«رسائل من الشاطئ الآخر».. مجموعة رسائل متبادلة بين الكاتب الصحفي المصري حسام عبد القادر والدكتورة دلال مقاري باوش مديرة معهد دراما بلا حدود في ألمانيا.. حول هموم وقضايا مشتركة تهم الوطن بمفهومه الشامل، وتعبر عن كثير من القضايا التي تؤرقنا نحو وطننا وتتحدث عن الغربة خارج الوطن وداخله، خاصة قضايا الهجرة والسفر والهروب عبر البحار والمحيطات لمستقبل غامض على أمل في غد أفضل.

هذه الرسائل الأدبية تذكرنا بجنس أدبي افتقدناه كثيرا وهو أدب الرسائل أو فن الرسائل والذي يعد من الفنون الأدبية القديمة، وهو فن نثري جميل يظهر مقدرة الكاتب وموهبته الكتابية وروعة أساليبه البيانية القوية. والرسالة نص مكتوب نثرا، يبعث به صاحبه إلى شخص ما، كما تعتبر الرسالة الأدبيّة من أهم فنون السرديات؛ حيث تخاطب الغائب وتستدرجه عبر فنيتها ببلاغة الكلمة وقوتها.

الرسالة الحادية عشرة..

عاداتنا في الغربة

صديقتي العزيزة دلال

تأملت كثيرا جملة جاءت مصادفة في حواراتنا عن تغير عاداتنا بتغير مكاننا، توقفت كثيرا أمام هذه الجملة، وبدأت في تأمل عاداتي وهل تغيرت أم لا؟ ولكني ضحكت بيني وبين نفسي، فأنا لي جملتان شهيرتان بين أصدقائي، الأولى "أني تعودت ألا أتعود" والثانية "لابد أن يكون هناك أول مرة"، وسوف أحكي لك سر هاتين الجملتين اللتين أعتبرهما ضمن منهج حياتي.

منذ صغري أحب التأمل فيمن حولي من بشر وطبيعة، وأيضا مجريات الأحداث، ولم اكتشف هذه الصفة أو العادة -إن جاز التعبير- إلا متأخرا، وكنت أفعل ذلك تلقائيا، ورغم شغفي بالتجارب إلا أن هناك كثيرًا من الأشياء التي رفضت تجربتها مثل شرب السجائر وغيرها من العادات التي يندر ألا يمارسها شاب، وتأملت وقتها أن هناك من يربط شرب السجائر أو القهوة بالمزاج مثلا، أو بقدرته على العمل بعد شرب فنجان القهوة.

وسألت نفسي لماذا يقع الإنسان أسيرا لعادات محددة، ولماذا أجعل شيئا في الحياة يتحكم في مهما كان هذا الشيء، فرفضت أن أعتاد عادات ليست ذات أهمية، فأصبحت لا أبالي إن لم أشرب الشاي بعد الغداء يوما ما لأي سبب، أو أن أنام في إضاءة رغم ارتياحي لعدم وجودها، وهكذا.

وفي نفس الوقت لحبي وشغفي كصحفي بخوض تجارب حياتية جديدة ومختلفة فدائما يكون هناك أول مرة للتجربة، فمن الطبيعي أن الإنسان لا يعرف كل شيء، ومهما كبر الإنسان يظل يتعلم ويتعرف على الجديد الذي يكون بالنسبة له «أول مرة».

وأنا مثلا اعتدت على رؤية البحر يوميا، فهو مشهد يريحني نفسيا ولكوني اسكندرانيا، وشاطئ البحر جزء من تكويني ومشهد كنت أراه يوميا بسبب مقر عملي الذي يقع على كورنيش الإسكندرية، وهو ما افتقدته هنا رغم أن كندا مليئة بالأنهار والبحيرات رائعة الجمال، ولكن ليست أمامي بشكل يومي كما كنت بالإسكندرية.

إلا أن الطبيعة وجمالها هنا يعوضني كثيرا عن مشهد مياه البحر، فمشهد الأشجار وأنا أسير في شوارع كندا مثير جدا، ونادرا ما أجد شارعا بدون أشجار على الجانبين، قد يكون التنافس في قلة وكثرة هذه الأشجار، كما أرى أشجارا تتعانق مع صديقاتها على الجانب الآخر وتظل متعانقة، وأخرى تحاول أن تحصل على هذا الحضن الدافئ ولكنها لا تتمكن من الوصول، ومجموعة ثالثة فضلت أن تظل على بعد وأن تكون هناك مسافة كافية بينها وبين مثيلاتها تحسبا لأي تدخل، إلا أن السمة المشتركة بين الجميع هي السلام الذي تعيش فيه هذه الأشجار فرغم قسوة الجو الا أنها ثابتة وصلبة ولا تخشى أن يتم اقتلاعها أو التحرش بها في يوم من الأيام.

وتشهد هذه الأشجار تغيرات حسب فصول السنة، ففي بداية الخريف تتلون بألوان زاهية بين الأحمر والأخضر والأصفر، ثم تبدأ أوراق الشجر في التساقط تدريجيا في مشهد مهيب أشعر معه بالعظمة والهيبة، فالأوراق بعد أن تلونت وتزينت آن أوان سقوطها وتبدأ مرحلة السباق بين الشجر في سقوط الأوراق وتطير الأوراق في سرعة حسب وجود الرياح وسرعتها، حتى تتجرد الأشجار من الأوراق تماما وتصبح عارية، لتستعد للثلوج التي ستغطيها تماما وتجعلها ناصعة البياض.

