ماركو إيفرز

بحلول نهاية هذه السنة، يتوقع العلماء أن ارتفاع عدد الإصابات بفيروس «كوفيد-19» بدرجة إضافية، لكن يمكن اتخاذ خطوات حاسمة لمنع وقوع الأسوأ.

انتهت تسعة أشهر من عام 2020، ويساوي عمر الفيروس الذي طغى على حياتنا في الأشهر الأخيرة هذه المدة تقريباً، ومع ذلك نجح الوباء الجديد في محاصرة العالم مراراً وتسلل إلى الأجهزة التنفسية الخاصة بـ 34 مليون شخص على الأقل.

فيروس «كوفيد- 19» ليس «مجرّد إنفلونزا حميدة»، كما تمنى الأطباء في البداية أو كما يقول أصحاب نظرية المؤامرة حتى الآن. وحتى الوفيات الإجمالية من جراء حوادث السير العالمية (1.3 مليون ضحية سنوياً) لا تُعتبر ظاهرة قاتلة بقدر الوباء المستجد. من المتوقع أن يموت نحو 60 مليون شخص هذه السنة بسبب قصور القلب، والسرطان، والحوادث، والفيروسات والجراثيم، وسيكون فيروس كورونا مسؤولاً عن وفاة واحدة من كل 25 حالة.

ما زلنا في بداية الطريق! لن ينتهي الوباء إلا إذا عجز الفيروس عن نقل العدوى إلى أشخاص جدد. في الوقت الراهن، لم يتلقَ أكثر من 7 مليارات شخص أي لقاح أو لم ينجوا من العدوى كي يطوّروا مناعة ضدها.

مقارنةً بالأوبئة الأخرى، لا تتركز العدوى هذه المرة في أحياء بعيدة من البلدان الفقيرة، حيث يَقِلّ عدد الأطباء والأدوية في الأماكن التي تسجّل حالات وفاة كثيرة. بل ينتشر الفيروس في كل مكان: في أحياء الأغنياء والطبقة العاملة، وفي الجزر البعيدة، وفي أفضل المستشفيات الجامعية في أغنى مدن العالم.

إلزامية التعايش

يموت الكثيرون وحدهم، أو ربما يعتني بهم ممرضون مغلّفون بأغطية بلاستيكية للحفاظ على سلامتهم الشخصية. وفي أماكن كثيرة، تُحفَر أعداد كبيرة من القبور ضمن مسافة متقاربة، ويضطر أقارب الفقيد لتجنب أنواع الجنازات أو مراسم التوديع التي كنا معتادين عليها حتى يناير الماضي.

من المنتظر أن تتوفر لقاحات عدة بفاعلية متفاوتة، وأن تتحسن الأدوية المستعملة في هذا المجال. قد تزيد سهولة السيطرة على الفيروس في المستقبل إذاً، لكنه يملك مخزوناً احتياطياً كبيراً لدى البشر والحيوانات، وهذا ما يجعل استئصاله بالكامل هدفاً مستحيلاً. على غرار فيروسات الإنفلونزا والزكام، سيبقى فيروس كورونا الجديد حاضراً بيننا. لذا يجب أن نتعلم كيفية التعايش معه أو نتقبّل الموت بسببه!

رغم ضخامة عدد الضحايا حتى الآن، يرفض الكثيرون استيعاب قوة الوباء. تتعدد الأسباب الكامنة وراء هذا الموقف. قد تكون الانطباعات المحلية في كل بلد خادعة. كان وضع ألمانيا أفضل من غيرها، فاقتصرت حالات الوفاة فيها بسبب كورونا على 9500. وعلى عكس بلدان أخرى، لا يزال عدد ضحايا «كوفيد- 19»، حتى الآن على الأقل، قريباً من الوفيات الناجمة عن الإنفلونزا العادية.

هذا الخطر «الطفيف» ظاهرياً يدفع الكثيرين إلى الاستخفاف بجدّية الوضع، ما يؤدي إلى زيادة الاستياء من القواعد الرامية إلى منع انتشار الفيروس وتجاهل تطبيقها. لكنّ الألمان ليسوا محصّنين بطريقة سحرية أكثر من سكان البلدان الأخرى. لولا القواعد التي فرضتها ألمانيا منذ بداية ظهور الوباء، كان البلد ليواجه وضعاً أسوأ بكثير اليوم.

