عمان - الرأي

استعرض أكاديميون مسيرة البحث العلمي وأولوياته في الوطن العربي وسبل تعزيزه لا سيما في ظل جائحة كورونا التي عززت من عملية التعليم عن بُعد في الجامعات العربية.

جاء ذلك خلال الندوة التي عقدتها وحدة مكتبة الجامعة الأردنية عبر تقنية الاتصال المرئي أول أمس بعنوان "أولويات البحث العلمي في العالم العربي في ضوء جائحة كورونا والثورة الصناعية الرابعة".

وقال رئيس الجامعة الأردنية الدكتور عبد الكريم القضاة "إننا أمام تحدٍ واضح، فيما يتعلق بقرار مجلس التعليم العالي بالاعتماد بشكل كبير على التعلم الإلكتروني خلال السنوات الثلاث القادمة، الأمر الذي يدعو الباحثين لأن يقوموا بأبحاث تكون ذات بعد تطبيقي ووطني".

وثمن القضاة مبادرة المكتبة بعقد مثل هذه الندوات التي تفتح الآفاق أمام الباحثين لتنمية مداركهم العلمية والثقافية والفكرية ودفع مسيرة الجامعة وتحولها إلى حرم ذكي، مشيراً إلى أن الجامعة لم تتفاجأ من عملية التعليم عن بُعد، إذ بدأت بهذه الخطوة منذ فترة طويلة في مواضع كثيرة، ولكنها المرة الأولى التي يصبح النظام فيها بأكمله عن بُعد، ما جعل الجامعة تعزز من إمكاناتها لمواصلة نجاح عملية التعلم عن بعد.

أما الندوة فقد تناولت محاور متعدد منها: دور الجامعات العربية ومراكز الأبحاث في التفاعل مع المتغيرات المحلية والعالمية، هل خلقت الأزمة الحالية دافعا للتغيير أم معيقاً له؟، ومخرجات الثورة الصناعية الرابعة في إدارة الأزمات، تحدث خلالها كل من الأمين العام السابق لاتحاد الجامعات العربية الأستاذ الدكتور سلطان أبو عرابي، ورئيس الجمعية الأردنية للبحث العلمي والريادة والإبداع الدكتور رضا الخوالدة، وعميد البحث العلمي في الجامعة الأردنية الأستاذ الدكتور رضوان الوشاح.

وتحدث الوشاح عن الضعف في الربط بين البحث العلمي داخل أسوار الجامعات واحتياجات المجتمع ومتطلباته، وأضاف أن هذه الأبحاث لم تصل لحل المشكلات الوطنية والأولويات البحثية، كما أن الضغط على أعضاء هيئة التدريس من الجانب التدريسي والأبحاث التي تهدف إلى الترقية، ونزف الكفاءات والعقول المدربة واستقطابها من الدول الأوروبية والأمريكية، ما أثر على جودة الأبحاث العلمية.

كما استعرض الرؤى المستقبلية وأثر الثورة الصناعية الرابعة التي فرضت تغييرا جذريا متسارعا في البحث العلمي والتعليم العالي من صفوف افتراضية وتطبيقات ذكية، وإنترنت الأشياء والأتمتة والواقع الافتراضي، وهذا كله يتطلب خلق بيئة محفزة للتفاعل بين الإبداعات العلمية والأبحاث ترافقها ثقافة أخلاقية تضمن سلامة الفرد والمجتمع، ومواكبة مناهج التدريس في الجامعة للتغيرات مع التأكيد على أهمية المناهج في صقل الشخصية.

وعرض الوشاح بعض التحديات التي تواجه أمن المعلومات وخصوصيتها، لافتا إلى أن بعض الإحصائيات بينت أن الهجمات الإلكترونية كبدت دول العالم 280 مليار دولار عام 2017.

وقال، في معرض حديثه عن محور البحث العلمي في أزمة كورونا، إن هذه الأزمة تحولت إلى فرصة لذا خُصّصت موارد مالية تُعنى بالبحوث الطبية تحديدا فيما يتعلق بالأدوية والعقاقير، إضافة إلى الدراسات المتعلقة بالآثار الاجتماعية والاقتصادية الناتجة من الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي، وفي المقابل أفادت بحوث جديدة بأن فوائد الحظر أدت إلى تخفيض الانبعاثات الكربونية بنسبة ٢٥%.

من جانبه أفاد رئيس جمعية البحث العلمي الدكتور رضا الخوالدة أن إدارة ملف البحث العلمي في العالم العربي ما زالت دون المستوى المطلوب ما يتطلب وجود منظومة للتعليم الجامعي والعالي، وإعادة هيكلة للتعليم ما بعد كورونا، وتطوير البنية التحتية للأنظمة كي تتماشى مع المعطيات الجديدة مع مراجعة القوانين الخاصة بالبحث العلمي.