وأجد أحيانا أوراقا وحيدة تتساقط وحدها دون وجود صحبة معها، وأخرى تتساقط أفواجا كأنها عصافير تطير ولكن ليس لأعلى وإنما لأسفل، وأحيانا تظل الورقة في مهب الريح تتأرجح وتحاول التماسك، فقد تتمسك في زجاج سيارة أو جاكت إنسان حتى لا تقع على الأرض، ولكنها تقع في النهاية، لنجد سجادة زاهية الألوان افترشت الأرض بشكل جمالي، وعندما تتأملين هذا الشكل لا تستطيعين إلا أن تقولي سبحان الله.

فهل تغيرت عاداتي أم أنها تتأقلم مع كل شيء جديد أمر به؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام، لأن العادات بشكل ما هي نحن ذاتنا!

حسام عبد القادر

يسعد مساك كابتن حسام

أعذرني تأخرت بالرد عليك، ولكن آه يا صديقي من أين أغرف بالإجابة؟

وزمني يتصدع بمواضيع ساخنة، ويجيئني الوطن الجديد بعاداته الجديدة، رواية أخشى أن تكون واهمة، تزبد في الأعماق، وتنجب هما لا يقوى على الشفاء.

وصلتني رسالتك على حافة مساء، داهمتني وأنا أنطفئ على مهل قنديلا في مهب الشوق والحنين والخوف، (مدينتي البافارية الصغيرة تقع الآن في عمق الدائرة الحمراء لانتشار وباء كورونا) وتشل حركتها حتى عزلة ماركيز أو عزلة الموت.

وحيدة ينكسر الضوء على نافذتي، فأعبئه في هدوء ساعتي المحتضرة، وأوردتي الخالية، أجفف به جبيني وأهديه صباحي القادم.

حسام، كأنني رماد منطفئ أتخفى كالظلال في القصيدة، لست يائسة ولا محبطة، فقط أنا منهكة، وحائرة أتفهمني؟

تموج الأرض تحت أقدامي وأسقط في وحل الحزن، أنتظر أنامل القصائد تنتشلني، كي لا أضل الطريق إلى كسرة الفرح.

تحدثنا عن العادات الجديدة في صدر الغربة المرصع بالفوضى وفيضان الحنين، ما يدفعني لأن أحتمي باليابسة، بالذاكرة وبعادات الأشجار الواقفة، أخلص فيها لفكرة الشرنقة وأجنحة الضوء، عادات، عادات، عادات، ترشقني ببهار مرّ.

إناء الزهر اليومي، عادة

فنجان قهوتي السمراء، عادة

جمر الغياب،عادة

وفيروز دمي، عادة

ورحيل الطيور من حدائق عمري، عادة

ارتعاشة إبتسامتي على مرآة روحك، عادة

والنوم الذي شردني في إتجاهات الحزن الأربعة، عادة

هديل الشوق في صدري، عادة

والماضي الجالس أمامي على أريكة الذاكرة يتمطى وينفث غبار رئتيه، عادة

حسام، قد تكون رسالتي قد حلّقت خارج السرب المنتظر، لكن قنديلي يكاد ينطفئ، وكفي الباردة ممدودة، وهزائم روحي في هذا الزمن الكوروني، قد فتحت نوافذي على أعشاب (بهجة تشبه الحياة المشتهى) لتذوب أصابعي المالحة في جرح المرآة، حائرة أسيل وتسيل ثغور قصائدي على زجاج نوافذ العالم الباردة والمغلقة، أرخي صباحي وقهوتي وغنائي ستائر سلام في دفاتر سلام.

أستعيد خوفي من البحر كالعادة، وموسيقى التانغو في عروقي، ودمعتي النيئة على ضفاف الكلام، فلا هي تسقط ولاهي تغيب، عادة! فهل يبقى منها ما ينسل خيطان حبال الكتان على عنق أيامي؟

أدرك أنه لم يبق فيّ سوى كولاج وحدتي، وعادات ربطت هزائم حصاني على حافة الكلام.

أعرف أنك تتساءل الآن عن سبب الغصة وبحة نشيدي اليك، عن سر الوجع المكتوم في رسالتي فأجيبك (منذ أيام أصابت حدقتي وقلبي شظايا موت خافت، سكن في لهاث رئتيه، شاهدته خلف الزجاج العازل، ينزل إلى درجات الغياب وحيدا، ذهب، وبقيت الكورونا تشتعل بمزيد من الشوق.. صوته الخافت، لهاث عمره الشجري، شهقة لا تزال معلقة على شفاه الجرح، فلا هو ينزف ولا هو يندمل).

آه يا حسام تموج الأرض تحت أقدامي، وكل منارات العالم لا تكفي لأشعل فتيل الغياب ليعود الذي غاب.

عادات جديدة بأن نحصي الخسائر والمكاسب، في بريد الأحياء والأموات، وعادة جديدة أن أحتفل كل يوم بالحياة!ـ

تمشي أحلامي على عكاز، كي أحتمي بحروف العلة، وأغني لحني الجاف على وتر جاف، على عمر جاف، بصوته الذي يبكي في شراييني.

عادات وعادات وعادات، التحقت بالمساحة التي براها الألم في روحي لهذا العام

رذاذ الياسمين في إناء ذاكرتي، عادة

الدمعة الحائرة على شباك روحي، عادة

عصفور قلبي الذي لا ينام، عادة

وانتظارك، عادة فلا تتأخر المجيء

د. دلال مقاري باوش