في هولندا المجاورة مثلاً، كانت طريقة تنفيذ السياسات المرتبطة بوضع أقنعة الوجه والتباعد الاجتماعي متساهلة جداً. تابع محبو كرة القدم هتافاتهم في الشوارع منذ أسبوع واحتفلوا جنباً إلى جنب، حتى أن دور المسنين لا تفرض استعمال الأقنعة. وفق الأرقام الرسمية، زادت أعداد المصابين اليوم بنسبة الضعف مقارنةً بأسوأ أيام أبريل الماضي، وباتت فترة الإقفال التام المقبلة وشيكة على ما يبدو، ما يجازف بتفاقم الاضطرابات الاقتصادية العميقة أصلاً.

على صعيد آخر، زاد الوضع سوءاً في بعض مناطق إسبانيا وفرنسا وبريطانيا. في غضون ذلك، أعلنت جمهورية التشيك حالة الطوارئ مجدداً بسبب «كوفيد- 19»، ومن المتوقع أن يطرح الشتاء المقبل مشكلة كبرى في بلدان كثيرة.

وبما أن الفيروس المستجد تسلل إلى حياتنا ولن يختفي من تلقاء نفسه، لا تملك معظم البلدان إلا خياراً واحداً في متناول يدها: يجب أن تحارب الوباء بالتدابير الصارمة ثم تُخففها للسماح بتعافي الاقتصاد ونفسية الناس. لا شك في أن الفيروس سيسترجع قوته بعد فترة، ثم تشهد المرحلة اللاحقة تدابير أكثر صرامة مجدداً.

في أفضل الأحوال، سيبتكر السياسيون والسلطات الحكومية طرقاً لتجنب فرض قيود شاملة تدوم لأشهر متواصلة في كل مرة. لكنهم سيضطرون أيضاً للتوفيق بين الضرورات الفيروسية والحاجة إلى عدم خسارة الدعم الشعبي.

آثار مستمرة على المدى الطويل

ثمة سبب آخر لتفسير عودة الفيروس بهذه القوة: طيش الشباب. يقتل فيروس «كوفيد- 19» كبار السن في المقام الأول، لا سيما المقيمين في دور المسنين والمصابين أصلاً بأمراض أخرى. يرتفع خطر الوفاة بسبب العدوى المستجدة، بدءاً من عمر الخمسين، لكن سُجّلت معظم الوفيات فوق عمر السبعين.

مع ذلك لا يمكن أن يشعر جميع الناس في عمر العشرينات أو الأربعينات بالأمان. يواجه معظم المصابين في هذه الفئة العمرية أعراضاً خفيفة نسبياً، لكن قتل الفيروس أيضاً عدداً من الشبان، منهم أولاد ومراهقون. ترتفع نسبة الخطر تحديداً لدى البدينين ومرضى السكري والمصابين بمشاكل رئوية.

كذلك، يتعافى بعض المرضى الأصغر سناً بوتيرة أبطأ مما يتوقع الجميع. يذكر بعض الناجين أعراضاً مثل الإرهاق والصداع والألم العضلي وضيق التنفس طوال أشهر. كذلك، قد يؤدي المرض إلى ضرر دائم في القلب والأوعية الدموية والجهاز العصبي مثلاً.

رغم مرور سنة تقريباً على هذه التطورات، لم يتمكن الأطباء حتى الآن من تقييم خطورة الجائحة بشكلٍ جازم. لهذا السبب يوصي الخبراء جميع الناس، بغض النظر عن أعمارهم، ببذل قصارى جهدهم لتجنب التقاط العدوى منذ البداية وكبح انتشار الفيروس. بعبارة أخرى، من الأفضل أن يقابل الناس أصدقاءهم في الخارج بدل المساحات الداخلية المحصورة. ومن الأفضل أن يركبوا الدراجة الهوائية بدل الحافلات المشتركة ويطلبوا الطعام من الخارج بدل تناوله في المطاعم. كذلك، يجب أن يضعوا الأقنعة على وجوههم ويطبقوا قواعد التباعد الاجتماعي ويلازموا منازلهم إذا شعروا بأبسط الأعراض. وحين يتواجدون في مساحات داخلية، يجب أن يتخذوا خطوات إضافية لتهوئة المكان بالشكل المناسب.

كذلك، قد لا يكون الفيروس المسؤول الوحيد عن الأضرار التي يسببها. يظن ريتشارد هورتون، رئيس تحرير المجلة الطبية البريطانية «ذا لانسيت»، أن ما نشهده اليوم ليس مجرّد وباء، بل إنه يرصد ظاهرة «الوباء التآزري». وفق هذه النظرية، ينتصر الفيروس لمجرّد أنه وجد سكاناً غير أصحاء منذ البداية. يذكر هورتون في افتتاحيته في المجلة أن المسؤولين يواجهون اليوم مهمة شاقة تقضي بتحسين أنظمة الرعاية الصحية لتجاوز الأوبئة الراهنة والمستقبلية. وثمة حاجة إلى تحسين الوضع البشري العام أيضاً، ما يعني تخفيض الإصابات بالبدانة ومرض السكري وارتفاع ضغط الدم وتقليص مظاهر تهميش المحرومين اجتماعياً والأقليات.

