدة بكماشة «بإحدى يديها جذبت لها شفتها السفلى، وبالأخرى رفعت الكماشة وقبضت بطرفيها على ثنيتيها الجالبتين للنحس وشرور الزمان، نزعتهما بكل ما في يدها من قوة"ص283، كان النحس في ذهن الأم ممثلًا في عشرات الزوار الذين يجلبهم المسؤولون ليتفرجوا على أسنان العجوز مدعين أنها بسبب المادة العجيبة5248.

أما قصة «العمة والسيف» فهى تنعى على من يتمسكون بذكريات الماضي بشكل مبالغ فيه، ويضخمون أهمية كل ما يمت للماضي بصلة، فينسون الحاضر، ولا يعملون للمستقبل، ثم يكتشفون أن هذا الماضي المبجل الفخم كان تافهًا فوق ما يظنون، فالنصل الشبيه بالحرير في رقته ونعومته، والتي حافظت عليه العمة «كان من بين الأشياء التي أودعت جهاز عرس سانلان –ابنتها- فحملته معها إلى بيت الزوجية، واحتفظت به سنوات طوال واعتبرته أحد المقتنيات القديمة الغالية... وحسب ما ذكره أولاد سانلان.. إنه لم يكن يساوي شيئًا بجانب سكين المطبخ العادي التي تباع في السوق بسعر زهيد للغاية"ص310.

أما «رجل لا يكف عن المرح» و «شيء من الظرف مع خفة الظل» فهما أقرب إلى أن يكونا روايتين قصيرتين، موضوعهما في جوهره واحد، وهو انسحاق الفرد في مجتمع لا يمنحه الفرصة لإثبات ذاته بالقيام بالعمل الذي يجيده، فيتحول إلى مسخ اجتماعي أو بيولوجي، ويبدو تأثير كافكا بروايته الشهيرة «المسخ» واضحًا في هاتين الروايتين، وإن يكن أكثر وضوحاً في «شيء من الظرف مع خفة الظل» وهي العمل الوحيد بالكتاب الذي قدم فيه الكاتب لعبة تقنية بأن قسم الرواية إلى ثلاثة أقسام هي: شيء من الظرف- مع- خفة الظل. حيث خصص القسم الأول للحديث عن البطل، والقسم الثاني القصير جدًا للحديث عن الكاتب نفسه، والقسم الثالث للحديث عن زوجة البطلة.

في «رجل لا يكف عن المرح» يتحول العامل العجوز إلى قواد لراغبي المتعة في عربة أتوبيس قديمة بالغابة، بعد أن استغنت عنه الشركة التي يعمل بها، ولم يعد يمتلك ما يسد به رمقه ورمق زوجته العجوز، ولا يساعده أحد من الموظفين في الشركة أو في الحكومة، فقط يمنحونه كلامًا معسولًا لا يسد جوعه، ويقدم الكاتب مقارنات ساخرة بين مستوى معيشة المسؤولين الذين لا يفعلون سوى الكلام، وبين معاناة البسطاء الذين يكدون من أجل عدم الموت جوعًا، ويدين هذا النظام إدانة واضحة لأنه حوّل عاملًا مجتهدًا ومواطنًا صالحًا مثل العم «دينج» إلى ممارسة هذه المهنة القذرة ليجد طعام يومه.

ويتحول الأستاذ الجامعي في «شيء من الظرف مع خفة الظل» لأن زوجته الرياضية القوية المتسلطة تهينه طوال الوقت، وتسخف من مجال عمله كمدرس للغة الصينية في إحدى الجامعات كان مشغولًا بكتابة «مادة النص الأساسي في باب «الأساليب الشعرية» وذلك لإدراجه ضمن محتوى «معجم الشعر الصيني"ص169، فتضربه زوجته على قفاه «منكمشًا قال لها: لماذا ضربتني؟. قالت: كنت أريدك أن تأتي معي إلى الحمام لتدلك لي ظهري.. وعمومًا خلاص.. رُح اشترِ لي ممسحة وتعال بسرعة"ص171. وتبدو رحلته من البيت للشارع للمحل الذي سيشتري منه الممسحة حتى عودته للبيت مرة أخرى، تبدو هذه الرحلة كما يصفها الكاتب وكأنها ملحمة يونانية يصارع فيه البطل الأقدار ممثلة في الشارع والناس والسيارات وإشارات المرور، وينتهي الأمر بأن يتحول الأستاذ «وانغ سان» إلى قرد. والكاتب يجسد بهذا التحول ما يدمره المجتمع بالروح الإنسانية، ثم يسخر من المثقفين سخرية مّرة ربما لا يستثني منها حتى نفسه «لما عرف المؤلف بما جرى لـ وانغ سان وانقلابه إلى قرد، لم تنتبه الدهشة المفرطة؛ لأنه كثيرًا ما كان يردد، هو نفسه، في مزاحه وفكاهاته أن وانغ سان هذا أشبه ما يكون بقرد فعلًا، ثم لما بلغه ذات مرة فيما بعد أن كلًا من وانغ شياومي –الزوجة- ووانغ سان لم يعد يعثر لهما على أثر.. وأنهما ربما تعذر الاتصال بهما على نحو من الأنحاء.. لم يستغرب ما سمعه على الإطلاق، وذلك لما عرفه عن المثقفين الصينيين من أنهم طيور أقفاص بطبيعتهم.. تنغلق عليهم الأقفاص وبرغم ذلك لا ينقطعون عن الغناء والتغريد والشدو طوال النهار.. جى جى جى.. تسا تسا تسا.. وقد يتمادى بعضهم في ضرب جدران القفص برأسه، وإذا فتحت لهم الباب الموصد فعلًا، فلا يلبثون بضعة أيام خارجه حتى يعودون إليه بمحض اختيارهم"ص199-200.

ستنتهي من قراءة الكتاب، وقد تتماهى مع «مو يان»، ذلك الرجل الذي لا يكف عن المرح، لكنه مرح معجون بمرارة واقع وصل إلى درجة من البشاعة تسحق روح الإنسان وتجعله لا يملك سوى السخرية من قبح الواقع ليحافظ على توازنه النفسي.