ونوه إلى أهمية تعزيز دعم مشاريع الطلبة والأساتذة بالإضافة إلى المنظمات الدولية التي تمنحهم نظرة جديدة فيما يخص أولويات البحث، علاوة على الرجوع إلى الخطط الدراسية ومناهجها ومساءلة ما إذا كانت جاهزة لمواكبة التغيرات.

وأكد الخوالدة أننا أمام تحدٍ كبير، يدعو إلى تعزيز الريادة في المرحلة القادمة، وتنمية المهارات القيادية والتفكير الناقد حيث أن سوق العمل القادم سوق رقمي، وضرورة تنمية أخلاقيات البحث العلمي، فضلاً عن الربط بين الإنسان وتكنولوجيا المعلومات (إنترنت الأشياء). كما شدد على أهمية التركيز على الذكاء الاصطناعي في المواد الجامعية والتخصصات، وتطوير المناهج.

وتساءل الخوالدة عن الترابط بين المياه والطاقة والغذاء وعما فعلناه في هذا الاتجاه؟ مؤكدا على أهمية الأمن الغذائي الذي دخل عليه مفهوم التطبيقات الذكية التي أظهرت الحاجة لممارسات جديدة في قطاع الأعمال مع احتمالية اختفاء العملة.

وقدم الأمين العام السابق لاتحاد الجامعات العربية الدكتور سلطان أبو عرابي نبذة عن تطور التعليم العالي والبحث العلمي الذي بدأ منذ ظهور الدين الإسلامي الحنيف، من أفريقيا حيث جامعة الزيتونة في تونس التي تأسست عام 743م وجامعة القرويين عام 859م، ليصل عدد الجامعات قبل 60 سنة في العالم العربي إلى 14 جامعة وقد بات عددها الآن 1200 جامعة، مبيناً أن الأردن شهد تأسيس أول جامعة عام 1962م بتأسيس الجامعة الأردنية ثم تلتها اليرموك، وعلى صعيد التعليم الخاص شهد عام 1990م تأسيس أول جامعة خاصة وهي جامعة عمان الأهلية.

واستعرض الدكتور أبو عرابي واقع الجامعات العربية، مشيرا إلى أن 55% من الجامعات العربية جامعاتٌ خاصة، فيما يبلغ عدد الطلبة في الجامعات العربية 15 مليون طالب أكثر من نصفهم من الإناث، في المقابل يبلغ عدد أعضاء الهيئة التدريسية قرابة 250 ألفا.

وأشار إلى أن 90% من الطلبة في الجامعات العربية يحصلون على البكالوريوس فيما 10% منهم يكملون الدراسات العليا الأمر الذي ينعكس سلبا على مجريات البحث العلمي في العالم العربي.

وقد نوه إلى أن نسبة سكان العالم العربي لسكان العالم 7%، وهنا تساءل أبو عرابي عن مدى تمثيل الإنتاج العلمي العربي في هذه النسبة؟ مشيراً إلى أن نسبة الإسهامات العربية في البحث العلمي العالمي لا تتجاوز 0.4% من المساهمة العالمية مقارنة بدول كأمريكا الشمالية التي تصل نسبة إسهاماتها من النشر العالمي قرابة 30%.

و قال إن عدد الباحثين في الوطن العربي يصل إلى 600 باحث لكل مليون نسمة، بينما تصل هذه النسبة في أمريكا واليابان لأكثر من 6000 باحث لكل مليون نسمة، وتحتل مصر والسعودية أعلى النسب من ناحية الإنتاج العلمي في العالم العربي، حيث تسهم مصر بما نسبته 36% من النشر العربي تليها السعودية بنسبة 29%، أما الأردن فتسهم بنسبة 6% من إجمالي البحوث العربية التي اعتبرها أبو عرابي نسبة جيدة جداً.

وذكر أبو عرابي أن النشر في العالم العربي يفتقر إلى سياسات واضحة تضمن استمرارية الأبحاث حيث إن السمة العظمى من الأبحاث تكون لغايات الترقية، كما يعاني العالم العربي من هجرة للأدمغة إلى أمريكا وأوروبا ما يشكل عائقا حقيقيا أمام البحث العلمي في العالم العربي.

وطالب المتحدثون في الندوة بأهمية تركيز على الأبحاث المتعلقة بالأمن الغذائي والزراعي، ومواكبة التكنولوجيا.

كما أكد مدير وحدة المكتبة الدكتور مجاهد الذنيبات أن هذه الندوة جاءت إيماناً من مكتبة الجامعة بدورها كمنبر للعلم والثقافة، ومواكبة التغيرات وطرح المستجدات ومناقشتها، في ظل تسارع الأحداث في العالم، ولعل أبرزها جائحة كورونا وثورة المعلومات وإنترنت الأشياء، وذلك لخلق بيئة خصبة للبحث عن طرق لمواكبتها.