من الناحية الوراثية، تكون الفيروسات متشابهة في جميع البلدان. لكنها تعطي آثاراً متفاوتة جداً حول العالم نظراً إلى الاختلافات القائمة بين المجتمعات على مستوى الوضع الصحي والبدانة ومتوسط العمر المتوقع والجهوزية الطبية.

سبع وفيات فقط!

في تايوان مثلاً، سجّل البلد سبع حالات وفاة من أصل 23 مليون نسمة. وفي فيتنام التي تشمل 96 مليون نسمة، توفي 35 شخصاً. اجتاحت موجة خطيرة من فيروس «سارس» البلدين معاً بين العامَين 2002 و2003، لذا تعلّما دروساً مفيدة من ذلك الحدث الصادم وعمدا إلى توسيع نظام الصحة العامة فيهما منذ ذلك الحين، وأنتجا كمية كافية من الأقنعة والملابس الواقية، ووضعا خططاً للتعامل مع الأوبئة، وحضّرا فنادق لحجر الناس. كذلك، نشر البلدان متخصصين في الأوبئة داخل المستشفيات والهيئات الصحية.

حتى رواندا الفقيرة بدأت تتجاوز الأزمة بطريقة فاعلة نسبياً: من أصل 12 مليون نسمة، توفي 29 شخصاً هناك بسبب كورونا. يستفيد هذا البلد من سكانه الشباب والبنى التحتية الطبية التي نشأت للتعامل مع أزمة فيروس نقص المناعة البشري. كذلك، لا يُعتبر وضع ليبيريا وسيراليون سيئاً، إذ تقتصر الوفيات فيهما على 82 و72 شخصاً على التوالي. نجح البلدان في احتواء فيروس كورونا منذ مرحلة مبكرة عبر عزل المصابين بصرامة وحَجْر كل من احتك بهم. إنها الاستراتيجيات التي استُعملت خلال معركتهما ضد فيروس الإيبولا.

تشمل نيوزيلندا 5 ملايين نسمة تقريباً وتوفي 25 شخصاً منهم فقط بسبب «كوفيد- 19» بفضل التدابير الصارمة التي اتخذها البلد عبر فرض الإقفال التام وإلحاق هذه الإجراءات بإغلاق الحدود بما يتماشى مع وضع نيوزيلندا كجزيرة.

في الوقت نفسه، تواصلت حكومة جاسيندا أرديرن مع العلماء المحليين عن قرب لفهم التدابير المطلوبة بالتفصيل، فبادلها الشعب بالثقة والدعم.

لكن اختلف الوضع بالكامل في الولايات المتحدة، أقوى دولة في العالم الغربي. يشمل هذا البلد نحو %4 من سكان العالم فقط، لكنه سجّل %20 من الإصابات والوفيات العالمية الناجمة عن فيروس كورونا. قُتِل أكثر من 200 ألف أميركي بسبب الفيروس حتى الآن، أي ما يفوق عدد الجنود الأميركيين الذين سقطوا في فيتنام بثلاثة أضعاف.

حرص الرئيس الأميركي دونالد ترمب على إعاقة أي نوع فاعل من استراتيجيات إدارة الوباء التي أثبتت نجاحها في تايوان وفرض تدابير مخففة من الناحية الوبائية، مثل إغلاق الكنائس مؤقتاً، قبل الدخول في دوامة قاتلة من الانقسام السياسي، حتى أنه أغلق مؤسسات مهمة مثل «مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها».

نتيجةً لذلك، يتوقع خبراء الإحصاءات في «معهد القياسات الصحية والتقييم» أن يرتفع عدد الوفيات في الولايات المتحدة إلى 382 ألف تقريباً في نهاية السنة، أي ما يساوي نصف عدد القتلى خلال الحرب الأهلية الأميركية، أو أكثر من ضحايا اعتداءات 11 سبتمبر الإرهابية بـ125 مرة، أو ضحايا هجوم «بيرل هاربور» بـ155 مرة.

ما أهمية أقنعة الوجه؟

يكشف نموذج من تصميم «معهد القياسات الصحية والتقييم» أن تايوان ستُسجّل ما مجموعه 10 وفيات بسبب فيروس «كوفيد- 19» في نهاية هذه السنة، أي أكثر من حالات الوفاة حتى الآن بثلاثة أشخاص.

