إشارتان مهمتان ضروريتان، لهما دلالة ومعنى، حرِص رئيس الوزراء الدكتور بشر الخصاونة أن يستهل بهما عهد حكومته، تجسدتا في زيارته هيئة النزاهة ومكافحة الفساد وديوان المحاسبة.

والإشارتان تترجمان توجيهاً ملكياً، جاء قولاً فاصلاً، وواضحاً وحاسماً، في كتاب التكليف، المبنى فيه والمعنى، «تعزيز منظومة النزاهة الوطنية»، والهدف «أن يطمئن المواطن بأن المال العام يجب أن يكون دائماً مصوناً».

التقط رئيس الوزراء، بحرص شديد، الجملة الملكية، وأراد أن يضيف إليها زخماً قوياً، ويوجه بزيارته للمؤسستين الرقابيتين الحيويتين المهمتين رسالة في اتجاهين:

الأولى، للوزارات والمؤسسات الحكومية، بأن المال العام مقدس، والحرص عليه واجب أخلاقي وقانوني، وأن المراقبة والمحاسبة، عبر الأدوات الرقابية الدستورية، لا تقبل النقاش أو التحايل.

والأخرى، للمواطنين، بأن يطمئنوا أن المال العام مصون، وأن الحكومة مشغولة بذلك، ولن تسمح بأي تلاعب يطاوله، ولن تمرر أي استثمار للوظيفة العامة وستتصدى لأي فساد ومن أي نوع كان.

هذا الاستنتاج الطبيعي، والقراءة المنطقية، لمعاني ودلالات الزيارتين وما صرح به رئيس الوزراء خلالهما من جمل واضحة، وتعبيرات دقيقة، من شأنها ترجمة التوجيه الملكي بدقة.

الأكيد، أن رئيس الوزراء يدرك جيداً، وبعمق، أن قدراً كبيرأ من الشكوك وانعدام الثقة ترسخ عند الناس حيال قضايا الفساد والمال العام، ويعي أن الشكوك تحتاج من يزيلها، والثقة من يستردها، وأن مهمته تحقيق ذلك، بكل عزم وحسم ولا خيار غير ذلك.

هذه مهمة ليست يسيرة، لكنها ضرورة ملحة، وحتمية، يؤسس لها، أولاً، بالمكاشفة والمصارحة حيال المالية العامة للدولة، وانعكاسات أزمة جائحة كورونا عليها. وثانياً، بإجراءات فعالة لمكافحة الفساد والمفسدين، مهما كبُر شأنهم أو صغُر.

إن مصارحة الناس ومكاشفتهم، مع الإجراءات العملية، ستوفر أسباباً موضوعية لاطمئنانهم، وتستعيد ثقتهم، بل وتحولهم من ناقدين مشككين معارضين يقفون في صف مقابل، إلى فاعلين متفاعلين داعمين يقفون في صف الحكومة، طالما هي في صفهم.

والأردنيون، لا شك، رغم ما عانوه من ضنك ويعانونه، قبل الجائحة وخلالها، سيوفرون للحكومة البيئة المناسبة للعمل، بمزيد من التعاون والانفتاح والصبر والجلد، إذا لمسوا جديتها في التعامل مع هذه الملفات بحزم وعزم.. طالما أنها تحمل مصباحاً يضيء نهاية النفق.

اليوم، تحتاج الدولة إلى وحدة صفها، وتماسك داخلها، ليس فقط لمجابهة الجائحة صحياً، والحد من آثارها الاقتصادية والاجتماعية، بل والتصدي لتحولات الإقليم وتغيراته السياسية.

ففعل ما من شأنه تصليب القاعدة الاجتماعية، وتمتين بنيانها، ورفع مستوى ثقتها بالمؤسسات، وخلق أعلى قدر من الوعي المشترك، والتوجهات المتقاربة، وإن أمكن الواحدة، سينعكس على قوة الدولة وقدرتها على مجابهة كل تعقيد تفرضه التحديات.

هذه مسألة لا بد أن الرئيس الخصاونة يضعها في حسابه، ولا بد أن تفكيره وتوجهاته تصب في بناء مناخات وطنية، أساسها ثقة الناس، وهو ما سيسهم في مساعدة الدولة على تجاوز صعوبات الداخل وتحديات الخارج.