توقّع خبراء الإحصاءات في «سياتل» سيناريو آخر لألمانيا، إذ يشير نموذجها المتبدّل إلى ارتفاع عدد الوفيات بنسبة الضعف هناك في نهاية السنة، فيصل العدد الإجمالي إلى 24600. يرتكز هذا التوقع على الفرضية القائلة إن التدابير المعتدلة ضد فيروس كورونا راهناً ستستمر خلال الفترة المقبلة.

وأصدرت المستشارة أنجيلا ميركل تحذيراً مماثلاً منذ أسبوعين، وكشفت عن احتمال تسجيل 19 ألف إصابة جديدة في ألمانيا يومياً إذا استمر ارتفاع الأعداد بنسبة الضعف شهرياً.

لكن لا يُعتبر هذا الاستنتاج حتمياً. يسجّل البلد إصابات متزايدة، لكنّ التدابير الرامية إلى احتواء الفيروس لا تزال مشددة في الوقت نفسه. كتب الخبراء من «معهد القياسات الصحية والتقييم» أيضاً عن احتمال تجنب 13 ألف حالة وفاة تقريباً بحلول نهاية السنة، إذا توخى الألمان الحذر بقدر سنغافورة على مستوى ارتداء أقنعة الوجه بشكلٍ شبه دائم عند الخروج من المنازل، لأن القناع هو أهم أداة وقائية برأيهم.

لكنّ النماذج التي استعملها خبراء الإحصاءات لا تخلو من الجدل. تنتج عشرات المجموعات البحثية تقديرات متنوعة وتتعامل كل مجموعة منها مع فرضيات ومنهجيات مختلفة. كان جزء من النتائج متشابهاً، وتبدو معظم التوقعات غير دقيقة، لكن لم يحددها أحد بعد. تَحقّق توقّع «معهد القياسات الصحية والتقييم» حول عدد الوفيات في الولايات المتحدة في شهر يونيو الماضي بدرجة معينة، مع أنه كان تفاؤلياً أكثر من اللزوم.

لكن لا تأخذ هذه التوقعات كلها بالاعتبار حقيقة ما يحصل. على أرض الواقع، يبدو الوضع أسوأ مما يفترضه الكثيرون، لأن فيروس كورونا لا يقتل البعض فحسب، بل يموت الناس أيضاً بسببه بطرق غير مباشرة.

في أجزاء واسعة من إفريقيا مثلاً، تراجعت حملات مكافحة بعوضة الملاريا بسبب الوباء المستجد. نتيجةً لذلك، من المتوقع أن تُسبب الملاريا اليوم حالات وفاة أكثر مما فعلت في عام 2019. كذلك، توقفت حملات التلقيح ضد الحصبة والسعال الديكي والكزاز والخناق، وأُعيقت التدابير المضادة لمرض الإيدز والسل. قد يموت آلاف الناس لهذه الأسباب أيضاً، وسرعان ما يتراجع التقدم الذي أحرزه العالم طوال سنوات لحماية الناس من هذه الأمراض المُعدية.

أوبئة أخرى في الأفق!

كاد شلل الأطفال ينقرض بعد بذل جهود ضخمة كلّفت مليارات الدولارات، لكنه قد يعود للظهور مجدداً بسبب فيروس كورونا الجديد. تواجه أفقر البلدان، مثل أفغانستان واليمن وجنوب السودان وهايتي، المجاعات التي تفاقمت بسبب تفشي العدوى.

وحتى البلدان الغنية قد لا تتمكن من تجنب الأضرار الجانبية الناجمة عن فيروس كورونا. تم تأجيل العمليات والعلاجات بسبب الوباء، وزادت حالات العنف المنزلي هناك، تزامناً مع استفحال مشاكل الإدمان على الكحول والاكتئاب والقلق.

عاجلاً أو آجلاً، سيخسر فيروس كورونا معظم جوانبه المرعبة بعد تعديل القدرات الطبية وإعادة تنظيم المجتمعات وأنظمة الرعاية الصحية كلها. في تلك المرحلة، حبذا لو يزيد نفوذ الأصوات التي بدأت تحذرنا من الوضع الذي نعيشه اليوم منذ سنوات، لأننا سنواجه أوبئة أخرى تشتق من مسببات أمراض جديدة مستقبلاً. لن تقتصر المشكلة حينها على وباء واحد إذاً، بل تكثر الأوبئة التي تلوح في الأفق!